إن ما تسميه إسرائيل «الحي اليهودي» هو، في الواقع، أرض يملكها، في معظمها، فلسطينيون، ولم يكن اليهود يملكون منها أكثر من 15% في اقصى الحالات. لكن، بعد احتلال القدس سنة 1967 طردت السلطات الإسرائيلية المحتلة من هذا الحي ومحيطه نحو ستة آلاف من المسيحيين والمسلمين، وبات من الممنوع عليهم العودة إليه أو السكن فيه لأنهم، بكل بساطة، غير يهود، وهذا شرط تمييزي وعنصري مفضوح.
نتيجة لحرب 1948 قُسمت القــدس، كما هو معروف، الى قدس شرقية وقدس غربيــة. وقد جرى تفريغ القدس الغربية من سكانها الفلســـطينيين، وتفريغ القدس الشرقية من سكانها اليهود القلائل في أي حال، وأمست «حارة اليهود» فارغة تماماً، وخــضعت أملاكهم الى سلطة «حارس أملاك الغائبين» التابــعة للحكومة الأردنية. وقد سكن عدد من الفلسطينيين اللاجــــئين مــن القدس الغربية في هذه الحارة، علاوة على بعـــض الفلســطينيين الذين كانوا يسكنون فيها قبل 1948. لكــن، مع سقوط المدينة فـــي حــزيران 1967، وجــدت السلطات الإسرائيلية أن اليهود لا يملكون في حارة اليهود إلا 105 بنايات من مجموع 700 بنـــاية (كــان اليهود يملـــكون في سنة 1948 نحو 0,6% من مساحة البـــلدة القديـــمة و13% فقط من مساحة القدس الشرقية والغربية معاً، أي خارج الأســـوار). ومع ذلـــك، فقــد صادرت هذه السلطات، على الفور، ثلاثين هكتاراً من مساحة القـــدس القديمة لتوسيع حارة اليهــــود، وأسكنت عـــدداً من العائلات اليهودية فيها، حتى صار هـــذا المـــكان حـــارة عنصرية تخلو تماماً من غير اليهود ويمنع على غير اليـــهودي الـــسكن فيها بحسب قرار اتخذته المحكمة العليا الإسرائيلـــية ســـنة 1978 في ما عُرف بـ«قضية بُرقان». فقد رفـــع مـــحمد بُرقان دعوى ضد الدولة الإسرائيلية في شـــأن منازعـــته إياها على منزل يمتلكه هو، وتريد الدولة أن تصادره. وقد اعـــترفـــت المحـــكمة بـــأن ملــكية المنـزل تعود الـــى محمــد بُرقان، لكنــها رفضت إعادة البيت إليه لأن للمنــــطقة، بحسب المحكمة، أهمـــية خاصة لليهود. وهكـــذا صودر منزل محمد بُرقان وطردت عائـــلته من المنطقة.
تبلغ مســـاحة حـــارة اليهود اليوم نحو أربعة أضعاف الحجم الذي كانت عليه في سنة 1967 (17% من البلدة القديمة). وكانت الـــسلطات الإســـرائيلية فـــور احتلال الجيش الإسرائيلي القدس قد عمدت الى ترميم المباني اليهودية في هذه الحارة، وإزالـــة المباني التي تعود في ملكيتها الى الفلسطيـــنيين، وإنشاء مبانٍ حديثة في مكان المباني العربية التـــي أُزيلت، وشـــق ممــرات لسكان الحارة تربطهم مباشرة بالقـــدس من دون المرور بالأحياء العربية. واللافت أن العـــمارة الجديدة في هذه الحارة تتنافر تماماً مع العمــارة في بقية حـــارات القــدس، حــتى صــارت منطــقة مــشوهة بصــرياً وعمــرانياً، ولا تقــدم أي بـــرهان عن وجــود نمط معماري يهــودي في هــذه المديــنة، أي انها مــجرد حــي للســياح من دون تاريخ أو روح أو شخصية.