على امتداد يومين متواصلين تبارى البعض في تجريب «حضارته» في اصطياد الأطفال والفتيات والنساء والرجال. حتى الأطفال الرضع طعنوهم بالحراب، وقطّعوا أصابع الفتيات الصغيرات، وبقروا بطون النساء، واغتُصبت الشابات منهن. وما إن استراحوا في اليوم الثالث حتى كان نحو 1500 ضحية طُمرت تحت الأرض أو تعفنت فوق الأرض.
إحدى الناجيات الفلسطينيات روت ما رأت فقالت: «كان ابن عمي، وعمره تسعة شهور، يبكي. فعلق أحدهم: لم أعد أطيق صوته، وأطلق النار على كتفه. بدأت أبكي، وقلت له: انه الوحيد الباقي من عائلتي. أخذه وقطعه من فوق رجليه نصفين». وزينب المقداد (لبنانية) قتلوا أولادها السبعة، وكانت حاملاً في شهرها الثامن. بقروا بطنها ووضعوا الجنين على ذراعها. أما وفاء حمود (لبنانية ايضاً) فكانت مثلها حاملاً في شهرها السابع. قتلوها وقتلوا أولادها الأربعة.
أحد المسلحين «المتحضرين» تباهى بالقول: «بعض النساء اختبأ خلف الحمير (...). ولسوء الحظ اضطررنا الى اطلاق النار على هذه الحيوانات المسكينة كي نستطيع قتل الفلسطينيين المختبئين خلفها. لقد تأذت مشاعري عند سماع صراخ هذه الحيوانات الجريحة (...). وكان هناك كوخ صغير. فتحنا الباب عنوة ورأينا في الداخل رجلاً مسناً وزوجته وولدين في الخامسة عشرة والسادسة عشرة. أوقفناهم وبدأنا التفتيش. أحد الأولاد صرخ بنا: «كلاب اليهود». ظن نفسه شجاعاً هذا الملعون. واحد منا أدخل حربته في قلبه. وبدأ صراخ العجوزين والولد الآخر. تعجبنا من صراخهم، فنحن لم نقم بأي عمل يؤذيهم. جرّهم رفاقنا الى الخارج باتجاه الشاحنات المنتظرة، لكن لا أدري إذا كانوا وصلوا»
(مجلة «دير شبيغل»، 14/2/1983)

*******
÷ «كان لا يزال من المستحيل أن نستبعد مقارنة صبرا وشاتيلا بما يماثلها من وقائع الحرب العالمية الثانية. ففي تلك الحرب سمح الجيش الالماني لرجال الميليشيا الكرواتيين الذين كانوا متوحشين كالكتائب بذبح سكان القرى الصربية في يوغوسلافيا سنة 1943. وفي ما بعد قام اليوغوسلاف بإعدام الضباط الالمان الذين سمحوا بحدوث تلك الفظائع».
روبرت فيسك
«ويلات وطن»، بيروت: شركة المطبوعات، 1990

*******
÷ «في ليلة الخميس (16/9/1982) وطيلة ثمان وثلاثين ساعة متواصلة بلا انقطاع، ذبحوا بكل أعصاب باردة الرجال والنساء والأطفال. حتى الخيول والكلاب والقطط (...)، واستخدموا في وحشيتهم القنابل اليدوية والسكاكين والفؤوس والمسدسات والبنادق. قطّعوا أثداء النساء، وحفروا صلباناً في الأجساد. بقروا بطون الحوامل. حتى الأطفال قطعوهم إرباً، ووجدت أطراف طفل مقطعة وموضوعة حول رأسه».
جوناثان راندل
«حرب الألف سنة حتى آخر مسيحي»
بيروت: 1983

*******
÷ إن قرار إجلاء المدنيين الفلسطينيين بالقوة من مخيمات بيروت وجرف المخيمات اتخذ في عهد بشير الجميل. هذا ما قاله بشير الجميل في حديث له مع شارون: «قرار بسيط. سوف نساعدكم على إجلاء الفلسطينيين الى مقربة من الحدود السورية بحيث نستطيع طردهم الى دمشق حينما تتسلم الحكومة اللبنانية الجديدة صلاحياتها (...). سوف يصبح مخيم صبرا في بيروت حديقة وطنية للحيوانات».
آلان مينارغ
«أسرار حرب لبنان»، بيروت: 2005

*******
لم يعش بشير الجميل طويلاً كي يرى مصير توقعاته؛ فقد مات تحت الركام، ولم يتحول حي صبرا الى حديقة للحيوانات. لكن، عند أطراف مخيم شاتيلا، تنزوي مقبرة شهداء صبرا وشاتيلا، بلا رياحين، وبلا أوراق اللبلاب، ولا حتى سعف النخيل. فبعد ثمانية وعشرين عاماً لم تنمُ شجرة خضراء إضافية فوق تراب الضحايا، ولم تتفتح واحدة من شقائق النعمان الحمراء، كأن دماء هؤلاء بلا تاريخ، وبلا هواء وبلا أزهار. كأنما كان المرغوب فيه أن يموت الشهداء بصمت، وأن يصبحوا مجرد ذاكرة واهية للنسيان أو مكباً للنفايات. غير أن الأدهى من ذلك كله أن المجموعات العنصرية التي ارتكبت جريمة صبرا وشاتيلا ما زالت تعرّش في ربوع لبنان، لا كشجر أخضر، بل مثل خضراء الدمن، وما أكثرها. وهذه الجماعات العنصرية الرثة ما زالت تحرض على الفلسطينيين بخرافة التوطين البائدة، وتزعم، يا للوقاحة، انها إنما كانت، بجرائمها المتعددة، تمارس فعل المقاومة ضد التوطين. إنها أكذوبة لا تنطلي على أحد، حتى لو كان طفلاً مخبولاً. فهيهات ان يكون القاتل مقاوماً.