| 

وجود الوفد الايطالي في بيروت خلال شهر أيلول من كل سنة لإحياء ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا، وللمطالبة بحقوق اللاجئين الفلسطينيين وعلى رأسها حق العودة ـ ليس موعداً روتينياً. عشرات النساء والرجال، وصلوا إلى لبنان هذا العام أيضاً، للتعرف وخاصة لتأكيد خيارنا الوقوف إلى جانب الفلسطينين بدون شروط مسبقة.
أسبوع مكثف من العمل للجنة «كي لا ننسى صبرا وشاتيلا» أظهر وضعاً فلسطينياً يمر بصعوبات كبيرة ضمن استمرار الانقسام الفلسطيني ـ الفلسطيني، والذي ظهر كأنه كسر من الصعب اصلاحه في الفترة القريبة المقبلة، ويفصل بشكل متزايد القوى السياسية عن الاحساس المشترك للشعب الفلسطيني، وعن تلك الانسانية التي تمثلها وجوه الاطفال الذين التقيناهم في البرج الشمالي او عن وجوه اهالي الضحايا في شاتيلا. وتبدو آمال الشباب بعيدة المنال بسبب ألغاز السياسة أكانت هذه من المنظمات الموالية لمنظمة التحرير الفلسطينية أو تلك المتحالفة ضد اوسلو.
إن التصريحات الرسمية للقوى السياسية الموجودة الآن تركز على الحوار الذي يجري في شرم الشيخ بين الرئيس ابو مازن ونتنياهو، قلائل هم أولئك الذين يرون هذا الحوار مفيداً وبإمكانه الوصول إلى السلام.
وتتبنى قيادة فتح، المنظمة القريبة من السلطة، الثوابت التي لا يمكن التنازل عنها، اكثر من الحديث عن إمكانية الوصول إلى اتفاق مع الحكومة الاسرائيلية الحالية، ومع ذلك ومن هذه الزاوية ينظر الفلسطينيون إلى ما يحدث بكثير من الخوف الواضح.
بالنتيجة فإن عشرات السنين من المحادثات وفي أكثر من مناسبة تم تقديم حقوق اللاجئين قرباناً لخيار «السلام الممكن»، لدرجة وصلت إلى إنكار حق العودة غير القابل للتصرف، لذا فإن من الصعب الثقة بمحادثات تبدأ بمطالبة اسرائيل بوقف بناء مستوطنات جديدة، وهي بلا شك مطالبة عادلة وصحيحة ولكنها فعلاً وحقيقة قليلة جداً.
الأمر الحقيقي والواقعي هو الحياة اليومية التي نلمسها في جميع مخيمات اللاجئين في لبنان، بدءاً من استمرار غياب الحقوق الأساسية مثل استحالة القيام بعمل كريم. وبالرغم من القانون الذي سنه البرلمان اللبناني قبل اسابيع والذي اتضح لاحقاً انه ليس إلا عملية اخراج طائفية، او بالأحرى صفقة بين الطوائف على حساب اللاجئين الفلسطينيين. وبالنسبة إليهم عمليا أصبح مستحيلاً القيام بمهن عملية. فالقانون لم يفعل شيئا سوى تشريع جميع الاعمال المتواضعة والتي كان الفلسطينيون يعملون فيها. واليوم تبدو كأنها هبة ضئيلة ولكنها لم تشرع الحقوق الأساسية.
والصورة التي تحولت أمام أعيننا بعد سنوات من الزيارات المتتالية للمخيمات هي انعدام الامل بالمستقبل: ترى أرضك تسحب منك وفي الوقت نفسه تقع مجازر تلو مجازر، ويبقى من يقوم بها بعيداً عن أي عقاب.
أن تشعر انك سجين في أماكن لا حياة فيها في مخيمات غير صحية وأن تحيا بشكل دائم تحت منظار جار يرغب بتصفيتك وانهائك عن وجه الأرض، هذا ليس بالتأكيد بالشيء السهل، ولكن ان تشعر بأنه ليس لك أي مستقبل هو بالتأكيد وبدون شك عامل رهيب قادر على تحطيم الأرجل لشعب يفتخر بأنه لم يخضع ولم يتمكن أحد من السيطرة عليه مثل الشعب الفلسطيني. هذا ما يحدث لآلاف من الشباب الذين يعيشون منذ أجيال في مخيمات اللجوء، شباب متعب يرى في الدراسة عاملاً لتحرر ممكن، بسبب الممنوعات والحرمان من ممارسة النشاطات المهنية والحرفية العالية في بلد مثل لبنان، او بسبب الانغلاق الكامل تجاه كل ما هو «آخر» وهكذا فإن الاحباط وفقدان الأمل قد ينجح بتحقيق ما لم يتمكن مجرمون من تحقيقه وخاصة مجرمي مجازر صبرا وشاتيلا وقانا ودير ياسين، وايضاً امام أولئك الذين أغمضوا أعينهم امام الجرائم التي ارتكبت في تل الزعتر او في ايلول الأسود في الأردن.
إن وجودنا في لبنان منحنا أوجهاً مشجعة جاءت من الشباب صغار السن الذين يعملون مع بيت أطفال الصمود ومن العديد من الأولاد والبنات الذين بابتساماتهم أرادوا أن يطمئنونا انهم مستقبل فلسطين. ستكون قدرتهم على حفظ الذاكرة والتاريخ متحدة بنظرة إلى الأمام لبناء ذلك المستقبل الذي يبدو اليوم أكثر بعداً.
[ رئيس تحرير صحيفة «لاريناشيتا» سابقا وعضو مؤسس في لجنة «كي لا ننسى صبرا وشاتيلا»، وهذه المقالة كتبت خصيصاً لملحق فلسطين.