| 

تمتد درب الآلام في الزمان والمكان، في الذاكرة والوعي، بامتداد الوطن العربي كله. تكاد تشكل جغرافيته من أدنى مشرقه اليمني إلى أقصى مغربه الأطلسي. القدس نقطة البداية وقبلة المسير، والخاتمة القدس... والعرب من حولها في تيه عن أنفسهم وعن هويتهم، لا يكادون ينتبهون فيتعرفون إلى الطريق ويتخذون القدس قبلتهم حتى يأخذهم العجز، من جديد، بعيداً عنها ويضيع منهم غدهم. يصيرون قبائل وعشائر ببطون وأفخاذ تتزاحم على التسليم للعدو طلباً للسلطة: خذ أرضنا، خذ يومنا وخذ أحفادنا، خذ نفطنا، خذ مصيرنا، اجعلنا عبيداً نعيش لخدمتك!
صغّر السلاطين فلسطين حتى صارت بحجم القدس بذريعة إنقاذ الاقصى من حريق الاحتلال، قافزين من فوق القضية بأرضها وشعبها وتضحيات الأجيال على طريق العودة الذي كلما حاولت شقه دماء الشهداء أطالته مساومات الذين استبدلوا الوطن الحقيقي بوهم «السلطة».
وصغّر السلاطين القدس حتى صيروها بحجم المسجد الأقصى وكنيسة القيامة... كأن ما ينقصهم مكاناً للصلاة، حصروا القداسة في المعابد ونزعوها عن الأرض وأهلها والناس والشمس والهواء. والمعابد لله، والأرض للسيف.
ولّدت الهزيمة الثورة من خارج رحم الأم. وطريق العودة طويل، طويل، بعضه ملغم ومعظمه مكشوف، وعلى الجانبين قصور سلاطين النكبة.
طمأن «الثوار» السلاطين: لا نريد بكم شراً. لا نريد سلطة او شراكة في السلطة. نريد معبراً الى حلم الوطن فحسب. سنكون دليلكم الى المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، ولكم ان تؤموا فينا الصلاة.
وفتح السلاطين أبواب قصورهم للثوار فدخلوها آمنين، وبهرتهم الفخامة، واستراح تعبهم فوق السجاد الأحمر... وحين خرجوا لإكمال رحلة العودة اكتشفوا انهم صاروا أبعد عن فلسطين، وأن العدو صار في داخلهم،
قال «الثوار» ليُطمئنوا العدو وعواصم القوة وسلاطين الخوف: سنكتفي بالقليل من فلسطين للدولة، وبعض القدس كالمسجد الأقصى وكنيسة القيامة ودرب الآلام، ومقابر الأجداد في «مأمن الله»، للصلاة والاستغفار واستمطار الرحمة على من نسينا.
قال «الثوار» الذين تقاعدوا وما قعدوا ليرتاحوا ويريحوا القضية: لسوف نستقل بالقليل من فلسطين. لنا القرار، ولا يهم بأي لغة سيكتب، ولا من سيكتبه.
وسيمضي وقت ثمين، مضمخ بدماء الشهداء، قبل أن يكتشفوا انه قد كتب بماء يمسح الدم والشعار والصورة الاصلية للهدف المقدس.
امتد درب الآلام اطول فأطول منذ ان افترق الذراع عن السيف، وتاهت العين عن مقصدها، واندفعنا نخبُّ وراء السراب: نطلب التحرير بلا عروبة فننتهي في واشنطن ولا دولة، ونطلب السلطة بلا فلسطين فننتهي في تل أبيب ولا قدس.
ليست القدس فلسطين وإن كانت مركزها. وليس المسجد الأقصى ومعه كنيسة القيامة ودرب الآلام وما بينها طرق الأنبياء والصحابة والقديسين هي القدس. وليست «السلطة» القضية ولا هي طريق العودة...
وعلى درب الآلام سيطول المسير...
والمقدسة هي الأرض، كل الأرض التي تحتاجها فلسطين لتكون وطن العرب جميعاً.