ربما يبدو الحديث عن الانفصال الذي وقع في 28 أيلول 1961 خارج مسار القضية الفلسطينية، ولا يندرج في سياق تبلور الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة بإنجازاتها وتراجعاتها وانكساراتها. لكن ذلك اليوم الأسود الذي جلّل بسواده العالم العربي بأسره قبل نحو خمسين سنة، كان عنصراً شديد الأثر السلبي في المشروع القومي العربي وفي أهدافه الرامية إلى التوحيد القومي، والتحرر من الاستعمار بما في ذلك تحرير فلسطين. ولعل قيام منظمة التحرير الفلسطينية في سنة 1964، والتي كانت القاهرة حاضنة لها، وجمال عبد الناصر راعياً لها أيضاً، كان نوعاً من الرد غير المباشر على الانفصال. ثم جاء صعود الكفاح المسلح الفلسطيني بعد هزيمة الخامس من حزيران 1967 كأنه محاولة لاستنقاذ الوضع العربي المتهالك جراء هذه الهزيمة. وفي هذا السياق يمكن أن نفهم تماماً لماذا وقعت أحداث أيلول 1970 في الأردن، ولماذا وقعت أحداث نيسان 1969 في لبنان قبل ذلك بسنة. فليس من المسموح، لدى دوائر الاستعمار، أن تتوحد هذه المنطقة، ولا سيما مصر والشام، أو العراق والشام، لأن في ذلك تهديداً مباشراً للكيان الإسرائيلي، وتحفيزاً لعناصر النهضة في العالم العربي. وليس مسموحاً، على الإطلاق، أن تتعاظم قوة الكفاح المسلح لتحرير فلسطين، لأنها قوة ستكون مرصودة أيضاً لاقتلاع الكيانات التي أسسها سايكس وبيكو في سنة 1916 فصاعداً، والتي طالما كانت أحزمة لأمن إسرائيل، أو حواجز لإعاقة الوحدة العربية.
مهما يكن الأمر، فإن استعادة ما حدث في دمشق في 28 أيلول 1961 هو، في الوقت نفسه، استعادة لما جرى في دمشق أيضاً في 22 شباط 1958، أي يوم الوحدة المصرية ـ السورية، بروعته وسموه والآمال العظيمة التي أطلقها في سماء العرب. أما الحكاية فهاكم هي منذ البداية.
*******
في ليلة 28 أيلول 1961 قامت بعض الوحدات العسكرية السورية بالتحرك نحو دمشق لتنفيذ عمل سياسي قذر هو فك الوحدة بين مصر وسوريا. وكان في مقدمة هذه الوحدات قوات البادية بقيادة حيدر الكزبري، واللواء الأول المرابط في قطنا بقيادة مهيب الهندي وهو صهر عبد الكريم النحلاوي الأداة المتآمرة الرئيسة في هذا الانقلاب. وكانت التعليمات الصادرة عن النحلاوي هي السيطرة على استراحة المشير عبد الحكيم عامر القريبة من منطقة المهاجرين، واحتلال مبنى الأركان العامة ومبنى الإذاعة ومبنى الهاتف الآلي، والقبض على الضباط المصريين العاملين في وحدات الجيش الأول، ثم فك الوحدة.
*******
في بادئ الأمر كان الرئيس جمال عبد الناصر يعتقد أن ما يجري في دمشق مجرد عملية تمرد محدودة، فأصدر، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، أمراً يقضي بتسريح الضباط المتمردين وتجريدهم من رتبهم. لكنه، بعد تطور الأحوال، اكتشف خطورة الموقف، وكان أول ما قام به هو التوجه إلى الإذاعة في القاهرة ليذيع بياناً يعلن فيه أن ما حدث في دمشق هو عمل شائن. وأكد أنه لن يعلن فك الوحدة، لأن من يرغب في فكها هو إسرائيل وكذلك الاستعمار. ثم قرر الرئيس عبد الناصر إرسال لواء من المظليين إلى اللاذقية لتعزيز حاميتها التي اعتقد أنها موالية للوحدة، كما أمر بإرسال قوات محمولة براً قوامها فرقة مدرعة وفرقة مشاة. غير أن الرئيس عبد الناصر عاد وألغى قرار إرسال قوات إلى اللاذقية، وأمر وحدات المظليين بالعودة، وأصدر أوامره بوقف العملية برمتها، لأنه لم يكن يرغب في إراقة الدماء على أيدي أبناء الجيش الواحد. وبسبب التدخل الدولي الذي أعقب الحركة الانفصالية، واعتراف بعض الدول بحكومة الانفصال، وجد عبد الناصر نفسه أمام الأمر الواقع الذي بات من الصعب تغييره. فاستدعى في 5/10/1961 الأعضاء السوريين في الحكومة المركزية، وعرض أمامهم الوضع وأخبرهم عن البيان الذي سيذيعه مساء اليوم ذاته. وبالفعل أذاع عبد الناصر البيان من إذاعة صوت العرب، وفيه عدم ممانعة الجمهورية العربية المتحدة بعودة سوريا إلى احتلال مقعدها في الأمم المتحدة وفي جامعة الدول العربية.
*******
برهنت الأحداث اللاحقة أن الوحدة السورية ـ المصرية كانت إحدى الذرى التاريخية الكبرى في تاريخ العرب المعاصر، وفي مسيرة النضال العربي في سبيل الوحدة والتحرر الوطني والتقدم الاجتماعي، وأن الانفصال كان إحدى محطات التآمر الخارجي والداخلي على محاولات الاستقلال القومي، وحلقة من حلقات منع العرب من تقرير مصيرهم بأنفسهم، وبداية التقهقر السياسي الذي بلغ القاع في هزيمة الخامس من حزيران 1967. ولولا الانفصال لما وقعت، على الأرجح، هزيمة حزيران، والهزائم اللاحقة.