| 

تعودنا حتى الآن «هدايا» إسرائيلية في كل مناسبة: خطوات من الاعتقال والتنكر والحصار ومنع التجول وحتى منع رفع العلم تبعث الى الفلسطينيين لقاء الهدوء والأمن وتعبيرات الانتصار للإسرائيليين. الا ان الأدوار تغيّرت في السنوات الأخيرة، وأصبحت قيادة الشعب الفلسطيني تنافس إسرائيل في مفاجآتها لنا ولهم. وعلى سبيل المثال، هذه السنة وفي الذكرى الـ62 للنكبة أهدت القيادة الفلسطينية الشعب الفلسطيني «الدولة مقابل العودة» وأهدت الإسرائيليين تصفية نهائية لحق تقرير المصير للفلسطينيين.
المراقب للوضع الفلسطيني ولتطور الفكر السياسي بخصوص حل الصراع مع إسرائيل، يستطيع ان يلاحظ بسهولة نوعاً من التراتبية التي تعيد نفسها لدى القيادة الفلسطينية المتنفذة. فهي تزاوج تنازلاتها الواضحة بجملة من التصريحات بخصوص الالتزام بالثوابت والمصالح الوطنية العليا، وهذا يجري عكس ما جرت عليه العادة إسرائيلياً. فكلما زادت إسرائيل من صلفها وإمعانها في استباحة الحقوق الفلسطينية نراها تتحدث عن «تنازلات مؤلمة» واستعداد غير مسبوق للتنازل عن مواقفها في الصراع. الأمران هنا سواء بالنسبة الى الحقوق الفلسطينية، فالقيادة الفلسطينية وإسرائيل يعملان في الحقيقة على تحجيم المطالب الفلسطينية والتنازل عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وهذا عكس الحالة الإسرائيلية التي توسع بالتدريج قبضة الدولة اليهودية على الفلسطينيين. وبهذا فإنها توسع معنى تقرير المصير للشعب اليهودي، حتى بدا من الواضح ان الحالة الإسرائيلية متمددة ايديولوجياً وسياسياً، مثلما هي متمددة جغرافياً، على أرض الواقع.
لنأخذ مثلا معنى الحقوق الوطنية لدى بعض الفلسطينيين. فبعد النكبة وتشتيت الشعب الفلسطيني، بدأت الحركة الوطنية في إعادة ترتيب أوراقها ولملمة الأشلاء على شكل كيان سياسي منظم، اخذ اولاً شكل التنظيم الوطني من خلال حركة فتح او من خلال حركة القوميين العرب. ومع قرار إنشاء منظمة التحرير أصبحت هذه المنظمة تحمل تدريجياً شكل الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني. وقد كان واضحاً منذ البداية ان هذا التمثيل يحمل في طياته مسؤولية ملقاة على عاتق المنظمة بدعم من الدول العربية المجاورة في سبيل التحرير والعودة، كمشروع سياسي شامل لكل الفلسطينيين، في أماكن اللجوء والوطن على حد سواء، وكتعبير عن حق تقرير المصير المكفول في المواثيق الدولية للشعوب الأصلية. فلم يكن هناك أي معنى حقيقي لمنظمة التحرير من دون هذين المطلبين.
منذ بداية السبعينيات بدأ مشوار متمدد من التنازلات الفلسطينية التي تضع الآن علامة سؤال كبيرة على مدى شرعية تمثيل الفلسطينيين من قبل منظمة التحرير، والتي من المفروض ان تمثل الفلسطينيين في المحادثات السياسية مع إسرائيل والعالم، وبالأساس بالنسبة لمطلبهم في حق تقرير المصير. فحتى مطلب الدولة الذي ترفعه القيادة حالياً، ولنفرض جدلاً بأنه سوف يتحقق كما تريده هذه القيادة وليس كما تريده إسرائيل، فإنه سوف يشكل في أحسن الأحوال تنازلاً عن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني والاستعاضة عنه «بتقرير مصير» لأقلية ضئيلة من الشعب الفلسطيني لا تتجاوز 35% منه، وهذا طبعاً مخالف لحق تقرير المصير بحسب المواثيق الدولية من حيث تقرير المصير الذي يجب ان يشمل غالبية الشعب وليس أقلية منه.
بالنسبة الى حق العودة، فإن الأمور أصبحت من ورائنا، على الأقل فيما يخص موقف قيادة منظمة التحرير. صحيح انه يبدو للوهلة الأولى كأن النقاش الفلسطيني في شأن حق اللاجئين في العودة لا يحتمل التأويل ولا التفسير، فالفلسطينيون على عهدهم مجمعون مثابرون وعاقدو العزم على العودة الى ديارهم التي رحّلوا عنها عام 1948، لكن الواقع غير ذلك. والحقيقة هي ان الموقف الفلسطيني، على الصعيد الرسمي، تغير كثيراً خلال السنوات السابقة وبدأ قبل سنوات، بعد الشروع في مسيرة تحقيق إقامة الدولة الفلسطينية الى جانب إسرائيل، في العد العكسي تحضيراً لحل قضية اللاجئين بشكل «واقعي» وبما تتطلبه المصالحة مع إسرائيل آخذين بمبدأ إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فالدولة اهم من العودة، والدويلة اهم من إدارة الشؤون المحلية لبلديات الضفة والقطاع، وهذا افضل من لا شيء.
صيغة «إيجاد حل لقضية اللاجئين» بالمفاوضات ليست جديدة او اعتباطية بل هي نتاج عملية تغيير جدية حصلت في الموقف الرسمي لمنظمة التحرير وللسلطة الوطنية، كما تم التعبير عنها مباشرة وبوضوح من خلال نصوص عرضت او وافق عليها أقطاب من المنظمة والسلطة مثل نصوص وثيقة جنيف التي وقعها القيادي الفلسطيني وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ياسر عبد ربه، ولفيف كبير من القيادات الفلسطينية التي وقعت الوثيقة، وكذلك اتفاق ايلون ـ نسيبة، سري نسيبة، مسؤول ملف القدس السابق في السلطة الوطنية والرئيس المعين لجامعة القدس التي وقعها، بالإضافة الى مقالات واضحة ومخصصة لذلك نشرها سري نسيبة، بشأن ضرورة قبول الفلسطينيين «بالمنطق والمعقول» بخصوص إمكانات العودة الى ديارهم.
لم يكن غريبا ألا تقوم منظمة التحرير، بشكل رسمي، في التنكر لهذه الوثائق او لمضامينها، ورعت ولا زالت ترعى وتمول وتدعم من بادر ووقع الوثائق في الطرف الفلسطيني الرسمي، وهذا لأن الرئيس الفلسطيني الحالي، محمود عباس، سبقهم في هذا المجال من خلال «تفاهمات بيلين ـ أبو مازن». عام 1995 انجزت الوثيقة، وهي تتضمن مبادئ اساسية للحل النهائي وكان رابين ينوي الإعلان عنها قبل موعد الانتخابات «الإسرائيلية» لتكون أساساً لبرنامجه الانتخابي في حزيران 1996، ولكن تم اغتياله بعد إنجازها باثني عشر يوماً، علما بأن تلك الوثيقة دعت الى «حل عادل لقضية اللاجئين» بتنازل ضمني عن حق العودة بموجب القرار 194.
ان الانتقال الفلسطيني من مفهوم حق العودة الى مفهوم جمع الشمل والتحول التدريجي لنقل صلاحيات الوكالة للسلطة الوطنية الفلسطينية، مما يعني القبول بالتنصل الدولي من قضية اللاجئين، والتركيز على قضايا الدمج والتأهيل بدلاً من العودة، وذلك بإعطاء الدول المانحة خطوطاً مباشرة مع اللاجئين، كلها قضايا أشارت الى بداية قبول الفلسطينيين رسمياً بالرؤيا الإسرائيلية لمستقبل اللاجئين.
خلال الأسابيع الأخيرة، تكتنف عملية التركيز المستجد على إقامة دولة فلسطينية الى جانب إسرائيل كأحد أبرز المقترحات المطروحة راهناً، العديد من التساؤلات والإشكاليات ذات العلاقة بمصير قضية عودة اللاجئين الفلسطينيين. إذ تصر إسرائيل على ضرورة قبول الطرف الفلسطيني وبشكل مسبق للرؤيا الإسرائيلية لقضية اللاجئين والاعتراف المرادف بإسرائيل «كدولة يهودية». فيما لا تبدي القيادة الفلسطينية موقفاً مغايراً واضحاً، وترهن نتيجة المسألة بنتيجة المفاوضات، المرهونة مسبقا بتوازن القوى والموقف الأميركي من المسائل المعروضة، والمعروف مسبقا بتأييدها لإسرائيل. فقد أشار الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، في مقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي ـ القناة الثانية (26 نيسان 2010)، الى ان حل مسألة اللاجئين سيكون مقبولا من إسرائيل، وانه يتعهد «بشرح ذلك للفلسطينيين»، طبعا منطلقا من قناعته بأنه سوف يقنعهم بذلك. وقد سبق هذا الموقف، تصريحات ومواقف واضحة للرئيس الفلسطيني في الموضوع نفسه.
لا يمكن ان يستمر تجاهل انزلاق جزء كبير من القيادات الفلسطينية الى القبول بأجزاء كبيرة من الموقف الإسرائيلي، مضطرة الى ذلك بسبب تطلعها الى إقامة دولة فلسطينية متصالحة مع إسرائيل وقابلة للعيش في مكانة متدنية من حيث العلاقة مع إسرائيل ومتنازلة بشكل واضح، عن الاستمرار في تحمل مسؤولية معالجة الآثار التي ترتبت على نكبة فلسطين، وأهمها اللجوء الفلسطيني والتطلع الى العودة. ويتناقض ذلك مع العمل على تحقيق حق تقرير المصير الذي أقيمت منظمة التحرير على أساسه.
هذا التغيير ينطبق على مستوى بعض القيادات والنخب الفلسطينية المتطلعة الى إنجاز «الدولة» بكل ثمن. ومقابلها لا زالت غالبية ابناء الشعب الفلسطيني والفصائل المعارضة لصفقة «الدولة» مقابل «القضية» يؤمنون بالعودة وتحقيقها ويرفضون التوطين والوطن الفلسطيني «البديل». ولا زالت أجزاء من النخب والقيادات الفلسطينية تستنهض الهمم في محاولة لإبقاء قضية العودة وتحقيقها على رأس سلم الأولويات. وبين صراع الإرادات المتفاوتة والمتعارضة يبقى حق العودة في مكانه مع انه الركن الأساس في أي تقرير مصير فلسطيني حقيقي.


أسعد غانم باحث وأكاديمي فلسطيني