| 

يتم التفريق، عادة، بين مصطلح «دولة اليهود» ومصطلح «الدولة اليهودية»، وتفريق المصطلحين معاً عن «دولة إسرائيل». وهو تفريق صحيح من الناحية التاريخية، ومن ناحية دلالة المصطلح أيضاً. لكن هذه المصطلحات الثلاثة ما عادت الآن كثيرة الاختلاف في مضامينها، بل تحوّلت إلى مرادفات متعددة لأمر واحد تقريباً. والمعروف أن مصطلح «دولة اليهود» كما صاغه تيودور هيرتزل في كتابه Der Jusdenstaat يشير إلى دولة ذات أغلبية يهودية لا إلى دولة يهودية خالصة. وبهذا المعنى، فإن هذه الدولة هي دولة مدنية علمانية أو شبه علمانية، أي أن قوانينها وضعية مثل انكلترا بحسب تعريف هيرتزل نفسه. أما «الدولة اليهودية»
فهي دولة ذات أغلبية يهودية، لكنها ذات قوانين يهودية، أي أنها دولة تحكمها الشريعة اليهودية. حتى أن جابوتنسكي، أستاذ مناحيم بيغن ويستحاق شامير، أكد أمام لجنة «بيل» في سنة 1936، أنه يتطلع إلى قيام دولة لليهود تقطنها أغلبية يهودية، ولم يقل «دولة يهودية».

الدولة والدين والهوية
هنالك دولتان أقيمتا بقرار دولي استناداً إلى الدين هما باكستان وإسرائيل. ومن مصادفات التاريخ أن هاتين الدولتين قامتا في السنة نفسها، أي في سنة 1947، على اعتبار ان قرار التقسيم يمثل قرار إنشاء إسرائيل. وقد ورد مصطلح «دولة يهودية» أول ما ورد في قرار تقسيم فلسطين (رقم 181) الصادر في 29/11/1947. لكنه ورد بهذه الصيغة لا ليقرر صفة دينية لهذه الدولة، بل لتمييزها من الدولة العربية (الفلسطينية). أما إعلان بلفور (2/11/1917) فقد وردت فيه عبارة «الوطن القومي للشعب اليهودي» Homeland. «وعندما سأل حاييم وايزمن لويد جورج بعد صدور إعلان بلفور عن معنى عبارة الوطن القومي اليهودي رد لويد جورج قائلاً: «قصدنا بذلك دولة لليهود، أما استخدام مصطلح Homeland بدلاً من state فكان مجرد تكتيك لعدم إثارة العرب» (مايكل براير، «الكتاب المقدس والاستعمار الاستيطاني»، دمشق: دار قدمس، 2003). والمعروف أن الوزير البريطاني الوحيد الذي عارض إعلان بلفور كان الوزير اليهودي إدوار مونتاغيو لأنه كان من دعاة اندماج اليهود في مجتمعاتهم الأوروبية، بينما بلفور كان من دعاة التخلص منهم مثل هتلر؛ والفارق بين بلفور وهتلر أن لدى بلفور مستعمرات ومنها فلسطين، فأرسل اليهود إليها، ولم يكن لدى هتلر مستعمرات، فأبادهم.
تكررت كلمة «الدولة اليهودية» في وثيقة قيام إسرائيل خمس مرات؛ هذه الوثيقة التي قرأها دافيد بن غوريون في مقر الجمعية التأسيسية اليهودية ليلة 14/5/1948، ووقعها، إضافة إلى بن غوريون وغولدا مئير وموشيه شاريت، للأسف، مئير فلنر القائد الشيوعي المشهور. ومنذ ذلك التاريخ اختفى إلى حد كبير مصطلح «الدولة اليهودية» أو مصطلح «دولة اليهود» وحلت محلهما عبارة «دولة إسرائيل». وفي المرات القليلة التي كان يرد فيها أحد هذين المصطلحين أي «دولة اليهود» أو «الدولة اليهودية» كان الذهن ينصرف فوراً إلى إسرائيل بالتحديد.
الخطير في الأمر اليوم أن مصطلح الدولة اليهودية ما عاد مجرد تعريف ذاتي للإسرائيليين بحسب القانون الأساس الذي أصدره الكنيست في 1992، بل صار مسألة دولية بعد خطاب جورج بوش في مؤتمر العقبة (4/3/2003) الذي شدد فيه على هذه المسألة، ومسألة شرطية منذ أن أعلنتها الحكومة الإسرائيلية برئاسة أريئيل شارون في البنود الاعتراضية (14 بنداً) على خريطة الطريق في 25/5/2003، ثم انتقل ليصبح شرطاً لا تستقيم أي تسوية في المنطقة العربية من دون الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية.
في هذا الميدان، نحن أمام حالة فريدة من اختلاط المفاهيم حيث الدين والقومية المبنية على الدين والعلمانية والفلكلور والرموز العقائدية تمتزج كلها معاً في صيغة غريبة عجيبة هي الصهيونية المعاصرة وتوابعها من اليهودية الحديثة. وسأحاول، بإيجاز، تفكيك هذه العناصر وإعادتها إلى مصادرها التاريخية بقدر الإمكان.

قومية الشتات
تعود جذور المسألة اليهودية إلى القرن الخامس عشر عندما بدأ طرد اليهود من اسبانيا بعد سقوط الحكم العربي في الأندلس. وقد أدى الشتات اليهودي الجديد إلى تفاقم البلبلة والقلق في صفوف اليهود، والى اضطراب أحوالهم. وفي خضم هذه الحال عادت فكرة المسيح المخلّص (المشيحوت) إلى الظهور بينهم لإعطائهم بعض الأمل في الإنقاذ وجمع الشمل والخلاص. ومع أن أوروبا كانت في تلك الفترة تتهيأ للانقلاب التاريخي الذي قادته البرجوازية الصاعدة ضد الإقطاع، إلا أنها كانت لا تزال مجتمعاً زراعياً كاثوليكياً في معظمها. وفي ذلك المجتمع كان الغرباء والمنبوذون يتولون المهن الوضعية مثل الإقراض بالربا الذي حرّمته الكنيسة. وكان اليهود المكروهون جراء جريمة صلب المسيح يشتغلون في هذه المهنة. غير أنهم، مع صعود الرأسمالية بالتدريج، راحت هذه المهنة تدر ثروات كبيرة، وتزداد أهميتها في عالم التجارة. وبدأ المسيحيون الذين راحت البروتستانتية تتغلغل في وعيهم، والتي ترفض تقسيم المهن إلى مهن وضيعة ومهن رفيعة، ينافسون اليهود في مهنة الإقراض والوساطة. وهذا المنافسة التي فاقمت الكراهية لليهود، هي أحد عناصر نشوء اللاسامية الحديثة. واللاسامية الحديثة، أو معاداة اليهود، نشأت، أول ما نشأت، في المانيا جراء تدفق اليهود إليها من روسيا وبولونيا، ومنافستهم أبناء الطبقة الوسطى الالمانية، الأمر الذي أدى إلى بزوغ موجة من العداء لليهود في برلين أولاً، ثم امتدت لتشمل أوروبا كلها في ما بعد. أما نزعة معاداة اليهود، كظاهرة تاريخية، فكانت قد نشأت في بولونيا الكاثوليكية وفي روسيا الأرثوذكسية لأسباب دينية خالصة. وفي هذه البلدان الثلاثة ظهرت أولى الأحزاب الصهيونية واقدمها.
والصهيونية حركة سياسية أرادت تحويل اليهود إلى أمة لها دولة. وقد تأثرت في أفكارها بالمفهوم الشرق أوروبي للقومية الذي يقوم على مزج الدين بالقومية على غرار روسيا الأرثوذكسية، وبولونيا الكاثوليكية، والبانيا الإسلامية، وكوسوفو الإسلامية والشيشان المسلمون والأرمن المسيحيون... وهكذا. فالدين في هذه الدول كان عنصراً تأسيسياً في تكوين الأمة. في المانيا تكونت الأمة أولاً ثم أنشأت الدولة على اساس لغوي وعرقي، في حين ان الدولة في الولايات المتحدة وكندا واستراليا، وهي دولة مهاجرين، هي التي أسست الأمة على أساس المواطنة. أما إسرائيل وجنوب افريقيا، على سبيل المثال، فهما دولتان أسسهما مهاجرون في سياق كولونيالي وعلى أساس عنصري وديني معاً. وبهذا المعنى فإن الصهيونية، أي قومية الشتات، قامت على نفي الشتات. أما الديانة اليهودية فهي قائمة على تقديس الشتات الذي هو المطهر الضروري قبل مجيء الماشيح؛ ففي الشتات اكتشف النبي إبراهيم الله، وفي الشتات أنجب يعقوب الأسباط، وتحول الأسباط إلى شعب، وفي الشتات أيضاً نزلت التوراة على موسى. وفي المقابل فإن غاية الصهيونية هي إلغاء الشتات وتحويله إلى أمة، والصهيونية نفسها هي تجسيد للتطابق التام بين الدين والقومية أو بين الشعب اليهودي والدين اليهودي. فحتى الملحد الذي لا يؤمن باليهودية يُعتبر، من وجهة نظر صهيونية، جزءاً من الأمة، بينما الذي يغير دينه يفقد هذا الانتماء ويفقد حق العودة إلى إسرائيل.
رفض المتدينون اليهود الصهيونية في البداية لأنها أرادت علمنة الدين بتحويله إلى قومية، وأرادوا الإبقاء على اليهود كامتياز روحي، أي شعب الله المختار أو «شعب السبت» الذي ينتظر قدوم المشيح المخلص، وفي هذا الجدل ظهرت «اليهودية الإصلاحية» وهي حركة كبيرة ومهمة نقضت فكرة العودة الشخصية للمشيح، وأحلّت محلها فكرة العصر المشيحاني، أي العصر الذي يتحقق فيه السلام والعدالة والمساواة من خلال التقدم العلمي والحضاري. لكن الصهيونية رأت أن وعي اليهودي لذاته لا يحدده إيمانه بل نبذ الآخرين له وكراهيتهم إياه. وهذه هي بالضبط ما سُمي «المسألة اليهودية» المعاصرة التي أفلحت الحركة الصهيونية في تأسيس دولة لطائفة متناثرة في شتى أنحاء العالم، وأنشأت بوتقة صهر Melting Point لهؤلاء جميعاً من خلال اللغة والجيش والرموز الدينية المشتركة والحياة اليومية الواحدة فوق أرض واحدة هي فلسطين المحتلة، مع أن الرموز الدينية لم تكن، في نظر مؤسسي الحركة الصهيونية، ذات قداسة على الإطلاق، فهي، لديهم، تعكس الانبعاث القومي لا التاريخ الديني. وآباء الصهيونية الأوائل رأوا حتى الكتب المقدسة كالتوراة والتلمود، مجرد فلكلور قومي يهودي. وكان هيرتزل يردد: «إن الدين لا يهمني، بل إن ما يهمني هو الأسطورة الجبارة للعودة»، وقد اعترف بأنه فكر ملياً بتحويل اليهود بشكل جماعي إلى الكاثوليكية كحلّ لأوضاعهم في مجتمع مسيحي ينبذهم. وهذا الحل الاندماجي كان كارل ماركس عرضه، لكن بشكل أرقى بكثير، في كتابه «المسألة اليهودية» الذي رأى فيه ان دين اليهود هو التجارة، وأن إله اليهود هو المال. وإذا كنا نتطلع إلى تحرير الإنسانية، فيجب إذاً تحريرها من التجارة والمال، أي تحريرها من اليهودية وتحرير اليهودي من يهوديته.

دولة يهودية وديموقراطية: صيغة محال
في أي حال، كانت التوراة هي الركيزة الأساس في تشكيل الهوية اليهودية طوال حقبة الشتات (الدياسبورا). لكن في مرحلة التنوير الأوروبي (الهاسكالا لدى يهود أوروبا) رأى دعاة الاندماج أن في الإمكان أن يكون اليهودي مخلصاً لشعبه ومواطناً جيداً في الدولة التي يعيش فيها من دون التزام وصايا التوراة بدقة. وهذا يعني زحزحة الدين عن التأثير الحاسم في الحياة اليومية لليهودي، وخلخلة هذه الركيزة في تشكيل الهوية اليهودية. ومع صعود الصهيونية في بدايات القرن العشرين المنصرم عادت التوراة لتحتلّ مكانة مهمة في التفكير الصهيوني. لكن، بعد التحول من العيش في «المنفى» إلى الاستيطان في فلسطين، ثم إعلان الدولة بدأت مكانة التوراة بالانحسار لتحل المحرقة محلها في إعادة تشكيل الهوية اليهودية من غير أن ينتهي تأثير التوراة بالطبع، والتي وجدت في المتطرفين المتدينين (الحريديم) ما يعيد إليها نضارتها، الأمر الذي أعاد الجدل بقوة إلى إشكالية الهوية المعاصرة لإسرائيل ومواطنيها عرباً ويهوداً؛ هذه الإشكالية التي لم تجد حلاً لها حتى الآن.
إن تعريف إسرائيل بأنها «دولة يهودية وديموقراطية» تعني، بحسب القراءة الإسرائيلية، دولة قومية لليهود لكن بنظام ديموقراطي. أما دولة ديموقراطية فحسب فتعني لا يهوداً ولا عرباً، بل مواطنين، أناس، بشر، لهم حقوق متساوية.
لهذا يقف اليوم اليمين الصهيوني المتطرف (شبه العلماني أو العلماني) إلى جانب السلفيين المتطرفين (الحريديم) ليطالبوا بدولة يهودية لا بدولة ديموقراطية، لأنهم يخشون مكر التاريخ، كأن تتحول هذه الدولة اليهودية الديموقراطية يوماً ما إلى دولة ديموقراطية لجميع مواطنيها.
إن يهودية الدولة في إسرائيل المعرّفة بـ«الديموقراطية» والتي يرفع لواءها تيار الوسط الإسرائيلي بجناحيه اليساري واليميني، تفسر نفسها بنفسها إلى حد ما. فهي تؤكد أن جوهر الدولة يهودي، ونظامها ديموقراطي. بمعنى آخر، هي دولة قومية يهودية، لكن الشريعة اليهودية ليست مصدراً وحيداً للقوانين، بل إن القوانين الوضعية هي مصدر الأحكام مع اتكائها أحياناً على الشريعة اليهودية.
هنا أسمح لنفسي بالقول إن عبارة «دولة يهودية ديموقراطية» هي عبارة زائفة. إما دولة يهودية أو دولة ديموقراطية. والجمع بينهما من المحال. وبعض المفكرين الإسرائيليين يشددون على أن استمرار الاحتلال والضم المتسارع للأراضي ربما يجعل إسرائيل ديموقراطية بمعنى التعدد الاثني، لكنها لن تكون في هذه الحال يهودية في المستقبل. أما الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة فيجعلها يهودية بالتأكيد، لكن لا يجعلها ديموقراطية بالضرورة، بل ربما تتحول إلى دولة دينية معادية لقيم الديموقراطية التي صارت قيماً كونية.
إن إسرائيل إذا أرادت ترسيخ يهوديتها فستجد نفسها على جبهة الصدام المباشر مع عرب 1948 وهم السكان الأصليون لفلسطين. وإذا أرادت التأكيد على ديموقراطيتها، فسوف تجد نفسها في مواجهة مع الجماعات الدينية المتطرفة فيها، علاوة على انكشاف هذا الادعاء وانفضاحه جراء المواجهة اليومية التي يخوضها الفلسطينيون ضد الاحتلال.
إنها أحد إشكالات الهوية المضطربة لإسرائيل. لكن مخاطر اعتراف العرب بيهودية دولة إسرائيل تفوق بسلبيتها ما لا يمكن قياسه من الآثار السياسية المباشرة. وعلى سبيل المثال:
1 ـ يفرض هذا الاعتراف على فلسطينيي 1948 قسم الولاء عنوة للدولة اليهودية.
2 ـ يفرض على أي نائب عربي منتخب الولاء، لا للدولة وقوانينها باعتباره مواطناً، بل الولاء للرموز الدينية أو القومية للدولة اليهودية كالعلم والشعار والنشيد... الخ.
3 ـ يجعل قيام دولة إسرائيل أمراً مشروعاً وأخلاقياً؛ وهذا شأن خطير جداً لأنه يعني ان الفلسطينيين والعرب لا يعترفون بإسرائيل كأمر واقع، بل يعترفون بشرعيتها التاريخية، ما يجعل المقاومة الفلسطينية أمراً غير مشروع وغير أخلاقي، وأنها منذ 62 سنة أو أكثر وهي تعتدي على حق اليهود في استيطان فلسطين.
4 ـ ويعني أخيراً أن هذه الدولة اليهودية، حتى لو صارت أغلبية سكانها من غير اليهود، فستبقى يهودية تماماً مثلماً الفاتيكان دولة كاثوليكية حتى لو باتت أغلبية سكان روما من غير الكاثوليك.
إن جوهر نظرية انفصال اليهود عن الفلسطينيين غايته الحفاظ على هوية الدولة الإسرائيلية كدولة يهودية. وهذا هو الموقف الحقيقي لحزب العمل ولليسار الصهيوني التقليدي. وهذا التفكير هو الذي نفذ عملية «الترانسفير» أي ترحيل الفلسطينيين. أما اليمين الصهيوني، وهنا تكمن المفارقة، فلم يكن مؤيداً للانفصال الديموغرافي على الإطلاق. ومناحيم بيغن هو صاحب نظرية الحكم الذاتي المستمدة من تجارب دول شرق أوروبا في معالجة مشكلة الأقليات القومية والاثنية، التي تقوم على عدم الانفصال وعلى عدم الضم في آن. أي عدم رغبة إسرائيل في الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة في سنة 1967، وعدم قدرتها، في الوقت نفسه على ضمها.
ما حصل في إسرائيل منذ سنة 2000، في هذا الميدان هو تغير جوهري. فاليمين تبنى موقف اليسار الصهيوني بضرورة الانفصال الديموغرافي عن الفلسطينيين، أي إعطاء الفلسطينيين «دولة» لقاء ضم ما تريده إسرائيل من الأراضي الفلسطينية. وها هي اليوم تعرض «يهودية الدولة» لقاء «الدولة الموقتة». والدولة الموقتة هي، بكل بساطة، تحويل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي من صراع قومي إلى مشكلة حدودية.
جزّ العشب
شكلت الكوارث جزءاً من الهوية التاريخية لليهودي: كارثة الخروج من مصر، وكارثة التيه في سيناء، وكارثة دمار الهيكل ودمار مملكة إسرائيل ومملكة يهودا والسامرة، ثم كارثة الدياسبورا، وأخيراً الكارثة النازية. ومع أن الصهيونية تمكنت من تأسيس دولة، فيما لم تتمكن حركة التحرر الوطني الفلسطينية من إنجاز هذه المهمة حتى الآن، فإن يهود إسرائيل يعيشون اليوم في خضم توقع الخراب المقبل أو الكارثة الآتية؛ فكثيرون منهم يعتقد ان إسرائيل خطر على اليهود مثل جماعة ناطوري كارتا وجماعة حباد، وغيرهم يعتقد أن اليهودية صارت خطراً على إسرائيل استناداً إلى ما أفصحت عنه حادثة المتطرف يغآل عمير الذي اغتال يتسحاق رابين. وتوقعات الخراب الآتي جعل كثيرين من الإسرائيليين يتساءلون: هل ستبقى إسرائيل موجودة بعد خمسين سنة؟ وبعضهم تتخلع أضلاعه وهو يسأل: مَن منا يعتقد أن أحفاده سيعيشون في إسرائيل؟
هذه الاسئلة ليست مجرد تمارين ذهنية لدى الإسرائيليين، إنما هي اكتشاف؛ فقد اكتشفت فئات واسعة من الإسرائيليين في معمعان الانتفاضة الثانية أن السيطرة على الفلسطينيين مثل عملية جز العشب، كلما جززته نبت مجدداً.


المراجع عزمي بشارة، «من يهودية الدولة حتى شارون»، القاهرة: دار الشروق، 2005. عزمي بشارة، «دوافع إسرائيل إلى الاعتراف بها دولة يهودية»، مجلة الدراسات الفلسطينية (بيروت)، العدد 73، شتاء 2008. روث غابيزون، «تأملات في مغزى وأبعاد مصطلح «يهودية» في تعبير دولة يهودية وديمقراطية»، رام الله، مجلة «قضايا إسرائيلية»، العددان 31 و32، 2008.