| 

في اجتياح العام 1982، اعتقل الجيش الإسرائيلي رجال مخيم عين الحلوة، بعدما هدّ البيوت على رؤوس سكّانها من اللاجئين الفلسطينيين. في العام 1984، اكتملت عودة الرجال الذين أطلق سراحهم العدو الإسرائيلي إلى مخيم عين الحلوة، فوجدوا فوق رؤوسهم سقوفاً، ووجدوا في بيوتهم خيراً.
لم يحصل ذلك بسحر ساحر، خاصة أن ذاك السحر لم يشمل منذ العام 1948 الشعب الفلسطيني، برعايته.
هن النساء. نساء مخيم عين الحلوة بنين «مملكتهن»، وأرغمن الحياة على الاستمرار فيها.
احتجن الى الحياة لأنفسهن، ولأطفالهن، والرجال غائبون، مغيّبون. فصنعنها.
الأيدي التي جبلت الاسمنت نسائية، والسواعد التي رفعت الحجر فوق الحجر نسائية.
وقبل ذلك كله، كانت الوجوه التي غضبت في وجه مخطط إسرائيلي بزرع خيمٍ مكان المنازل، نسائية أيضاً. والحس التآمري الذي أحرق الخيم، بعدما عجز الرأي عن إلغائها، كان نسائياً أيضاً.
سبعٌ منهن يروين القصة. يجلسن في مخيمهن اليوم، وقد أرخى العمر بظلاله عليهن. يضحكن وهن يستذكرن، تلمع عيونهن بالفخر حيناً وببديهية القوة في حين آخر، ولا تغيب، ولو لثانية، الروح المرحة عن سردهن.
في الفيلم الذي يروي قصتهن («مملكة النساء»)، يجلس الرجال إلى جانبهن. إن حاول أي منهم عرض العضل على مرأى الكاميرا، نرى زوجته تضحك من خلفه، فيضحك من نفسه، ويعود ليقدّم أوراق اعتماده في سفارتها، يفخر بها، وهي ما زالت تضحك.
من صلب المعاناة والتعب، يسرقن الحياة.
في «مملكة النساء» التي أرسيت يوماً في عين الحلوة، يكثر الظلم اليوم، إن من ذوي القربى الذين نسوا للمرأة انجازاتها وباتوا يريدونها ظلاً للقرار المذكر، أو من دولة مستضيفة تلفظ ضيوفها، أو من إسرائيلي يسعى جاهداً لمحو صورة الأرض من ذهن كل جيل يولد مبعداً عنها. لكن «المملكة» تحررت يوماً، وثبّتت انجازاتها، ما يجعلهن في الفيلم واثقات من أنفسهن، يحكمن على مصدر الظلم بالجهل، وينشئن أطفالاً لو وضعوا يوماً في تجربة شبيهة، فإنهم سيعتمدون على أنفسهم.. مثلما تعتمد أمهاتهن على أنفسهن.
روح الفيلم جميلة، تخلّف في نفس مشاهده عزماً على الحب، وإصراراً على طلب العدل، مهما حاولت الأيام تحويله إلى سراب.
تقول مخرجة الفيلم الفلسطينية دانا أبو رحمة، انها «فخورة بمقابلة هؤلاء النساء الباهرات اللواتي منحني أملاً كبيراً، وأتمنى أن يكون فيلمي قد تمكّن من التقاط القوة التي تميّزهن وعرضها».
أدار التصوير طلال خوري، ورسمت صور الفيلم المتحركة لينا مرهج. فما لم تلتقطه الكاميرا لتؤرشفه آنذاك، حضر في الفيلم بالرسم المتحرّك، استناداً إلى الخبر الصحافي، لكن أيضاً، وأساساً، إلى تفاصيل تستذكرها الشاهدات بدقة.
والنساء اللواتي حاورهن الفيلم هن: خديجة عبد العال، عبلة حسن، صبحية موعد، أمل شهابي، رجاء شبايطة، حليمة شناعة، نادية زعتري.
أنتجته مؤسسة «الجنى»، بتنسيق من معتز دجاني، وصنع موسيقاه التصويرية الفنانان حاتم إمام وعمر خوري.


* يعرض في مهرجان «أيام بيروت السينمائية» الذي تنظمه جمعية «بيروت دي سي»، ضمن برمجة «فلسطين في السينما الجديدة»، في سينما «متروبوليس ـ أمبير صوفيل» في الأشرفية، عند السادسة والنصف من مساء الأحد 26 أيلول الجاري. وتخصص له صفحة على موقع «فايسبوك» تحمل عنوان الفيلم «مملكة النساء».