| 

شاهين أبو العز
منذ توقيع اتفاق أوسلو قبل سبعة عشر عاماً، لم تتمكن جولات المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، من ان تغلق ملفاً واحداً من الملفات الشائكة والعالقة بين الطرفين، ولا سيما الملفات الأكثر خطورة، أي اللاجئين والقدس والحدود والسيادة. لقد صرف المفاوض الفلسطيني السبعة عشر عاماً الماضية في سبع جولات من التفاوض المرير، ولم يجن أي نتيجة إيجابية، بل تخلل هذه الجولات حروب وقصف وتدمير، لم توفر أي شيء في الضفة الغربية وقطاع غزة.
بعد توقيع اتفاق أوسلو في 13/9/1993 في حديقة البيت الأبيض، كان على القيادة الفلسطينية ان تخوض غمار مفاوضات إضافية كي تتمكن من توقيع اتفاق الحكم الذاتي (القاهرة، 4/5/1994). ثم احتاج الأمر الى أكثر من سنة كي يتم التوقيع على اتفاق انتقالي آخر لتوسيع نطاق الحكم الذاتي الذي عرف باسم «أوسلو ـ 2» (واشنطن، 28/9/1995). وكرت حبات السبحة: واي بلانتيشين (23/10/1998)، كامب دايفيد ـ2 (بلا اتفاق، 25/7/2000)، طابا (كانون الأول 2000)، خريطة الطريق (30/4/2003)، أنابوليس (27/11/2003)... وما زال الحبل على الجرار. وقد كانت بداية هذه السلسلة كلها في أوسلو. فما قصة هذه المحطة «التاريخية»؟ كيف بدأت الفكرة؟ وكيف تطورت الأحوال الى ان وصلنا الى ما يكتنف قضية فلسطين في هذه الأيام من فقدان للأمل ومن قنوط وهوان، والى ما يعاكس ذلك في الوقت نفسه، ما يجعلها حية دائماً كالثبات في الأرض وتحمل عسف الاحتلال ومواجهته، في كل يوم، وجهاً لوجه.
البدايات
في مطلع كانون الثاني 1993 سافر أحمد قريع الى لندن لحضور اجتماع لجنة التوجيه الفلسطينية الخاصة بالمفاوضات المتعددة الطرف التي كان فيصل الحسيني وعفيف صافية وحنان عشراوي يتابعون جلساتها مباشرة. وفي لندن اقترحت حنان عشراوي على أحمد قريع تعريفه الى يائير هيرشفيلد، وهو أستاذ في جامعة تل أبيب، وينتمي الى حزب العمل، وقد جاء الى لندن برفقة يوسي بيلين. وفي نهاية اللقاء اقترح هيرشفيلد على أحمد قريع متابعة هذا اللقاء في النروج. وحين نقل أبو علاء محضر اللقاء الى ياسر عرفات ومحمود عباس (أبو مازن) لم يعر أبو عمار أي اهتمام له، بينما اهتم ابو مازن بالامر وسأل أبو علاء: متى موعد الاجتماع المقبل؟ واقترح عليه ان يصطحب معه حسن عصفور من دائرة المفاوضات لتسجيل محضر الاجتماع.
في أواسط كانون الثاني 1993 جاء الى تونس تيري رود لارسن مدير مركز FAFO ومعه زوجته مونا غول، وهي مديرة مكتب وزير خارجية النروج يوهان يورغن هولست. فرتب أبو علاء لهذا الوفد موعداً مع ياسر عرفات. وفي هذا اللقاء حثّ ياسر عرفات تيري رود لارسن على إيجاد قناة خلفية للمفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية العالقة في واشنطن، والقيام بدور الوساطة بين منظمة التحرير وإسرائيل.
بعد اتصالات سرية ومرّمزة سافر أبو علاء وماهر الكرد وحسن عصفور الى أوسلو عبر خطوط طيران مختلفة، ووصلوا الى مطار فورنيبو القريب من العاصمة النروجية في 20/1/1993، ولم يكن لدى اعضاء هذا الوفد تأشيرات دخول، فقد افترضوا ان المضيفين النروجيين سيتولون هذه الترتيبات. واصطف الوفد في طابور القادمين. لكن موظف الهجرة منعهم من الدخول لعدم وجود تأشيرات لديهم. وكان تيري رود لارسن، في هذه الأثناء، واقفاً في قاعة القادمين من دون ان يتحرك لحل المشكلة. وظل الوفد قرابة الساعتين في الانتظار حتى تدخل لارسن أخيراً واتصل بوزارة الخارجية النروجية، واستصدر أذوناً للدخول، واصطحبهم الى احد القصور الملكية القديمة التي تبعد نحو 80 كلم عن العاصمة. أما الوفد الإسرائيلي المؤلف من يائير هيرشفيلد ورون بونديك فقد نزل في قصر مجاور.
المفاوضون
كانت مفاوضات واشنطن التي يقودها حيدر عبد الشافي وفيصل الحسيني وحنان عشراوي معطلة، وقد وصلت الى طريق مسدود. وكان ياسر عرفات قد بات مقتنعاً بأنها لن تؤدي الى أي نتيجة. لذلك رغب أبو عمار في ان تكون قناة أوسلو السرية مجرد احتمال آخر، او بديل من المفاوضات المباشرة والعلنية المنبثقة من مؤتمر مدريد. وهكذا بدأت جولات الحوار السرية في أوسلو، وكانت الأماكن تتبدل من جولة الى اخرى حفاظاً على السرية.
استبدل الوفد الفلسطيني ماهر الكرد، وعين بدلاً منه محمد أبو كوش. وتتالت الجولات حتى الجولة الخامسة في 8/5/1993 حيث امكن وضع المسودة الاولى لاعلان المبادئ. وفي الجولة السادسة في 21/5/1993 انضم اوري سافير (المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية) الى الوفد الإسرائيلي، الأمر الذي كان يشير الى الجدية التامة لدى اسحاق رابين. وفي الجولة السابعة في 13/6/1993 التحق بالوفد الإسرائيلي أيضاً المحامي المعروف يوئيل زنغر، بينما بقي الوفد الفلسطيني على حاله. وكان حسن عصفور لا يجيد الانكليزية، وكثيراً ما كان يضع قاموس «المورد» الى جانبه. وكان ماهر الكرد (قبل استبداله) لا يجيد التفاوض. لذلك اقترح ان ينضم الى وفد المفاوضات السرية خليل هندي او يزيد صايغ أو سليم تماري. لكن شيئاً من هذا لم يحدث.
بعد اثنتي عشرة جولة، أي في 17/8/1993 امكن التوصل الى اتفاق على صيغة اعلان المبادئ. وفي اليوم نفسه توجه شمعون بيريز الى استوكهولم ليقود المحطة الأخيرة من المفاوضات بنفسه. وبدأ الشوط الختامي لهذه المفاوضات بين ثلاث محطات: في أوسلو كان شمعون بيريز وفريقه والوفد النروجي. وفي تونس كان ياسر عرفات وأبو مازن وياسر عبد ربه ومحسن ابراهيم. وفي تل أبيب اسحق رابين. وقد طالت مفاوضات الليلة الأخيرة سبع ساعات كاملة، تخللها تسع مكالمات هاتفية طويلة بين تونس واستوكهولم، وقد انتهت الى الاتفاق على الصيغة المعروفة لاعلان المبادئ التي عرفت بـ«اتفاق أوسلو».