| 

تزداد بعض نتاجات سينمائية فلسطينية، في الآونة الأخيرة، ميلاً إلى قراءة الذات الفردية، أو البحث في انفعالاتها وارتباطاتها بنفسها ومحيطها، إنسانياً وسياسياً وثقافياً وتربوياً وأخلاقياً ومدينياً. ذلك أن الأعوام القليلة الفائتة شهدت التزاماً سينمائياً لدى مخرجين فلسطينيين عديدين، مقيمين في داخل فلسطين المحتلّة (1948 و1967) أو منفيين ومغتربين خارجها، بجعل الفرد منطلقاً جوهرياً لمعاينة الواقع والراهن، ولفهم أبعاد الحراك الحاصل في المدن الفلسطينية، والأسئلة المطروحة على الفرد نفسه، كما على المخرج والناس والجماعة والبيئات المختلفة. بهذا المعنى، تأتي الأفلام الأخيرة، الوثائقية والروائية، لتقول شيئاً ذاتياً وحميماً، يستطيع مخرجوها من خلاله اختراق الجماعة والإشارة إليها، وإلى معاناتها وحياتها وتفاصيل عيشها اليومي على التخوم الواهية بين الحياة والموت.
أسئلة جمّة طرحها مخرجون فلسطينيون عديدون، عُرضت أفلامهم الأخيرة في الدورة السادسة لـ«أيام بيروت السينمائية»، المنعقدة في صالة سينما «متروبوليس/ أمبير صوفيل» في الأشرفية بين السادس عشر والسادس والعشرين من أيلول الفائت. من هذه الأسئلة: الهوية، المكان الحاضن أو الذي ينتمي المخرج إليه، المدينة، النزاع الخفي أو العلني بين الفلسطينيين والمحتلّ الإسرائيلي، العلاقات الفلسطينية الفلسطينية أيضاً. ولعلّها من المرّات النادرة جداً طرح سؤال الهوية، سينمائياً، على دروز إسرائيل، وعلاقتهم بالمؤسّسة العسكرية وأبناء بلدهم والمحتلّ الإسرائيلي. فقد غاص بلال يوسف في هذه المتاهة الإنسانية والأخلاقية القاسية، في فيلمه الوثائقي الجديد «العودة إلى الذات» (قطر/ فلسطين، 2009)، في عالم منغلق قليلاً على نفسه ويومياته، لكن المفتوح على مأزق العلاقة القائمة بين دروز فلسطين ودولة إسرائيل. في حين أن سؤال المدينة والعلاقة الفردية بها والبحث في كيفية العيش اليومي في فضائها المفتوح على الاحتلال، شكّل البنية الدرامية الأساسية لـ«ميناء الذاكرة» (فلسطين/ ألمانيا/ الولايات المتحدّة الأميركية، 2009) لكمال الجعفري. غير أن هناك خيطاً رفيعاً جداً بين الوثائقي والروائي في بنائه الفني، إذ بدا أقرب إلى الفيلم الروائي منه إلى العمل الوثائقي، إن على مستوى سياقه الحكائي، أو على مستوى مفرداته وأدواته السينمائية، مع أنه قدّم صورة وثائقية حيّة، مغلّفة بنَفَس روائي، للحياة اليومية الفلسطينية في حيفا. في المقابل، ذهب رائد أنضوني، في «صداع» (فلسطين/ فرنسا/ سويسرا، 2009)، إلى أبعد من ذلك: أن يجعل من فلسطين «مكاناً ذا صلة بفردية الأشخاص خارج انتماءاتهم إلى الجماعات، حيث من خلال الكادر داخل الكادر، يسعنا استراق نظر إلى يوميات، فيها سعي دؤوب إلى إعادة امتلاك شيء ما سحقته القضية، مثلما سحقه أيضاً البقاء الدائم في حالة تأهب أمام العدو» كما وصف الزميل هوفيك حبشيان «صداع» (الزميلة «النهار»، 23 أيلول 2010).
ثلاثة أفلام فلسطينية مشدودة إلى عصب الفرد في مواجهة كوابيسه وأحلامه، كما في صراعه مع ذاته والآخر. ثلاثة أفلام معقودة على قراءات مختلفة للآنيّ في فلسطين، من خلال استعادة الاختبارات السابقة، وتحويلها إلى مواد درامية في قلب الوثائقي، الذي (أي الوثائقي) لم يعد تسجيلاً أو أرشفة أو توثيقاً، بل صنيعاً متكاملاً يمزج الحوار بمساحة متخيّلة، ويقدّم معطيات يخدمه المتخيّل في إعادة رسم الصورة العامة. لا يعني هذا أن الأفلام الثلاثة جعلت المزيج المذكور أساسياً فيها. فـ«العودة إلى الذات» مثلاً حافظ على جانبه التوثيقي في إعادة رسم ملامح راهن قاس وضع ناسه في صراع يومي مع أنفسهم أولاً وأساساً. و«صداع» ظلّ متوازناً في اشتغاله على الذات الفردية، من خلال تحويل الصداع الخاص بالمخرج إلى حالة عامة، بل إلى مدخل أساسي لولوج العالم الفلسطيني القابع في انكساراته وخيباته ومقاومته. ذلك أن الفردي هنا أكبر من الجماعة، والبحث في أسباب الصداع مردّه إلى رغبة المخرج أنضوني في فهم ما يحصل حوله من تبدّلات، أو من «صداعات» شتّى أغرقت البلد بكامله في حالة بائسة ومتوترة. في حواره مع الزميل حبشيان، قال أنضوني إن موضوع الصداع يؤرقه: «كنتُ فعلاً مصاباً بصداع، لكنّي حاولت أن أضعف حضوره في الفيلم منذ بدء التصوير. كنتُ أسأل نفسي: إلى أي مدى ينبغي لي أن أكون صادقاً مع نفسي في موضوع تسجيل جلسات العلاج؟ هل كنتُ فعلاً في حاجة إلى علاج، أم كنت أكذب لأبرّر الفيلم؟ كان مهمّاً أن أجد إجابة صحيحة. في الأخير، أنا سينمائي، والسينمائي ليس وظيفة. أعيش كسينمائي وأحلم كسينمائي». أضاف في مكان آخر في الحوار نفسه أن هناك خيطاً رفيعاً «يفصل بين الأشياء. عندي مشكلة مع التجمّعات العائلية، لكنّي أحبّ أهلي. أحاول البحث عن فرديتي، لكن في الوقت نفسه لا أريد إلغاء الآخرين».
في «العودة إلى الذات»، انفجر سؤال الهوية والانتماء، عندما وجد الشاب يامن نفسه في مأزق حقيقي: درزيته وضعته أمام إسرائيليته. رغبته في الانخراط في الجيش الإسرائيلي واجهها مقتل شقيقيه الجنديين في الضفّة الغربية ولبنان. اشتغاله سجّاناً في سجن للفلسطينيين قابله تفتّح الوعي الفردي لديه إزاء المآسي التي يتعرّض لها هؤلاء. التقى المخرج شباباً آخرين، ناقشوا أمام الكاميرا، من بين أمور عدّة، التناقض الحاصل بين الشهادة والموت: هل الجندي الإسرائيلي الدرزي شهيدٌ أم ميت؟ والشهادة، إذ تُطرح كفعل إنساني وأخلاقي، تحيل المسألة إلى الجهة التي اختارها الدرزي الإسرائيلي، وإن وجدت من يُدافع عنها. فيامن يرى أن هذه الشهادة لا تعني فقط مقتل الجندي الدرزي في معركة، بل لأنه شهيد المؤسّسة والنظام المتكاملين للكيان الإسرائيلي الصهيوني. في «العودة إلى الذات»، بدا بلال يوسف هائماً في حقل ألغام، لأن سؤال الهوية لدى الفلسطيني الإسرائيلي لا يزال ملتبساً ومعلّقاً. نزار حسن أكثر المخرجين الوثائقيين الفلسطينيين الحاملين هوية إسرائيلية إثارة لهذا السؤال. لكن بلال يوسف ذهب إلى حقل ألغام أوسع وأخطر: الخدمة العسكرية للدرزي الفلسطيني الإسرائيلي.
من جهته، قام كمال الجعفري برحلة داخلية في أزقّة حيفا وشوارعها وناسها، بلغة سينمائية متأثّرة، إلى حدّ بعيد، بتلك التي استخدمها إيليا سليمان في ثلاثيته الشهيرة «سجل اختفاء» (1996) و«يد إلهية» (2002) و«الزمن الباقي» (2009): إيقاع هادئ يغطي غلياناً قابلاً للانفجار في أية لحظة. حركات بطيئة لأناس يمضون أوقاتهم في ما يشبه التأمّل الصامت بأحوالهم. تفعيل الصورة على حساب الكلام والحوار. تحويل الصورة نفسها إلى مرايا تنعكس عليها التفاصيل كلّها. كمال الجعفري، في «ميناء الذاكرة» مهمومٌ باللغة السينمائية، تماماً كما هو مهمومٌ بمادته المختارة: عائلة تدافع عن حقّها في بيتها التاريخي. شابٌ يقود درّاجة نارية ولا يجد شيئاً يفعله سوى الصراخ عالياً. أناس جالسون في مقهى أو واقفون على زاوية شارع من دون أدنى حركة تُذكر. شخصيات بارعة في التقاطها النبض الحيّ في مدينة وفضاء وأحياء.
غير أن اللافت للانتباه في هذه الأفلام الثلاثة كامنٌ في توافقها الضمني أو المبطّن على ترك النهايات معلّقة أو مفتوحة، وإن سعى مخرجوها إلى جعل هذه النهايات مدخلاً إلى إعادة طرح الأسئلة الملتبسة والمعقّدة في النسيج الفلسطيني. الاشتغال السينمائي واضحٌ، خصوصاً في «ميناء الذاكرة»، لأنه اقترب من النَفَس الروائي أكثر من الفيلمين الآخرين «صداع» و«العودة إلى الذات». مع هذا، فإن الأسئلة المطروحة كلّها دافعٌ جوهري ودائم إلى إعمال العقل والمخيّلة معاً في نقاش مفتوح مع هذا النمط الجديد في صناعة الفيلم الوثائقي.