| 

ماذا تقولون للأجيال اللاحقة إذا أنتم غادرتم الساحل والأساكل الى الداخل، ثم غادرتم الداخل والحواضر فخضتم الأردن الى عمان ومنها ضربتم مشرّقين تهيمون على وجوهكم، لتجدوا لكم مأوى يحميكم ويحمي أطفالكم من الحرّ والقرّ فلم تجدوه في غير خرائب جدودكم الأمويين في (الحرّانة) وعمرة والأزرق وما الى ذلك من الأطلال البالية والمعالم الخاوية الخالية؟.
ماذا تقولون للأجيال اللاحقة إذا أنتم انهزمتم من الحضارة، ولجأتم الى البداوة وخالفتم سنة الارتقاء الصحيح، فعدتم من الحجر الى المدر، ومن المدر الى الوبر، واستبدلتم بالمركبات والسيارات البهائم والإبل ترعونها في الفيافي والقفار وتوردونها ماء القيامة وقريات الملح ووادي السرحان؟
ماذا تقولون للأجيال اللاحقة إذا أنتم تركتم حدائق غزة ويافا وحيفا وعكا الغناء، وجبال نابلس والقدس والخليل الخضراء وما بينها من المروج الزاهية الخصبة، ونزلتم بالبلاقع الجرداء لا تجدون فيها ما يروي الظمأ ويسد الرمق؟
ماذا تقولون للأجيال اللاحقة إذا أنتم خرجتم من دوركم وقصوركم ومنازلكم وبواديكم، ولجأتم الى بيوت الشعر من الطراز الصغير الحقير ذات العمود الواحد والقماش المقطّع المرقّع من غير ان تكتسبوا من هذه البداوة ما في البداوة العريقة من شجاعة وصدق وأمانة وإباء؟
ماذا تقولون للأجيال اللاحقة إذا أنتم وليتم الأدبار من بيت المقدس. فتركتم فيها اقدس تراثكم، تركتم قبلتكم الأولى وحرمكم الثاني تذكاراً بيد الصهيونية المنظمة النشيطة الملتهبة، فتدع على أبوابه الحراس وبأيديهم الكوشانات ليقنصوا منها الأجرة من المتفرجين على آثار العرب الخالية في فلسطين، وعلى ما كان لهم من مسجد يصلون فيه وصخرة لنبيهم يتبركون بها وجامع لخليفة من أعظم خلفائهم، علّم الناس في المشرق والمغرب كيف تحفظ العهود وتحترم العقود؟
بل ماذا تقولون للأجيال اللاحقة إذا أصبح الأولاد يقرأون الخطوط العربية المنقوشة للزائرين، كما يترجم الأدلاء الهيروغليفية للسياح؟
أتقولون لهم إننا بهرنا المال وخطف أبصارنا وهج الذهب، فبعنا تراثنا ومجدنا وكرامتنا بالدرهم والدينار؟ أتسجلون على أنفسكم أمام الأبناء والأحفاد أنكم اقل وطنية وقومية وعقيدة من اليهود؟
ماذا أفادكم دين العرب، وفضل العرب، وعلم العرب، ومجد العرب، وفتوحات العرب، إذا أنتم تنازلتم عن هذا التراث الدائم الغالي بالرخيص الموقت البالي؟
ولعمرو الحق لو أنكم صمدتم ودافعتم وقاتلتم حتى خررتم صرعى في ميدان الفخر، فيمشي أعداء الوطن على هامكم وأشلائكم الى بيوتكم ومساجدكم وبيعكم ومدنكم وقراكم ودساكركم، فاحتلوها، لعذرتكم الأجيال اللاحقة، لأن الموت في سبيل الأوطان ليس عاراً وإنما العار أن يبيع المرء مجده بالدراهم المعدودة وهذه الجنيهات المحفوظة في المصارف باسمكم، فإنها مهما بلغت قيمتها ليست لكم، بل ستعود الى جيوب الذين ضحكوا على العرب بها، لأن المال حتى ما أتى منه بالسبل القويمة لا يدوم، فما بالك بالذي أتى بالسبل المعوجّة! بالسمسرة الوضيعة والحيل الشنيعة، على أن الحرّة تجوع ولا تأكل بثدييها، والنبيل يفترش الأرض ويلتحف السماء في موطن الآباء والجدود ولا يقبل بديلاً عنه قصراً في المنفى وجنة في ديار الاغتراب.

المصدر: مجلة «الجامعة الإسلامية» (يافا)، 10/3/1935