| 

لم تكن المقاومة الفلسطينية في لبنان مجرد فصائل عسكرية، أو مراكز تدريب، أو رجال مسلحين، أو مستودعات ذخيرة فحسب، بل كانت حركة تحرر وطني إلى حد بعيد، مع أنها أُرغمت باكراً، وفي سنة 1970 بالتحديد، على السعي نحو غاياتها التاريخية فوق جغرافيا ليست جغرافيتها الأساس، وفي بيئة بشرية ليست بيئتها الأصلية. الأردن، وليس لبنان، هو تلك الجغرافيا الصحيحة والبيئة الملائمة للنضال الفلسطيني. أما لبنان فكان الملجأ الذي لم يكن ثمة ملجأ غيره بعد أيلول الأسود.
في لبنان جرى تأسيس «عقل الثورة» وذاكرتها، بالتراكم التدريجي، وبالتجربة والخطأ معاً. ومارس الفلسطينيون في تلك الحقبة حيوية ثقافية لافتة. ففي المنطقة الممتدة من مستديرة الكولا غرباً والملعب البلدي شرقاً (أي نحو 200 متر تقريباً)، وبين كورنيش المزرعة شمالاً والفاكهاني جنوباً (أي نحو 500 متر تقريباً)، أنشأ نفر من الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين، علاوة على العراقيين وبعض المصريين والتونسيين، مختبراً مدهشاً للثقافة والعيش المتمرد والمترع بالأمل، وحتى بالصعلكة. كان جميع هؤلاء منفيين عن أوطانهم، وكانت الرغبة ملحاحة ولجوجة: إما الرحيل مجدداً إلى منافي الغرب، أو التشبث بالبقاء في آخر بقعة للحرية في العالم العربي، فلعل ذلك يأتي بوعود جديدة في يوم ما.

*******
كانت المقاهي في هذه «الجمهورية» (جمهورية الفاكهاني) موئلاً دافئاً للثقافة الفلسطينية، وللمثقفين العرب الذين عاشوا في أفيائها باطمئنان، وشعروا بالحماية النسبية في مواجهة استبداد أنظمتهم، وأبدعوا في جنباتها نصوصاً جميلة في الشعر والرواية والقصة والمقالة. وفي هذه البقعة تناثرت مقاهي «الشموع» و«الزاوية» و«التوليدو» و«أم نبيل» و«أبو فراس» و«أبو علي» الذي أطلق عليه محجوب عمر لقب «التوسعي». وشكلت هذه المقاهي أمكنة حميمة للعشق والنميمة، ولذم الزمان ونقد المنظمات والنظم معاً. وفي هذه البقعة نفسها كانت ثلاث عشرة صحيفة ومجلة تتنافس على اجتذاب عيون القراء مثل «الهدف» و«الحرية» و«إلى الأمام» و«فلسطين الثورة» و«صوت فلسطين» و«القاعدة» و«نضال الشعب» و«الصمود» و«الثائر العربي»، فضلاً عن «الكرمل» و«شؤون فلسطينية» و«جبل الزيتون» و«الكاتب الفلسطيني» وغيرها، وفي أزقتها نشأت «مؤسسة السينما الفلسطينية» و«مركز التخطيط» و«وكالة وفا للأنباء» و«الإذاعة الفلسطينية» و«مركز التوثيق» وكثير من المؤسسات الرديفة. هذا كله كان مرجلاً لتدريب الناس على الكتابة والسينما والإذاعة والصحافة. ومن هذا المرجل سيتخرج كثيرون ممن لمعوا لاحقاً في سماء الثقافة العربية.
لم تكن هذه المؤسسات بلا شرايين أو دماء، فهي قامت، أساساً، على أحبار الأقلام. وحملة الأقلام هؤلاء كانوا الأجساد التي استشهد بعضها كطلال رحمة (من سورية) وعلي فودة وحنا ميخائيل (من فلسطين) وخالد العراقي (من العراق) وعشرات غيرهم ممن شكلوا شوطاً وجيزاً في المسيرة الجميلة والطويلة للحركة الثقافية الفلسطينية في حقبتها اللبنانية.

*******
غادر العرب مدينة بيروت مع الخروج الفلسطيني من لبنان في سنة 1982. وتحولت بيروت إلى مدينة مهجورة ومحلية الطابع، بعد أن كانت تضج بأسماء كثيرة من الفلسطينيين والعرب أمثال نزار قباني وأدونيس وغادة السمان وصادق جلال العظم وخالدة سعيد وجورج طرابيشي ورياض الريس وحليم بركات ووليد الخالدي وإحسان عباس وجوليانا سيرافيم ونبيل خوري وجمانة الحسيني، وعشرات من أمثالهم الذين لم يحتملوا ما جرى في تلك السنة (أي الاجتياح الاسرائيلي)، وما تبعه من وقائع مروّعة (مجزرة صبرا وشاتيلا ثم حرب المخيمات، ثم حروب الميليشيات في شوارع بيروت). صارت بيروت، من دون العرب، مدينة باهتة لا تنتج ثقافة نضرة ووثابة ومشاكسة، بل ثقافة «بلدية» إلى حد كبير. وفقدت الثورة الفلسطينية، من دون بيروت، ألقها وعقلها وذاكرتها معاً. «عقل الثورة» كان ذاكرتها الموشومة بالنار. والذاكرة الفلسطينية، مثل صناعة الفخار، تحتاج إلى التراب والماء والنار. وكثيراً ما تعرّضت هذه الذاكرة للنار وللاندثار. ذلك ما جرى لمكتبات مراكز الابحاث والتخطيط والآثار، ولمقتنيات مؤسسة السينما وتسجيلات الإذاعة، علاوة على ثروات لا تقدر قيمتها النفسية والشخصية والتاريخية، دُمّرت في المنازل التي سُحقت في مخيمات النبطية وتل الزعتر وجسر الباشا والكرنتينا وضبية وشاتيلا، وأخيراً في نهر البارد. إنها عشرات آلاف الصور وأوراق الطابو والأوراق الشخصية وغير ذلك.
بالخروج العربي من بيروت في سنة 1982 صارت بيروت مدينة بلا دور ثقافي مميز، إلى أن بدأت تستعيد دورها مع نهاية الحرب الأهلية. وبالخروج الفلسطيني من بيروت صارت المقاومة الفلسطينية بلا ذاكرة... أي بلا عقل تاريخي، وربما بلا عقل سياسي.