| 

«أعطيكم فرصة عام فقط. لن اعكر صفو محادثات جورج ميتشل، ولن أزعج بنيامين نتنياهو». وبعد عام، نفذ أفيغدور ليبرمان وعده. المفاوضات راوحت في مكانها، ولا أفق للمحادثات. جدول الأعمال ضحية شروط تعجيزية، في نظره، أهمها وقف الاستيطان، والاستيطان روح إسرائيل، لا حجارتها وأبنيتها أبداً.
ومن على المنبر الدولي في نيويورك، فجر ليبرمان اقتراحه: «تبادل الأراضي ليس مفيداً ولا مقبولاً، كما هو مطروح. علينا أن نخرج من الغموض. الحل الموضوعي يقوم على تبادل الأرض والسكان». سارع نتنياهو الى التبرؤ من الموقف، لكنه لم يتبرأ من الاقتراح، ولم يناقش جوهر مشروع التبادل.
كيف ولد مشروع التبادل. هل حضر فجأة من جعبة ليبرمان، أم هو نتاج نقاشات وحوارات ومراكز أبحاث ومخاوف حقيقية؟
بعد فشل خيارات «اليمين» الكلاسيكي وخيارات «اليسار» الرسمي، وبعد انهيار «معسكر السلام»، اتجه الرأي العام في إسرائيل الى تبني طروحات اليمين المتطرف واليمين الأصولي.. لقد وعد «اليسار» الإسرائيليين بتحقيق السلام بعد كل حرب. كان يقول للإسرائيليين سيأتي العرب الينا وهم يتسوَّلون السلام. لم يحصل ذلك.. كسب «اليسار» حروباً كثيرة، لكنه لم يحقق وعده الطوباوي بالسلام، ولم يحصل الإسرائيليون إلا على مزيد من العنف.. ووعد «اليمين» مواطني دولة إسرائيل، بهزيمة العرب والفلسطينيين وإخراجهم من المعادلة، والاقتصار في التفاوض على العرب وحدهم، جيران إسرائيل. لكن البنادق الفلسطينية والصواريخ باتت مشرعة على تخوم المستوطنات وبعضها قريب من نوافذ البيوت والمصانع الإسرائيلية... بعد هذا الفشل المتتالي، توَّج المجتمع الإسرائيلي شارون ملكاً من ملوك إسرائيل، ومنحه ثقة لم يسبقه إليها أنبياء إسرائيل في زمن التأسيس الأول. وتجرأ الرأي العام، بعد غيبوبة شارون، على اعطاء دفعة جديدة من الحضور، لأفيغدور ليبرمان. وها هو الآن في مقدمة المسرح، وبلا خجل، بكامل عقيدته العنصرية، وثباته الأيديولوجي.
استعاد ليبرمان لغة «الآباء المؤسسين» لكيان إسرائيل ومواقفهم. يقول الأمور كما يفكر فيها. مؤيدوه يطربون لصراحته، ويصدقونه ويدافعون عنه، لأنه يقول جهاراً، ما يتستر عليه الآخرون: «لست كأكثرية الإسرائيليين. أفضل مواجهة الحقيقة كما هي بلا أقنعة». ولأنه لا يلبس القناع أبداً، استعاد لغة البدايات: «أؤمن بإسرائيل الكبرى، إسرائيل التوراتية. ومع ذلك، فأنا أقبل بحل الدولتين، على الرغم من ان هذا الحل لا يفرحني أبداً».
عن أي دولتين يتحدث ليبرمان؟ عن دولتين لا يجري الحديث عنهما أبداً. دولتان من اختصاصه. دولتان من طموحات تعصبه. فهو لا يقبل بدولة ونصف الدولة للفلسطينيين (في الضفة وغزة إضافة الى نصف دولة داخل إسرائيل، مؤلفة من العرب الفلسطينيين) ونصف دولة لليهود، (مؤلفة ممن تبقى من اليهود داخل الخط الأخضر، أو داخل حدود الخامس من حزيران).
يقول: عرب إسرائيل يعرّفون أنفسهم بأنهم فلسطينيون، (فليذهبوا الى فلسطين). ولا يعترفون بدولة إسرائيل كدولة يهودية وصهيونية (فكيف يظلون فيها؟). «هدفنا اقامة دولة يهودية، وليس دولة لكل مواطنيها». بامكان الفلسطينيين في إسرائيل ان يكونوا فلسطينيين في فلسطين فقط. «فلينتخبوا هناك برلمانهم، فلا يجوز أن يمسكوا العصا من الوسط».
أحد تداعيات هذا المشروع، سقوط الخط الأخضر وحدود العام 1967. وعليه، فإن ليبرمان يرفض العودة الى حدود الخامس من حزيران، لأن حصول ذلك سيؤدي حتماً الى تجديد النزاع وتأجيج الصراع بطرائق متعددة، «وقد يتطور النزاع ليصل الى غوش دان (تل أبيب الكبرى) والى حيفا، وقد تصل الهدايا الصاروخية من أماكن فلسطينية قريبة جداً».

إزاحة الحدود
لا يخجل ليبرمان من طرحه هذا، خاصة انه لمس من الأوروبيين تفهماً لهذا المشروع، وإن كان تبنيه لا يزال بعيداً. ولا يتبرم إذا نُعت مشروعه بأنه عنصري او مناف للديموقراطية، فلما سئل في تشيكيا عن خرق هذا المشروع لمنظومة القيم الانسانية، قال: «لا ترحيل ولا ترانسفير... لن نطرد السكان من أراضيهم. فقط، سننقل خطوط الحدود. الناس ستبقى في منازلها وفوق أرضها. وإذا حصلت استثناءات، فستكون قليلة». وبرر مشروعه أخلاقياً، إذ اعتبر ان بقاء الفلسطينيين في دولة لا يؤيدونها (إسرائيل) وينتمون الى دولة ليسوا فيها (الضفة الغربية)، أمر مخالف للمنطق.
وعلى مثال «الآباء الرواد»، أمثال دافيد بن غوريون وفريق عمله وأركان حربه في العام 1948، يقود ليبرمان عملية تطهير إسرائيل من الفلسطينيين، لكن بطريقة أخرى، قد يتفهمها العالم. فالمجتمع الدولي راهناً، لا يمكن أن يقبل أو يساوم على ترانسفير جماعي. ومع ذلك، يجازف ليبرمان من دون خوف في تبرير مشروعه: «الآباء المؤسسون لدولة إسرائيل، اتخذوا قراراً تاريخياً مفاده: إذا كان هناك تصادم بين القيم الانسانية العليا، والقيم اليهودية، فيلزم ان ننحاز الى القيم اليهودية. ولأنهم تبنوا هذا المبدأ، استطاعوا ان يشرعوا قانوناً للعودة لليهود فقط (اليهود وحدهم تحق لهم العودة الى أرض إسرائيل). وديموقراطيتنا هي ديموقراطية خاصة بالشعب اليهودي، فكل ديموقراطية لها خصوصيتها. وهذه خصوصية ديموقراطيتنا». وبعدها، لن يكون الصراع على الأرض، بل على القيم. ولا تعايش بين ثقافتين ونظامي قيم متناقضين جوهرياً. مثل هذا التناقض لا حل له.
يقترح ليبرمان لتنفيذ مشروعه، إلحاق «المثلث» بالدولة الفلسطينية العتيدة، تمهيداً لتمامية يهودية الدولة. العبء الفلسطيني يجب التخلص منه، من خلال انتقال طوعي او قسري، لا يثير ردود فعل دولية، ولا يسيء الى صورة إسرائيل في العالم.
ففي المثلث لا وجود تقريباً لليهود. وليس مستحيلاً أو صعباً نقل العرب الإسرائيليين هناك الى السيادة الفلسطينية، في مقابل ان تنقل المستوطنات، «أرضاً وشعباً»، الى السيادة الإسرائيلية.
غير ان ليبرمان ليس الأب الشرعي لهذا المشروع. هو يميني متطرف ومتعصب وأصولي، لكنه تبنى هذا المشروع لانقاذ إسرائيل من «الثنائية القومية»، والتخلص من الخوف المتزايد، من النمو الديموغرافي للفلسطينيين في إسرائيل.
وُلد هذا المشروع من الخوف الإسرائيلي، والمشكلة الديموغرافية دفعت مراكز الأبحاث الإسرائيلية الى التفتيش عن حل جذري لا يكون «الترانسفير» الفج جزءاً منه. وإبان البحث، وقعت عيونهم على «المثلث» من شمال فلسطين. وقد دلتهم عليه كثافة السكان العرب الفلسطينيين فيه، والتصاقه بالخط الأخضر. وتعود الكثافة العربية في المثلث، الى كونه لم يشهد حرباً ولا نزوحا.

عبء المثلث
تاريخ المثلث يفيد بأنه ضُم الى إسرائيل عام 1949، ضمن اتفاقية رودوس، الموقعة بين الأردن وإسرائيل. «وقد جاءت هذه الاتفاقية بعد اتفاقيات وقف اطلاق النار في اعقاب حرب 1948. في مقابل ضم المثلث، حصل الملك عبد الله الأول على موافقة إسرائيلية بضم الضفة الغربية الى دولة الضفة الشرقية. فالمثلث ممتلئ بسكانه منذ الحاقه القسري، بإسرائيل. هو لم يُحتل بقوة السلاح، بل بقوة التوقيع وقوة التخلي. المناطق الأخرى من الجليل والنقب والمدن الساحلية احتلت بقوة السلاح، وجرى فيها نزوح كثيف، عبر تطبيق خطة «دالت» (الترانسفير القسري).
والمثلث، عبء على الإسرائيليين، منذ عقدين من الزمن تقريباً. فهو متجانس دينياً. المسلمون يشكلون فيه 100% من السكان. لذا، تركزت السياسة الإسرائيلية وخطط الاسكان اليهودية، على توطين اليهود في المناطق العربية... (خطة تهويد الجليل كانت الخطوة الأولى). أما الخطة التي اختصت بها منطقة المثلث، فكانت محاولة تنفيذ «مشروع النجوم السبع»، الذي ابتدعه ارييل شارون. وكانت الخطة تقضي بـ: أ ـ محو الخط الأخضر مع مناطق 1967، «بهدف خلق واقع استيطاني يفرض نفسه على أي مشروع للحل النهائي». ب ـ ايجاد أكثرية يهودية في المثلث، (مراكز دينية. احتواء أم الفحم وقطع سبل تطورها). لكن خطة «النجوم السبع» انطفأت ولم ترَ النور. ومن بين الأسباب التي أدت الى الفشل «محافظة الأهالي على التواصل مع أراضيهم، وبالذات في أراضي الروحة، التي ساهمت انتفاضتها في وضع المسمار الأخير في مشروع «النجوم السبع» (اعاقة قيام مدينة عيرون).
فشلت إسرائيل، لكنها ظلت تهجس بالسلاح الديموغرافي.

ضرورة الفصل
حيرة الإسرائيليين في التعامل مع التنامي الديموغرافي المطرد، برزت من خلال الاتجاهات المتعددة التي حاولت سلوكها، كالاتجاه التصالحي او الاتجاه الواقعي من خلال تطبيق نظرية السيطرة، أو التوجه الحازم، أو اتجاه «الترانسفير» أو السيطرة بدون حقوق متساوية.
خلال النقاشات التي دارت حول انجع السبل لمعالجة المشكلة الديموغرافية، «طفت على سطح النقاش السياسي الإسرائيلي قضية ضم المناطق العربية المتاخمة للخط الأخضر الى مناطق الدولة الفلسطينية العتيدة. وقد ساهمت الدراسات الديموغرافية في تعزيز هذا الحل، خاصة ان ارنون سوفير رأى ان التطور السكاني الفلسطيني في ازدياد مستمر». ففي العام 2000، وصلت نسبة اليهود في إسرائيل الى 73%، ومن المتوقع ان تنخفض نسبتهم الى 68% عام 2020 (انظر مهند مصطفى). «ويتركز التواجد العربي بالأساس في منطقة الشمال، حيث وصلت نسبة العرب من مجمل الجماهير العربية الى 46,5%، وتصل نسبة سكان المثلث من مجمل الجماهير العربية الى 20%، ومن المتوقع ان يصل تعدادهم الى حوالى 300 ألف نسمة في العام 2020.
وعلى هذا الأساس، توصل الباحثون الى اقتراح ضرورة فصل الشعبين بأسرع ما يمكن. ولأن خطة «النجوم السبع» تقضي بتنفيذ مشاريع اسكانية واستيطانية في المثلث وعلى طول الخط الأخضر، ما يسهل ضم الضفة الغربية إليها، فقد استعاض المنظرون الإسرائيليون عن هذا المخطط، بأن اقترحوا ضم المثلث الى الضفة الغربية، بأرضه وسكانه، ما يوفر عليهم عبئاً ديموغرافياً باهظ الكلفة وشديد الخطورة.
أقتطف جزءاً من رسالة الباحث ارنون سوفير وجهها الى ارييل شارون، يضع فيها اقتراحات لحل الأزمة الديموغرافية. وقد نوقشت في لجنة الخارجية والأمن وخلال مؤتمر هرتسيليا للأمن والمناعة الوطنية، ويقترح فيها سوفير ضم منطقة المثلث وشرق القدس الى السلطة الفلسطينية.
يقول سوفير: «كل سكان إسرائيل أصبحوا يفهمون أن هناك حلاً واحداً لوقف جارنا المجنون المنتحر. انه الفصل... كان عليك ان تعلم منذ أشهر. لأن المعطيات الديموغرافية الصعبة، مع غياب الفصل، تعني نشوء أكثرية عربية، وهذا يعني نهاية دولة إسرائيل اليهودية... ومن المهم ان تتذكر انه في نفس اليوم الذي يبذل فيه جيش الدفاع جهوداً وينجح في اغتيال مخرب هنا وهناك، في نفس الوقت، يولد في أرض إسرائيل الغربية حوالى 400 طفل سيتحوَّل قسم منهم الى مخربين جدد».
تخوفت الإدارة السياسية من مشروع سوفير على الأمن الاسرائيلي. وسأل مدير قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأميركية ريتشارد هاريس عن توزيع النسب التي يرتكز عليها مشروعه للفصل، على الأمن وعلى الديموغرافيا، فأجاب سوفير: «100 بالمئة على الديموغرافيا».
قبل أن يصل هذا المشروع، معدلا، إلى افيغدور ليبرمان، ويصبح عنوان معركة، عندما يحين موعد الحل النهائي في المفاوضات، ولو بعد عقود، كان قد احتضنه افرام سنيه (حزب العمل) الذي ضمّن خطته: تفريغ الضفة والقطاع من السلاح، وإقامة جهاز مشترك لمحاربة الارهاب، وإبقاء الجيش الاسرائيلي مسيطراً على الحدود مع الأردن... وتجميع المستوطنين في كتل استيطانية مساحتها 4 ـ5% من مساحة الضفة (غوش عتسيون، معاليه ادوميم وأرئيل) وضمها إلى اسرائيل، في مقابل ضم منطقة المثلث إلى الدولة الفلسطينية (انظر: مهند مصطفى).
لم يتحدث مشروع سنيه عن ضم أراضٍ مأهولة في المثلث، بل أشار «إلى أراضٍ فارغة من السكان متاخمة للخطر الأخضر، تواجدت فوقها قرى فلسطينية دمرت أثناء حرب 1948».
وقد تبنى ايهودا باراك عملية التبادل والضم في المثلث. وصرّح في مقابلة له مع المؤرخ بني موريس بـ«ضرورة تقليل عدد المواطنين العرب عبر مبادلة القرى العربية، ما دام السلام مع الفلسطينيين غير وارد، وما دام جيل النكبة لا يزال حياً». واخترقت فكرة فصل المثلث صفوف الليكود، فتبناها كذلك ايلي لنداو الذي اقترح ضم الطيبة وقلنسوة وأم الفحم وبقية مناطق المثلث، الى الدولة الفلسطينية، في مقابل ضم أرئيل إلى دولة إسرائيل.
يقول لنداو: «دعونا نرَ كل رؤساء أم الفحم، وقسم منهم متطرفون جداً، مثل الشيخ رائد صلاح، رئيس الحركة الإسلامية راهنا، ونضع أمامهم التحدي. هناك 50 ألف نسمة في أم الفحم. تفضلوا خذوا هويـات فلسطينية مع أراضيكم. وإلى أحمد الطيبي (نقول): ستكون عضوا في البرلمان الفلسطيني. ما المشكلة؟».

الحدود الجديدة
بعدما تقدمت فكرة الفصل، التمّ شمل الباحثين لرسم الحدود الجديدة على الخرائط المستقبلية، بحيث تطبق القاعدة العددية التالية: 80% من اليهود و20% من العرب. «كل دونم يُضم إلى إسرائيل عليه أن يشتمل على معادلة 8 إلى 2 لمصلحة اليهود» (الجنرال المتقاعد أوري ساغي).
وتبوأ هذا المشروع مركزاً لافتا في مركز هرتسيليا، حيث عُقدت مجموعات بحثية اكاديمية وأمنية لبحث القضية الديموغرافية، وقد نوقشت مسألة ضم مدينة أم الفحم إلى الدولة الفلسطينية. غير ان هناك من عارض فكرة الفصل والضم، ليس احتراماً لانتماء وحقوق الفلسطينيين، بل انطلاقاً من عدم جواز التنازل عن قسم من أرض اسرائيل. وعارضه آخرون، رأوا الحل بطرد السكان والاحتفاظ بالأرض (حركة موليديت).
يرى الباحث مهند مصطفى ان فكرة ضم المثلث إلى السلطة الفلسطينية «تحظى بشعبية وتأييد واسعين بين صفوف المجتمع اليهودي». فـ52% من اليهود يؤيدون تبادلاً جغرافيا في إطار الحل النهائي، في مقابل رفض غالبية العرب في منطقة المثلث مثل هذا الاجراء. ويرفض هذه الفكرة 37% من اليهود، في مقابل 62% من العرب.
ليبرمان ليس أول من طرح الفصل، ولن يكون الآخر. والخطير أن يصغي العالم إلى هذا المشروع، ويتغلغل في دوائره، ليصبح أشد حضوراً وقبولاً... ليصل إلى اقناع العرب بذلك.