| 

في يوم كئيب مات عدنان وشاب آخر في لحظة واحدة. عدنان هو طالب الطب الذي كان مصاباً بكسر في عظمة الفخذ. مات بسبب مضاعفات في الرئة وهي شيء نادر الحدوث في الظروف العادية.
مضى عدنان في هدوء كما قضى أيامه في المستشفى في هدوء أيضاً. لم يبكِ أحد، فالموت حادث محايد. لكن أمه أبكت الجميع وأضافت الى مشاكل المستشفى مشكلة أخرى.
عندما لفظ أنفاسه فقدت أمه صوابها وانتابتها لوثة عقلية وأخذت تطلب من الحاضرين ان يلحقوا بابنها الذي قفز فوق سور المستشفى لينضم الى الفدائيين. أخذت تسير في ردهة المستشفى تتأمل الوجوه بحثاً عنه، بينما هو راقد أمامها فوق سريره ولا أحد تطاوعه نفسه على نقله الى الخارج تحت الأشجار.
مضت أمه تتطلع في وجوه المصابين وتسألهم عن عدنان. يجب أن تُمنع من ذلك ولكن من الذي يملك القلب على أن يوقفها. تقدم طبيب متطوع وأخذها بين ذراعيه في حنان. سألته عن عدنان فسار بها مدعياً أنهما ذاهبان إليه، وأودعها في إحدى الغرف البعيدة مع أختين من المتطوعات. بعد دقائق نودي عليه بعد أن انفجرتا في البكاء بجوار الأم الحزينة.
في الناحية الأخرى من الممر لفظ الشاب الذي تخرج من جامعة القاهرة هذا الصيف أنفاسه بين ذراعي أبيه. ركع الطبيب بجواره وأخذ يضغط على صدره لكي يستمر تنفسه. كان يدرك أن لا فائدة، ولكنه كان يريد أن يصنع شيئاً من أجل الأب.
ـ اتركه يا حكيم... خلاص.
ـ لسه يا والدي.
ـ لا هو الأول ولا هو الأخير.
ـ الصبر يا والدي!
ـ من سنة تسعة وعشرين واحنا بندفع.
ـ تهون يابا.
ـ روح يا بني مع السلامة مع السلامة.
وأخذ الأب بهدوء يسبل جفون ابنه وهو يتمتم: روح يا ضحية حسين والمجالي... روح... عشر سنين وأنا منتظرك ما فرحت بيك... مع السلامة. وبجواره جلس الطبيب صامتاً. قام الأب وساعد الطبيب على النهوض ولم يطلب إلا أن يعطى فرصة لدفن ابنه في مكان أمين. ولكن اين المكان الأمين؟ بعد أربع وعشرين ساعة كان لا بد من رفع جثته، وعندما رُفعت سار خلفها الأب، وأودعها تحت الأشجار في هدوء... وتحت القصف.


* مستشفى الأشرفية في عمان وليس في بيروت. وهذه الشهادة مستلة من كتابه «الأشرفية» (بيروت: دار الطليعة، 1971). ** محجوب عمر مناضل ومفكر مصري، تطوع في حركة «فتح» سنة 1968بعد خروجه من السجن في مصر بتهمة الشيوعية. اسمه الأصلي رؤوف نظمي ميخائيل عبد الملك. عاش في الأردن وشهد مجازر أيلول الأسود، ثم انتقل الى لبنان، وعاش فيه حتى سنة 1982 حينما اضطر إلى مغادرته إلى القاهرة.