| 

كثيرون كتبوا عن أيلول الأردن وويلاته في سنة 1970، لكن شهادة صلاح خلف (أبو أياد) لها مكانة خاصة؛ فهو أحد المحاورين الدائمين للملك حسين قبل الأحداث الدامية التي اعتقل في أثنائها، واضطر إلى إذاعة نداء الى الفدائيين يدعوهم الى وقف النار، وهو الذي أرسل أبو داود للقيام بعملية أمنية في الأردن سنة 1973. ولأهمية ما يعرف نورد شهادته هنا.
دقت معركة جرش وعجلون ناقوس النهاية للمقاومة في الاردن. فعلى مدى الأيام الخمسة الممتدة بين 13 و17 تموز 1971، راح نحو ثلاثة آلاف فدائي متحصنين في الغابات والهضاب المكسوة بالأشجار في هاتين الناحيتين الواقعتين في شمال المملكة يقاتلون حتى الطلقة الأخيرة ضد قوات الجيش الاردني. وقد رفض القائد المحلي، أبو علي إياد، عضو اللجنة المركزية في فتح ان يستسلم. لكنه أُسر على اثر عملية مطاردة هائلة، ووقع نحو ألفي فدائي في الأسر وسلموا في وقت لاحق الى سلطات دمشق، وأفلح نحو مئة في اللجوء الى سوريا. وهكذا انطوت احدى صفحات المقاومة، وهكذا ايضا انتهى عصر زهو الحركة الفلسطينية، الذي كان انتصار الكرامة في آذار 1968 إحدى ذراه بلا نزاع.
بدأت علاقاتنا مع الحكم في الاردن تتوتر في منتصف تشرين الأول 1968 بعد مصرع رفيقنا عبد الفتاح حمود، الذي كان احد أوائل قادة فتح، بحادث سيارة. وقررنا ان تسير جنازته في عمان، حيث ظهرنا فيها للمرة الاولى. وهناك ألقيت امام عشرات الألوف من الأشخاص الذين جاؤوا ليودعوه الوداع الأخير، خطابا يثني على صنيعه وصنيع المقاومة.
وبعد مرور شهر على جنازة عبد الفتاح حمود، في تشرين الثاني 1968، جرى اختطاف ضابط من الحرس الملكي الاردني على يد منظمة سرية تدعي انها فلسطينية، لكننا لم نسمع بها قبل ذلك مطلقاً.
وقد وضع الجيش في حالة استنفار وهدد باقتحام مخيمات اللاجئين لإلقاء القبض على الخاطفين وتحرير رهينتهم. فكان ان طلب فريق من قادة مختلف المنظمات الفدائية ـ بينهم ياسر عرفات ويحيى حمودة وبهجت أبو غربية وحامد أبو ستة وأنا ـ مقابلة الملك لبحث الموضوع. وكانت تلك أول مرة أقابل الملك فيها شخصياً.
كان الملك غاضبا فأكدنا له براءتنا، وأوضحنا له اننا نجهل كل شيء عن المنظمة التي تدعي القيام بهذه المحاولة التي ندينها نحن على أي حال بمنتهى الشدة والحزم. ثم اكدنا له مجدداً إرادتنا في الحفاظ على علاقات جيدة مع السلطات الأردنية. وفي النهاية وافق الملك وأصدر أوامره للجيش برفع الحصار عن المخيمات.
في 7 آب 1970، أي بعد مرور اسبوعين على دخول وقف اطلاق النار الذي انهى حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية ـ الإسرائيلية حيز التنفيذ، ذهب الملك الى الاسكندرية، حيث حظي باستقبال حار من عبد الناصر. ولدى عودته الى عمان، أشيع، انه اتفق مع الرئيس المصري على انهاء الحركة الفلسطينية التي وقفت بالاجماع ضد مخطط روجرز وقرار الأمم المتحدة الرقم 242 الذي يرتكز المخطط عليه.
غير ان مجلس المقاومة المركزي كان منقسما بشأن الموقف الذي ينبغي اتخاذه من عبد الناصر. فهل ينبغي ان نتصادم مع النظام المصري؟ وأجابت الغالبية التي تؤيد السياسة المغامرة على هذا السؤال بالإيجاب. أما فتح، ومعها منظمة الصاعقة الموالية لسوريا وبعض المستقلين، فكانت على العكس من ذلك، مصممة على عدم قطع الجسور مع مصر. ومنذ ذاك قررنا ارسال مندوبين الى عبد الناصر سعيا وراء نمط تعايشي.
كان الوفد الذي ذهب الى الاسكندرية يضم ياسر عرفات وفاروق القدومي وهايل عبد الحميد وأنا (عن اللجنة المركزية في فتح) وضافي جمعاني (عن الصاعقة) وابراهيم بكر (مستقلاً). واستقبلنا عبد الناصر ببعض الفتور ثم قال لنا مباشرة «لقد تنزهت في حديقتي طوال ساعة لأتمالك غضبي وأنا استقبلكم». كان غاضبا من الهجمات التي كان يتعرض لها في منشورات فتح والتي اظهر لنا بعض نماذج منها كانت مبعثرة على مكتبه. ثم اضاف انه لا يحق لنا ان ننتقده قبل ان نعرف البواعث التي دفعته الى قبول مخطط روجرز.
وأشار خلال المحادثة التي دامت اكثر من سبع ساعات الى ان هناك إمكانية بنسبة واحد بالألف في ان يتحقق مشروع السلام الأميركي لانه يعلم مقدما انه ليست لدى إسرائيل النية مطلقا في احترام التزاماتها وإعادة الأراضي المحتلة بكاملها. لكنه سيواصل برغم ذلك جهوده للتوصل الى تسوية سلمية. وبانتظار ذلك فإنه لا بد من كسب الوقت ليستعد للحرب التي تبدو له في الوهلة الاولى أمراً لا مناص منه. وأضاف انه خلال زيارته الأخيرة لموسكو طالب بتسليم مصر صواريخ سام 7، وحصل عليها بعد ان هدد بالاستقالة. ثم أفضى لنا بأنه «سوف نستغل وقف إطلاق النار الساري حالياً، لنضع هذه الصواريخ على طول قنال السويس».
دارت المحادثة في جو حبي اولا ثم ودي بعد ذلك وبدأ عبد الناصر مرتاحا ودعانا الى العشاء الى مائدته. ثم ابدى لنا قلقه من الوضع في الاردن. ثم غادرنا الاسكندرية ونحن نصف مطمئنين. وفي مناخ الازمة هذا، عمدت الجبهة الشعبية في 6 أيلول الى اختطاف اربع طائرات، وقادت ثلاثاً منها الى مدرج هبوط في الاردن بعد ان عمدته باسم «مطار الثورة» معلنة بذلك تحديا جديداً للملك.
وعمت المعارك شمال الاردن حيث راحت المدفعية الاردنية تقصف مكاتبنا قصفا منتظما. كان علينا ان نرد وان نسرع في الرد. والغريب هو ان العراق كان يحرضنا على الاستيلاء على السلطة. فقد جرى تقديم عرض ملموس لنا بهذا المعنى قبل اختطاف الجبهة الشعبية للطائرات ببضعة اشهر. فخلال زيارة رسمية لعمان، التقى وفد يمثل نظام بغداد ويضم ثلاثة من أبرز اعضائه نفوذاً هم: عبد الخالق السامرائي وزيد حيدر (عضوا القيادة في حزب البعث) وصالح مهدي عماش وزير الداخلية، مع ياسر عرفات ومعي في أيار ١٩٧٠ بقاعدة الحبانية. وقال لنا موفدو بغداد: «نظموا محاولة انقلاب، وستدعمكم الوحدات العراقية المرابطة في الاردن لقلب النظام وإقامة سلطة شعبية». وكان في مشروعهم ان تحتل هذه الوحدات الزرقاء واربد في الشمال بينما يستولي الفدائيون على عمان.
كان شعور عرفات وشعوري هو ان العرض تعوزة الجدية. واقترحنا على محادثينا الحصول بادئا على تأييد سوريا، واذا امكن مشاركتها في المشروع. وكنا نعلم ان التفاهم بين بغداد ودمشق امر مستبعد عمليا بالنظر الى المنافسات والخصومات بين العاصمتين. ثم تبين ان ريبتنا كانت في موضعها عندما لاحظنا سلبية الجيش العراقي اثناء الحرب التي ستندلع بعد ذلك بأيام بين الفدائيين والقوات الاردنية. في 14 أيلول خابرني عبد المنعم الرفاعي بالهاتف. كان صوته في الطرف الآخر من الخط عصبيا قلقا. قال لي رئيس الوزراء «وقعوا أي اتفاق بالغا ما بلغت الكلفة» دون ان يقدم اي تفسيرات، ثم اقفل الخط.
في صبيحة اليوم التالي أقيلت حكومة الرفاعي، وكلف اللواء محمد داود، الفلسطيني الاصل، بتشكيل حكومة حرب كان كامل أعضائها من العسكريين. وفي 16 أيلول وجه ياسر عرفات نداء استغاثة الى كافة رؤساء الدول العربية. لكن كان الأوان قد فات. ففي غداة اليوم التالي شنت القوات الاردنية هجوما عاما ضد الفدائيين.
كنا لا نزال نجهل أن وحدات سورية عبرت الحدود لتساعد الفدائيين، مثلما كنا نجهل ان ضغوطا سوفياتية ومصرية كانت تمارس على دمشق لسحب قواتها تلافيا لتدخل عسكري إسرائيلي ـ أميركي. وانما عرفنا في ما بعد، أن الجيش السوري انسحب بعد دخوله بأربعة أيام. أما الوحدات العراقية فإنها ظلت سلبية كما توقعنا تماما.
وفي 28 سبتمبر ـ أيلول، غداة توقيع اتفاق وقف اطلاق النار بين الملك حسين وياسر عرفات، كنا ـ فاروق القدومي وأنا ـ لدى أصدقاء في القاهرة حين توقفت الإذاعة فجأة، وبدأت تبث آيات قرآنية. وخالجنا شعور بأن مصيبة حلت بعبد الناصر، ثم لم يلبث بعض الصحافيين الأصدقاء ان أكدوا لنا النبأ الرهيب: لقد مات الرجل الذي أنقذنا.
وعلم عرفات وأبو جهاد وأبو مازن الذين كانوا يتجولون ذلك المساء في سيارة بدمشق، بالنبأ من الإذاعة التي بثت النبأ كما بثت نص برقيتي. وانفجر الثلاثة بالبكاء. وعندما رأيت عرفات الذي عاد مسرعا الى القاهرة كانت الدموع لا تزال تنهمر من عينيه.
كان عبد الناصر أبا لنا جميعا وهاديا، وقد ادى كوطني، خدمات جلى للشعب المصري، وقدم، كقومي عربي، معونة لا تقدر للشعب الفلسطيني، ذلك انه كان يحبنا حبا صادقا.
وظل وفيا للالتزامات التي قطعها لنا منذ لقائنا الرسمي الأول عام 1968، وكان كثيراً ما يستقبلنا دون ان يحسب حساب الوقت الذي يوليه لنا. فكانت محادثاتنا تتصف بالصراحة وتنتهي دائما بنتائج ملموسة. وما زلت أذكر محادثة أجريناها معه ـ عرفات وأنا ـ في تشرين الثاني 1969 بحضور أنور السادات. فقد حرص على ان يوصلنا الى درج مدخل منزله، ثم راح يتتبعنا بعينيه ونحن نتجه نحو سيارتنا. ورأيت نظرته، كانت نظرة مشرقة مليئة بالحنو الأبوي وبالرضى.


* انظر: «فلسطيني بلا هوية»، عمان: دار الجليل، 1996.