| 

بحسب الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين ياسر عرفات والمبعوث الأميركي فيليب حبيب، كان على قوات المقاومة الفلسطينية أن تغادر بيروت الى عدد من الدول العربية بحماية دولية بعدما خاضت قتالاً ضارياً ضد الجيش الإسرائيلي لمدة 88 يوماً متواصلاً. وفي 21/8/1982 وصلت القوات البحرية الفرنسية الى لبنان لتكون طليعة القوات المتعددة الجنسية المكلفة مواكبة عملية المغادرة وحماية المغادرين. ومع انتشار هذه القوات في العاصمة بيروت، ومعها، بالطبع، قوات إيطالية وأميركية صار من المحال ان تقتحم القوات الإسرائيلية هذه المدينة. لكن، ما إن غادر ياسر عرفات بيروت في 30/8/1982، حتى شرعت الجرافات في إزالة المتاريس والعوائق وركام المباني وألغام الشوارع، وفُتحت الطرق المقفلة مثل طريق غاليري سمعان ـ الشياح، وطريق المتحف ـ كورنيش المزرعة، علاوة على طريق المرفأ ـ المنارة.
حاولت القوات الإسرائيلية استغلال الفراغ العسكري الذي تركه انسحاب قوات منظمة التحرير الفلسطينية، وانهماك القوى العسكرية اللبنانية في إعادة انتشارها في أحياء العاصمة، كي تتمدد جغرافياً، وتتجاوز خطوط وقف النار، فتقدمت نحو مطعم السلطان إبراهيم في منطقة الأوزاعي، ونحو السفارة الكويتية عند المدخل الجنوبي لبيروت. لكنها لم تلبث أن تراجعت، وأوقفت عملية القضم الزاحف. ومع توسع مناطق انتشار القوى العسكرية اللبنانية بدأت القوات المتعددة الجنسية تنسحب من لبنان عائدة الى بلادها. وقد بذلت الحكومة اللبنانية جهدها آنذاك لإقناع الفرنسيين بإبقاء قواتهم في بيروت للمساعدة في السيطرة على العاصمة، ففشلت. وفي الوقت نفسه كانت إسرائيل تبذل جهداً كبيراً لإقناع الولايات المتحدة الأميركية بسحب «المارينز» فور اكتمال انسحاب الفلسطينيين فنجحت.
*******
مساء 14/9/1982 تمكن حبيب الشرتوني من اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل بعبوة ناسفة وُضعت في الطبقة التي تعلو مقر حزب الكتائب في الأشرفية. وعلى الفور بدأت الطائرات الحربية الإسرائيلية شن غارات وهمية فوق بيروت لإثارة الرعب. وفي الوقت الذي كانت مراسم دفن بشير الجميل جارية في بكفيا في 15/9/1982، كان الجيش الإسرائيلي يبدأ في التقدم نحو العاصمة من عدة محاور منها محور الأوزاعي ـ الأونيسكو، ومحور الأوزاعي ـ كورنيش المدينة الرياضية حتى مستديرة الكولا، ومحور المتحف ـ كورنيش المزرعة، ومحور المطار ـ مستديرة شاتيلا، ومحور المرفأ ـ الطريق الساحلي حتى الحمام العسكري، ووصلت دباباته الى محيط السفارة السوفياتية، والى فندق الكارلتون، والى قصر منصور، وهو المقر الموقت لمجلس النواب اللبناني، والى المنارة. وكانت هناك خطة موضوعة سلفاً لاحتلال بيروت و«تطهيرها» من أنصار المقاومة الفلسطينية، وكانت الخطة تتضمن إشراك «القوات اللبنانية» في هذه العملية. وكان بشير الجميل قد تعهد المشاركة فيها حين أقرتها الحكومة الإسرائيلية في 15/6/1982، أي قبل ثلاثة أشهر من الاقتحام الفعلي للعاصمة. في جانب آخر، ومع الإعلان الرسمي عن مقتل بشير الجميل، وصل رفائيل إيتان، رئيس الأركان الإسرائيلي، الى بيروت ليلة 14 ـ 15/9/1982، وتبعه اريئيل شارون، وزير الدفاع، وعقدا اجتماعاً في الساعة 3,30 فجراً في مقر «القوات اللبنانية» في الكرنتينا حضره أمير دروري قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، وفادي افرام الذي تسلم قيادة «القوات اللبنانية» فور مقتل بشير الجميل، وإيلي حبيقة، وهؤلاء وضعوا اللمسات الأخيرة على خطة الدخول الى بيروت. وعلى الفور بدأت المجموعات المسلحة التي ستشارك في مجزرة شاتيلا وصبرا تتجمع في مطار بيروت. وبعد ظهر 15/9/1982 التقى عاموس يارون قائد القوات الإسرائيلية في لبنان كلاً من فادي فرام وإيلي حبيقة، ووضعوا خطة «تطهير» مخيم شاتيلا من الفلسطينيين، واختير حبيقة لقيادة قوة الاقتحام، فاتخذ موقعاً له في إحدى البنايات المطلة على المخيم من الجهة الغربية. وقد عُرضت هذه الخطة على مجلس الوزراء الإسرائيلي المنعقد في 15/9/1982، فأُقرت.
*******
ظهر يوم 16/9/1982 كانت بيروت الغربية، في معظمها، قد باتت تحت السيطرة الإسرائيلية. ولم تجرؤ الوحدات العسكرية التي احتلت معظم مفارق الطرق الرئيسة على التقدم شرق كورنيش المدينة الرياضية نحو منطقة الطريق الجديدة ـ الفاكهاني التي كانت معقلاً للفدائيين وأنصارهم. أما في ما عدا ذلك، فقد سقطت معظم أحياء بيروت في قبضة الاحتلال، بما في ذلك شارع الحمراء والمناطق الأخرى من منطقة رأس بيروت الحيوية.
*******
كلفت عملية الدخول الى بيروت الإسرائيليين سبعة قتلى ونحو 300 جريح إسرائيلي. والسبب في هذه المحصلة المتواضعة هو أن المقاتلين كانوا قد انسحبوا، وتفرق أفراد المنظمات الوطنية اللبنانية هنا وهناك ولا سيما بعد إزالة المتاريس والدشم والعوائق. وراحت مكبرات الصوت المحمولة على السيارات العسكرية الإسرائيلية تدعو المواطنين منذ يوم 16/9/1982 الى تسليم أسلحتهم قبل أن تبدأ حملة المداهمات والاعتقالات. لكن في 16/9/1982 بالذات أُعلن عن تأسيس «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية»، وبدأت العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال تتصاعد.
لم يستطع الإسرائيليون البقاء في بيروت أكثر من أربعة عشر يوماً (من 15/9/ الى 29/9/1982) ولم يتمكنوا، في أثناء ذلك، من اعتقال إلا أعداد قليلة من الناس، وبالعشرات فقط. وجل ما فعلوه أنهم احتلوا عاصمة عربية، وخرجوا منها سريعاً خائفين مرتعبين، لكنهم أفسحوا في المجال أمام ارتكاب مجزرة مروعة ضد الفلسطينيين العُزّل.
*******
في خطاب له أمام الكنيست الإسرائيلي قال أمنون روبنشتاين انه التقى في لبنان أحد أعضاء حزب الكتائب الذي قال له: موت فلسطيني هو تلوّث، أما موت جميع الفلسطينيين فهو الحل» (أنظر: أمنون كابليوك، «تحقيق في مجزرة»، باريس، المكتب العربي، 1983).
إن أمثال هذا الشخص المشبع بأحقاد عنصرية وضيعة هم مَن كانوا حلفاء الجيش الإسرائيلي الغازي، وهؤلاء هم الذين تواطأوا على احتلال عاصمة بلادهم، وارتكبوا أفظع مجزرة في تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي المعاصر. وفي هذه الأجواء انتُخب أمين الجميل رئيساً للجمهورية في 21/9/1982 خلفاً لشقيقه الذي ما كان في امكانه ان يُنتخب لولا الدبابات الإسرائيلية وانقلاب موازين القوى آنذاك على الشكل الذي بات معروفاً، والذي لم يدم أكثر من سنة واحدة.