| 

كامب ديفيد إحدى أكثر المنشآت أمناً في ترسانة حكومة الولايات المتحدة الأميركية. ففي جميع الأوقات وخاصة خلال اجتماعات القمة توفر الحلقات الأمنية ذات القيادة المركزية حماية قصوى لشاغليها. وقد كانت هناك إجراءات احترازية قياسية، حيث تم حظر آلات التصوير، ووسائل التسجيل، ومنعت الهواتف الخليوية وحتى التي نجحوا في تهريبها الى داخل كامب ديفيد لم تكن تعمل إلا نادراً. وتمكن ايهود باراك وياسر عرفات من اجراء مكالمات خارجية عبر هواتف خاصة داخل الغرف بعد الحصول على إذن الاجهزة العسكرية الأميركية.
خضع الطرفان لنظام الرقابة غير المباشرة وهو غير ممكن إلا باستخدام معدات مراقبة متطورة (في الواقع اعتقد كل من الوفدين الإسرائيلي والفلسطيني ان الولايات المتحدة وضعت أجهزة تنصت داخل المنشأة، وبسبب ذلك فإن المحادثات الحساسة التي تتطلب السرية كانت غالبا ما تتم خلال النزهات في الغابة.
كان كل من اصطحبه باراك يمتلك مقدرات قانونية او عسكرية او عقلية متميزة: جلعاد شير عقيد في الجيش الإسرائيلي ومحام، صار «رئيساً لطاقم المفاوضين». وشلومو بن عامي الذي تولى في ضوء استقالة دافيد ليفي مهام وزير الخارجية بالإضافة الى كونه وزير الداخلية. وامنون شاحاك وداني ياتوم الذي خدم سابقا مع باراك في وحدة نخبة المغاوير «سايريت متكال» وتابع بعدها ترقيه ليصبح رئيساً للموساد ومن ثم رئيساً للأركان والمستشار الأمني لباراك. وشلومو ياناي جنرال متقاعد ومستشار عسكري. دان ميريدور عضو الليكود السابق الذي ترأس حزب الوسط كما ترأس أيضا لجنتي الخارجية والدفاع في الكنيست (كان ميريدور مثالا للمعارضة وكان مثل باراك معارضاً لاتفاقيات أوسلو وضد الانسحاب الكامل من الجولان). إلياكيم روبنشتاين النائب العام وهو الوحيد في المجموعة ممن شارك في قمة كامب ديفيد الأصلية عام 1978 كمستشار شاب لبيغن. أما المشاركون غير الرسميين فهم: يوسي جينوسار الذي قام بدوره المعهود كوسيط مع الفلسطينيين، وإسرائيل حسون النائب السابق لمدير الاستخبارات الإسرائيلية «الشين بيت»، وغيدي غرينشتاين محام شاب خبير في القانون وقد قام بدوري السكرتير والكاتب طوال فترة القمة.
أما الوفد الفلسطيني الأساسي المفاوض فقد تألف بالإضافة الى عرفات من أبو مازن (محمود عباس)، وأبو علاء (أحمد قريع) وياسر عبد ربه وزير الاعلام والثقافة، ونبيل شعث وزير التخطيط والتعاون الدولي وصائب عريقات وزير الحكم المحلي والمتحدث باسم الحكومة، وحسن عصفور، وأكرم هنية، ويوسف عبد الله الحارس الشخصي لعرفات الذي لم يلعب أي دور في المفاوضات، ومحمد دحلان رئيس الأمن الوقائي في غزة، ومحمد رشيد الذي تولى المسائل الاقتصادية، ونبيل أبو ردينة.
كما أحضر الطرفان معهما استشاريين واختصاصيين، وقد سمح للطرفين باصطحاب اثني عشر مستشاراً رسمياً فقط. وباستثناء غيث العمري (الاردني الحائز شهادة الحقوق من جامعة جورج تاون) تم السماح لعدد قليل من هؤلاء المستشارين بالقيام بزيارات متقطعة من أجل الإفادة السريعة او الاجتماعات الاستراتيجية، وحتى تلك كانت تتطلب إذناً خاصاً من الأميركيين على أسس محدودة ولكل حالة على حدة. وقد كان لمنع المستشارين المتكرر من دخول كامب ديفيد (بوساطة دنيس روس غالباً) اثر ضار على قدرة الفريق الفلسطيني في تقديم دفوع وردود قانونية في الوقت الملائم.
خارج معقل كامب ديفيد، نزلت خلية معقدة من أساتذة التلفيق الإعلامي الإسرائيلية في الفنادق المحلية، وهي جاهزة لتنشيط خطط باراك مما يعني بالطبع إحباط الحجر الأميركي على وسائل الإعلام وذلك عن طريق اعطاء صحافيين إسرائيليين وأوروبيين وأميركيين مرموقين قصصاً مفبركة وفي توقيتها الحقيقي. كانت الشخصية الرئيسية التي اعتمد عليها باراك هو إليداد يانيف رئيس قسم شؤون المعلومات في وزارة الخارجية، وكان مع الرئيس السابق لمكتب باراك العسكري يوني كورين على اتصال دائم مع باراك، كما كان موظفو السفارة الإسرائيلية بكل أوراق اعتمادهم وامتيازاتهم قادرين على تمرير المعلومات بسهولة من والى كامب ديفيد بوساطة الحقائب الدبلوماسية ذات الحصانة التي لا يمكن اعتراضها. وعلاوة على ذلك احضر باراك معه معدات اتصال مشفرة تمكنه (عندما تعمل) من الحديث بسرية مع فريق العلاقات العامة في إسرائيل بمن فيهم موشيه كاون وتال زيلبرشتين، الذي وظفه ستان غرينبرغ المختص القوي في تنظيم استطلاعات الرأي والذي بدوره وظفه كلينتون وباراك معا، وكان في الوقت نفسه يدير الحملة الرئاسية لنائب الرئيس آل غور.
بموارد وحنكة إعلامية اقل بكثير، كان لدى الفلسطينيين خيارات قليلة ممكنة لكسر القواعد، وقد حاولوا كسرها بكل الوسائل، فموظفو بعثة منظمة التحرير الفلسطينية القليلون في الولايات المتحدة يتمتعون بما هو أكثر قليلاً من بطاقة الشراء المعفية من الضريبة وأقل كثيراً من سخاء الامتيازات الدبلوماسية الكاملة، ودخول كامب ديفيد محظور عليهم تقريباً. وقد ظهر المتحدث الفلسطيني حسن عبد الرحمن (ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن) في بعض الأوقات وكأنه يعرف معلومات اقل من معظم الصحافيين الإسرائيليين.
كان الموظفون الأميركيون الذين نجحوا في دخول كامب ديفيد هم المنتصرون في الحوار الداخلي المشحون بالسياسة. فعلى سبيل المثال، تولى دنيس روس في البداية إعداد قائمة المشاركين حتى تولت القيام بهذه المهمة سلطات أعلى بسبب محاولته استبعاد واحد من مستشاري أولبرايت المقربين ويندي شيرمان. كان المسؤول الأميركي الوحيد في كامب ديفيد الذي يتكلم العربية وعاش في الشرق الأوسط جمال هلال وهو مسيحي قبطي مصري المولد.
شارك خمسة عشر مسؤولاً رسمياً أميركياً في القمة بمن فيهم الرئيس. ضم طاقم وزارة الخارجية أولبرايت، وروس، وميلر، وأندك، وجون هيربست (الذي كان يعمل قنصلا في القدس) وفيرستاندغ وهلال. وبإمرة كل منهم موظفين مكتبيين وهيئة مساعدين.
انقسم طاقم البيت الأبيض بين مجلس الأمن القومي وطاقم سياسي. ولكن مع تقدم القمة اصبحت الحدود واهية بين المسؤولين عن القضايا التفاوضية الجوهرية والمسؤولين عن الحفاظ على مصالح الرئيس السياسية، وقد ضم طاقمهم الجماعي: ساندي برغر مستشار الرئيس للأمن القومي وصديقه الصدوق منذ دراستهما معا في أكسفورد، وجون بوديستا رئيس الموظفين لدى كلينتون، وماريا اتشافست نائبة رئيس المكتب، وجو لوكهارت مساعد الرئيس والناطق باسمه، وبروس ريدل موظف سابق في وكالة الاستخبارات الأميركية ويخدم مساعداً خاصاً لكلينتون والمدير الأعلى لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا في مكتب الأمن القومي، وروبرت مالي الذي يعمل مساعدا خاصا للرئيس للشؤون العربية ـ الإسرائيلية ومدير شؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا.
وكما هي العادة، فإن العضو الوحيد الذي بقي في الخفاء كان رئيس الاستخبارات المركزية جورج تينيت الذي انضم الى المحادثات بشكل متأخر مع هيئة صغيرة من مستشاري الاستخبارات.
[ [ [
كانت صبيحة 19 تموز بداية يوم من الدراما المتصاعدة و«الوقت المستعار»، عندما أجل الرئيس رحلته ليرى ان كان الفلسطينيون سيتخلون عن مطلبهم بالحرم الشريف/ جبل الهيكل. أرسل الفلسطينيون، بعد مناقشاتهم مع طاقم البيت الأبيض في ساعات الصباح المبكرة، رسالة الى الرئيس يقولون فيها صراحة ان الأفكار المقدمة بما يتعلق بالأرض والقدس تتناقض مع «المبادئ الأساسية لعملية السلام كما أقرتها الولايات المتحدة نفسها». وبما ان طاقم البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي لم يقتنع، اتصل بعرفات في الثالثة صباحا طالبا «جوابا واضحا» حول ما إذا كانت أفكار كلينتون تشكل أساساً للمتابعة ام لا. فنقل عريقات رسالة اخرى تقول «هذه الأفكار لا تشكل أساساً للمفاوضات». وعندها قال بروس ريدل «إذاً انتهى الأمر».
لم يرد الرئيس ان تنتهي الأمور بهذه الطريقة، لذلك قرر الأميركيون ان يقيلوا العثرات، وكرروا عرضهم بتحلية مرارة السيادة الإسرائيلية على الحرم الشريف/ جبل الهيكل بمليارات كثيرة من المساعدات المالية، وقد أحس الفلسطينيون ان الأميركيين يسترخصونهم. وكانت تهديدات كلينتون لعرفات بأنه سيغسل يديه من جهود السلام اذا أضاع الفلسطينيون الفرصة التاريخية، مهينة بشكل مشابه.
اجتمع عرفات وكلينتون عدة مرات، وفي كل مرة كان عرفات يعود الى جناحه غاضباً لانه خدع، ومتألماً من تصوير الأميركيين له كرجل مقرف لعدم موافقته على السيادة الإسرائيلية على الحرم الشريف/ جبل الهيكل. لقد اتهمه بعض الأميركيين، وخاصة روس وأولبرايت، بإطلاق الشعارات، إلا ان اعتراضات عرفات كانت مستمدة من ايمان راسخ: إن القائد الفلسطيني الذي سيتخلى عن القدس لم يولد بعد. لن أخذل شعبي او الثقة التي منحها لي. لا تنتظر مني تشريع الاحتلال. بالطبع يستطيع ان يستمر اكثر، ولكنه لن يستمر للأبد. بكل تأكيد لا احد يستطيع ان يستمر بفرض السيطرة بالقوة العسكرية، انظر الى جنوب افريقيا... لن يقبل شعبي أبداً بأقل من حقوقه التي منحته إياها القرارات الدولية والشرعية الدولية.
ثم تحولت الملاسنات الحامية بين كلينتون وعرفات الى نوع من الحوار السخيف حول الدين، حيث وضع كلينتون منظوره اليهودي ـ المسيحي مقابل إسلام عرفات. يتذكر داني ياتوم احد الأحاديث حول الحرم الشريف/ جبل الهيكل حيث قال كلينتون لعرفات: «في كتابنا المقدس يدعى المكان جبل الهيكل لأن معبد اليهود تواجد هناك». واستمرت الخطابات الدعية عندما صرخ كلينتون على عرفات: «مستحيل... ان تتجاهل حقوق اليهود في جبل هيكل».
لم يستطع عرفات ان يتحمل الاستفزاز أكثر، فبعد ان وصل الى حالة نفسية سيئة اصبحت اجوبته منافية للعقل. حيث أصر في احدى المراحل: «لم يكن جبل الهيكل في القدس أبداً بل كان في نابلس». هذه النكتة العدوانية كانت كل ما يريده الإسرائيليون والأميركيون ليستخدموها فيما بعد ذخيرة لطعنهم فيه كقائد يميل الى نكران جوانب هامة من الايمان اليهودي، وكثوري ثابت لا يريد أقل من تدمير إسرائيل. ازعج التعليق الجميع على الطرف الأميركي بمن فيهم جمال هلال:
كان خطأ فلسطينيا كبيراً بأن لا يعترفوا بالوضع المقدس لجبل الهيكل. لم يعترفوا بهذا في الواقع! قال عرفات ان جبل الهيكل كان في نابلس ثم في شمال اليمن، ثم في المملكة العربية السعودية. لم يعترف عرفات بهيكلهم، ما أسره لي بعض المفاوضين الفلسطينيين في الماضي. أصبحت خلال تلك السنين قريبا من عرفات الى حد ما، وقلت له في احدى المرات: «أنا مسيحي، وإذا قلت ان المسيح لم يصلب فسوف اقول لك: اللعنة عليك». لكن عرفات لم يتمكن من احترام ايمانهم بل نظر إليه على انه سخيف.
صبّ عرفات على النار مزيداً من الزيت في حديث حول القدس مع أولبرايت، التي صورته بطريقة درامية في مذكراتها: «عندما ضغطت على الزعيم ليكون أكثر ليناً، حدق فيّ بحدة وقال: المرة القادمة التي سترينني فيها ستكون عندما تمشين خلف نعشي.


*يمكن العثور على تفصيلات أكثر في كتاب كلايتون سويتشر «حقيقة كامب دايفيد»، بيروت، الدار العربية للعلوم، 2006.