| 

حدث شيء كثير، وعادوا الى طقوس البكاء القديم. هل تغيروا؟
ولم ينس محدثي المثقل بالأمل المتجدد أن يبدي اعتزازه بتفاصيل الذكريات. نفض الغبار عن الشريان الممتد الى يافا. وقال: تعال الى الشرفة لتطل على رائحة البرتقال القادم من هناك. لقد اشتعل الربيع في فلسطين.
ومد يده ليقلد قامة العشب الذي رآه في الأسبوع الماضي في فلسطين الحزينة. كما هي.. كما هي: بساط اخضر يطلع من السر فجأة ويتفجر برقوقاً وكل الألوان.
يصبح الرجل طفلاً، دائماً، حين يقابل أمه. وهذا الرجل العائد من العودة يحدثني عنها كأنه يصلي.
لم ير فلسطين منذ عام الخروج الأول. كانت تتجدد في الحلم وتتجلى في الرؤيا. وحين رآها كانت أجمل. هجمت عليه، بكليتها، فلم يمسك بأي طرف من أطرافها. كان يصف ويتلعثم. كل حديث عن هذا الوطن تأتأة. ومن يستطع تنظيم عواطفه لا يكن عاشقاً. يكون محترفاً.
وسرقتها ـ قال:
لم ينتظر سؤالنا، وتابع: أخذت أفراد العائلة، وسرنا في أزقة يافا نبحث عن بيتنا القديم. تغير شيء كثير. ولكن حاستي لم تتغير. ووجدت البيت. لم يسمح لنا سكانه الجدد بالزيارة. ودار حوار:
ـ هذا بيتنا. جئنا لنزوره. لا لنسكنه. فلا تخافوا.
ـ نحن لا نفهم شيئاً. ولا نسمح للغرباء بالدخول.
ـ أنتم الغرباء.
ـ نعرف ذلك.
ـ وهذا بيتنا.
ـ نعرف ذلك.
ـ نلقي عليه نظرة ونعود.
ـ ممنوع.
ـ نلتقط صورة له من الداخل ونعود الى غربتنا.
ـ ممنوع.
ـ ما هو الحل؟
ـ لا حل.
وانتهى الحوار. أغلق «السكان الجدد» باب البيت بذعر واضح. وانتشر أصحاب البيت على الدرج وفي الحديقة. انصرف بعضهم الى التعرف على أغصان الشجر وعلى التربة السمراء. وانصرف بعضهم الى «سرقة» البيت والحديقة بالكاميرا و«سرق» البعض حفنة تراب للذكرى والطهارة وتجديد الروح.
هم يسرقون البيت
ونحن نسرق صورته. يا للمفارقة.
ولكن، لماذا رفض «السكان الجدد» تلبية رغبة أصحاب البيت بالزيارة؟
من الصعب العثور على اجابة واحدة عن هذا السؤال. ثمة عوامل نفسية وسياسية تشتبك في نفسية الساكن السارق. أهمها: اختلال التوازن النفسي في شخصية السارق عندما يواجهه الضحية بالعودة. لم يكن معداً لهذه المواجهة التي تشرط نظام أمانه اليومي والتاريخي، الشخصي والقومي. فقد اعتاد أن ينسى ان نسيج وجوده يبدأ من اثم وخطيئة هنا. واعتاد ان ينسى إدراك أن تحول غربته الى مواطن جرى على قناعة بقاء الحاضر ـ الغائب (العربي) غائباً. وهذه القناعة نمت على بقاء عجز الحاضر ـ الغائب أبدياً. من هنا كانت طمأنينته قائمة على حساب قابل للتغيير. هذا التغيير يعيد الأسماء الحقيقية الى الاشياء.
ما كان لهذه العملية ان تتم بدون حضور هذا الزائر ـ الحقيقة، الزائر ـ المشكلة، الزائر ـ المواطن، الزائر ـ الجوهر. كل خلايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي تتيقظ في أقصر لقاء وأقصر حوار على عتبتة هذا البيت ـ الرمز في يافا.
هل أعطى الزمن هذا الساكن الجديد حقاً في أن يكون؟ وهل خلع الزمن هذا الحق عن المالك وحدد له مصيراً في أن لا يكون؟. إن الزمن ـ بشكل مطلق ـ قادر على تغيير معاني الحقوق. ولكن الزمن الصهيوني هو زمن العنف. والعنف لا يمنح حقاً. ولكنه قد يساعد على تكريس الإثم الى ان تتغير موازين العنف في الصراع فتتعرى الظاهرة الصهيونية من دعواها ويسقط غبار الدعاية عن جوهرها السافر.
هذا هو صاحب البيت. وهذا هو سارقه. فكيف يواجه السارق هذه اللحظة الحادة؟ وكيف يرد على الأسئلة الناطقة أو الصامتة؟ كيف يجالس شبحاً أو كابوساً! الآن يعرف أنه يسكن بيتاً مسكوناً بالاشباح..
بعد حرب تشرين، انهارت قاعدة مادية كبرى من أعمدة هيكل الدعاوى الصهيونية. وصارت النفسية الإسرائيلية العادية تتوقع قدوم مثل هذا الزائر ـ السؤال. وصارت تعرف أن الزائر ليس سائحاً فضولياً. لكل بيت صاحب. وقد اقتربت مسيرة عودة صاحب البيت خطوة واحدة. فهل يكون اغلاق الابواب حلاً لبلوغ الحق الفلسطيني سن المشي؟ وهل يكون اغلاق الآذان حلاً للأسئلة التي تشكل بلبلة في الطمأنينة الصهيونية؟.
في مكان آخر، فتحوا الباب
قال محدثي العائد من العودة:
سرقنا صورة البيت بالكاميرا، وذهبنا نبحث عن بيت زوجتي. تغيرت أشياء كثيرة في يافا، ولكن حاستي لم تتغير، فوجدنا البيت. كان مكتظاً بعائلات يهودية من أصل بولندي. كل عائلة مكدسة في غرفة. وحبال الغسيل في كل الممرات وعلى كل الشرفات. وتساءلت هل هذه هي جنة اليهود؟ هل جاءوا وخاضوا كل هذه الحروب من أجل هذا المصير البائس؟.
استقبلنا أحد السكان المسنين بقلق وأدب. قلنا له: لا تقلق. جئنا لنلقي نظرة على بيتنا. هذا بيتنا.
قال: لا تواصلوا التفسير. فقد شعرت بذلك. كنت لاجئاً، وأفهم مشاعركم، تفضلوا.
وتحولت زوجتي الى دموع. كانت تحمل صور أمها في يوم الزفاف، هنا.. في هذه الغرفة. وكانت في طريقها الى البيت تتوقع أن ترى أمها العروس جالسة هنا في أوج شبابها وزينتها محاطة بالزغاريد والعطر والرقص. ولكنها وجدت هذا المأتم.
قال الشيخ اليهودي: أعرف ان هذا ليس بيتي. ولكن ما ذنبي؟. الحكومة احضرتني الى هنا.
الحكومة أحضرته. أعدت له هذا المصير. الحكومة قالت له: هذا بيتك الأبدي. هذا بيت اسرائيل. الحكومة قالت له: لن يعود العرب.. لن يعودوا، لأنهم غير قادرين على القتال.
صار الوعي الإسرائيلي مسدوداً. لم يصلوا الى هذا السؤال السهل: ولنفترض.. لنفترض أن العرب صاروا قادرين على القتال. الا يكون هذا بيتي؟ وهل اكتشف ان حقي باطل. وهل كل شيء يتوقف على ان يكون العرب عاجزين عن القتال. ماذا يحدث لو حدث العكس.
وهذا ما حدث. الآن صاروا يسألون. تحولت الأرض المحتلة الى بحر من الأسئلة: هل قطعنا كل هذا الشوط من الخداع من دون أن ندري؟ والصحف الإسرائيلية، بعد حرب تشرين، مليئة بتسجيل هذه الظاهرة: طرح الأسئلة عما حدث.. وعما يحدث.. وعما سيحدث.
أكبر الأسئلة كان: «هل لنا الحق في أن نحيا في هذه البلاد». و«هل مشروع إنشاء الدولة صحيح أم خطأ» و«الحركة الصهيونية سلبت العرب أراضيهم وبيوتهم».
أسئلة صعبة ومحيرة يطرحها الناس العاديون والشباب خاصة. أسئلة تمس قدس الأقداس الصهيونية، منها التشكك بمشروعية المشروع الصهيوني: كل ما ندعيه من حق قام على مبرر واحد هو: الانتصار. فماذا يحدث لو هزمنا مرة. الاسطورة لا تعنينا. الاسطورة تعني أجدادنا. ولم يتبق لنا الا المبرر الثاني: الحرب. وها نحن نكتشف بأننا معرضون للهزيمة. فما هو الحل؟.
حدث شيء كثير، وعادوا الى طقوس البكاء القديم، فهل تغيروا؟
رداً على صعوبة الأسئلة وخطورتها، شكلت الحكومة الإسرائيلية، لأول مرة في تاريخها، وزارة للإعلام في محاولة لمواجهة تدفق الشك الذي جرح العلاقة بين الإسرائيلي وبين «الوطن». وقال وزير الاعلام إن وزارته «ستهتم بدعم حب البلاد».
ماذا يعني ان تنصرف وزارة الى تعليم حب البلاد؟. معناه أن كثيراً من الإسرائيليين لا يحبون «بلادهم» لأنها ليست بلادهم.
وهنا. هنا، جوهر الخلل التاريخي العميق في مجمل المشروع الصهيوني. فالصهيونية لم تستطع طيلة تجاربها وتطبيقاتها أن تخلق علاقة الحب التلقائي بين الإسرائيلي وبين البلاد التي تدعي أنها وطنه. في أول محك صعب لهذه العلاقة سقطت قشرة الحب الاصطناعي، لأن السلاح ـ وحده ـ كان هو القلب. انها لفضيحة صهيونية أن تقام وزارة لغرس قلوب اصطناعية للاحساس بالحب بين اليهود وبين أرض فلسطين.
ما أقسى التجربة! لقد عاشت العلاقة بين اليهودي وفلسطين وانتعشت في الزمان. وها هي تجد مقتلها في المكان. لأن العلاقة بين الزمان والمكان في الوعي الصهيوني علاقة مصطنعة. من السابق لأوانه القول، ولكن يمكن التكهن بأن إنشاء المشروع الصهيوني أفدح كارثة تلحق بالروح اليهودية التي ازدهرت في الزمان. وثمة مقدمات كثيرة تدل على أن إسرائيل تهدد الابداع اليهودي والمساهمة اليهودية في الثقافة العالمية بأقسى الخسائر.
وان الإسرائيليين العاديين أنفسهم لا يتحدثون عن «الوطن». انهم يتحدثون عن «المشروع» الصهيوني. وثمة فارق شديد الاتساع بين الوطن وبين المشروع. ومن أحدث علامات تفسخ العلاقة بين الإسرائيلي وبين أرض فلسطين: تشكيل حركة جديدة في تل أبيب «حركة التغيير» أسستها مجموعة من أساتذة الجامعة وأصحاب المهن الحرة. وقد قال البروفيسور امنون روبنشتاين في الاجتماع التأسيسي للحركة، نقلاً عن احدى الصحف الإسرائيلية، أن كل شاب من خمسة شباب في إسرائيل يدرس امكانية النزوح عن البلاد.
ان تفسخ هذه العلاقة بين الإسرائيلي وبين الأرض الفلسطينية في أول ضربة عسكرية حقيقية يكشف عن زيف هذه العلاقة من أساسها، ويعيد الى الأشياء أسماءها الحقيقية: هذا المواطن ليس مواطناً. انه محتل. وهذه الأرض ليست وطنه. انها وطن الآخرين. ولكن لم يكن بوسع هذه الحقائق أن تلامس الوعي الإسرائيلي بالمحاكمة الفكرية وحدها. كان لا بد من ضرب الأساس المادي للقناعة الإسرائيلية بصواب الخطأ. كان لا بد من خدش سلاحه الذي كون قناعته.
ـ وماذا تقول يا صديقي العائد من العودة؟
÷ هل كانوا هكذا قبل الحرب؟ لقد فوجئت بأنهم عاديون.. عاديون جداً. ولم ار في طول البلاد وعرضها معالم الحضارة التي يقولون إنها التحدي بيننا. ولاحظت أن حياتهم شاقة. الغلاء فاحش. التنظيم الذي يتحدثون عنه فوضى. الخطوط التليفونية شبه معطلة. وسائل المواصلات غير مريحة. و.. وأين قوتهم؟ لقد وضعوا كل قوتهم في الجيش. ووظفوا كل طاقاتهم ومواردهم في الجيش. ليسوا دولة بل جيش. إنهم جيش يملك دولة. وماذا يحدث حين يهزم الجيش.. ماذا يحدث؟
ـ ماذا رأيت أيضاً؟
÷ قريباً من عكا.. رأيت منزلاً عربياً مهدوماً. قالوا إن السلطات الإسرائيلية نسفته لأن فدائياً فلسطينياً مر من هناك. وقد زرعوا على أنقاض البيت لافتات، بثلاث لغات، كتب عليها: «من أجل السلام. من أجل السلام. من أجل السلام».
وقال محدثي: تعال الى الشرفة لتطل على رائحة البرتقال القادمة من هناك. ما زالت الأرض كما هي: بساط أخضر يطلع من السر فجأة، ويتفجر برقوقاً وكل الأزهار وكل الألوان.
وهي لنا.


* «وداعاً أيتها الحرب وداعاً أيها السلام»، بيروت: مركز الأبحاث، 1974.