| 

تدفع القرارات المائعة التي صدرت عن القمة العربية الأخيرة في سرت المرء إلى استعادة قرارات صدرت عن الجامعة العربية في زمن آخر يشهد على حجم ما حدث من تغيير في المنطقة. ففي الأول من نيسان 1950 أي قبل عهود الثورة والجمهوريات أقر مجلس جامعة الدول العربية بالإجماع ما يلي:
«أولا ـ لا يجوز لأية دولة من دول الجامعة العربية أن تتفاوض في عقد صلح منفرد أو أي اتفاق سياسي أو عسكري أو اقتصادي مع إسرائيل أو أن تعقد فعلاً مثل هذا الصلح أو الاتفاق. وأن الدولة التي تقدم على ذلك تعتبر على الفور منفصلة عن الجامعة طبقاً للمادة الثامنة عشرة من ميثاقها.
ثانيا ـ تكليف اللجنة السياسية باقتراح التدابير التي يجب أن تتخذ بشأن الدولة التي ترتكب هذه المخالفة».
وفي الثالث عشر من الشهر نفسه قدمت اللجنة السياسية مشروع قرار أقره المجلس وجاء فيه:
«ترى اللجنة السياسية اقتراح ما يأتي:
أولاً ـ على كل دولة من الدول الأعضاء بمجرد علمها بوقوع مخالفة لقرار مجلس الجامعة الصادر في 1/4/1950 أن تبادر بإبلاغ الأمر إلى الأمانة العامة.
ثانيا ـ تطلب اللجنة السياسية إلى الدولة المنسوب إليها الإخلال بقرار مجلس الجامعة المشار إليه أن تجيب على ما نسب إليها.
ويكون قرار اللجنة السياسية صحيحاً ونافذاً إذا وافقت عليه أربع من الدول الأعضاء. ويترتب على صدور قرار اللجنة السياسية بثبوت المخالفة اعتبار الدولة المخالفة منفصلة عن جامعة الدول العربية واتخاذ التدابير الآتي بيانها:
1- (أ) قطع العلاقات السياسية والقنصلية معها.
(ب) إغلاق الحدود المشتركة ووقف العلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية معها.
(ج) منع كل اتصال مالي أو تعامل تجاري مباشرة أو بالواسطة مع رعاياها.
2- تبلغ كل دولة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية الإجراءات التي اتخذتها في هذا الشأن.
3- تتضافر الدول الأعضاء على تقديم المعونة المتبادلة لتنفيذ التدابير المشار إليها».
ومن المؤكد أن استذكار مثل هذه القرارات في مثل هذا الوقت بالذات ضروري للاعتبار من الحال التي وصلنا إليها في ظل المفاوضات التي جرت وتجري من دون رؤية عموم عربية ومن دون برنامج متفق عليه بعد أن غدا الانفراد قاعدة وصار العمل العربي المشترك مجرد ستار.
وتظهر الوثائق التاريخية أنه في الوقت الذي كانت فيه للمشروع الصهيوني قيادة تعرف ما تريد وتسعى للتنفيذ كان الخلاف في القيادة العربية على أشده حول ما ينبغي فعله. وفيما رأى البعض أن الواجب يقضي العمل على وأد هذا المشروع من أساسه تطلع آخرون إلى محاولة تقاسم فلسطين مع اليهود. وقد أشارت دراسة إسرائيلية إلى أن حرب العام 1948 خلفت ثلاث قضايا مركزية في الصراع العربي الإسرائيلي هي الحدود والقدس واللاجئين والتي كانت انعكاساً للمشكل المركزي في العلاقة بين الطرفين وهو حق إسرائيل في الوجود من عدمه.
وثمة قرائن كثيرة حول مفاوضات جرت بين الوكالة اليهودية وإمارة شرقي الأردن بزعامة الأمير عبد الله. وإذا كانت هذه المفاوضات لم تثمر اتفاقات فإنها خلقت تفاهمات أسهمت في تكوين مواقف وحدود وساهمت في خلق تحالفات أو أرضية لتحالفات لاحقة كان تجري بلورتها بالخفاء.
ومع ذلك فإن انتهاء حرب العام 1948 قاد إلى مؤتمر للصلح في لوزان في سويسرا بين نيسان وأيلول العام 1949 انتهى بفشل ذريع. فقد رفضت الدول العربية إجراء مفاوضات مباشرة، وقبلت إجراء مفاوضات الهدنة العسكرية والتي أنجزت في الفترة من شباط إلى تموز 1949.
انطلقت إسرائيل من مبدأ أن المفاوضات لا يمكن أن تنجح من دون أن تشعر كل دولة عربية على حدة أن مصالحها مهدّدة وان من أجل المحافظة عليها ينبغي ان تتخلى عن الخطاب العروبي. وآمنت إسرائيل أن الدول العربية تريد أن تكسب منها بالمفاوضات ما عجزت عن تحقيقه بقوة السلاح. ولذلك فإنها رفضت على الدوام العودة إلى مشاريع أو خطوط سابقة. وزاد من جشعها إحساسها بأن دولاً عربية لا تريد قيام الدولة الفلسطينية وإنما تقاسم أراضيها واعتبار الأمر مجرد صراع حدودي.
واعتبرت إسرائيل تمسك الدول العربية بإعادة اللاجئين الفلسطينيين تأكيداً على استمرار رفض العرب لمبدأ الدولة اليهودية على قاعدة أن وجود أغلبية عربية يلغي الطابع اليهودي للدولة. وقادت نتائج حرب 1956 وعودة الجيش الإسرائيلي بعد ذلك إلى خطوط هدنة 1949 إلى الاقتناع بتقبل الأسرة الدولية لهذه الحدود.
وبعد حرب 1967 اصطدمت صيغة «الأرض مقابل السلام» منذ اللحظة الأولى بتفسير القرار رقم 242 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. فرغم تأكيده على عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة إلا أن إسرائيل إدعت أن القرار يتحدث عن «أراضٍ» وليس عن «الأراضي» التي احتلت في العام 1967. وهو القرار الذي أتاح لإسرائيل رفض تعبير «خطوط حزيران» والتلاعب أحيانا بمفهوم «الحدود الدولية», وهو ما أسقط قطاع غزة والضفة الغربية من الاتفاقيات مع مصر والأردن. كما أن هذا المفهوم يشكل اليوم نقطة خلاف مركزية في المفاوضات مع كل من سوريا والسلطة الفلسطينية. وفي كل الأحوال فإن المطالبات الدولية بانسحاب إسرائيل تضمنت في ثناياها إقراراً بإسرائيل في حدود العام 1967 وتجاهلا للقرارات الدولية بشأن اللاجئين الفلسطينيين وخصوصا القرار 194.
وكانت القمة العربية في الخرطوم والتي أطلقت «اللاءات الثلاث» نقطة تحول في العلاقات الداخلية العربية وتضامنها من أجل إزالة آثار العدوان. ويمكن القول إن هذه القرارات لعبت أحد أهم خلفيات وممهدات القرار المصري ـ السوري بشن حرب تشرين العام 1973.
وشهدت إسرائيل طغيان شهوة القوة بعد العام 1967 وبدء حالة الهوس الاستيطاني ذي الطبيعة الأمنية أولاً في الجولان وسيناء وعلى طول نهر الأردن ثم الاستيطان الديني في مدن الضفة الغربية، خصوصاً في القدس والخليل. وعمدت إسرائيل في المناطق المحتلة إلى الأسلوب ذاته الذي اعتمدته في مناطق 48: استيطان = أمن = حدود وهو أسلوب فرض الأمر الواقع. ووفق منطلق أن «الحق التاريخي» أو «المناطق الحيوية لأمن إسرائيل» شهدت الضفة الغربية وقطاع غزة عملية قضم تدريجي أو ضم زاحف.
وحركت حرب تشرين الأول عملية تفاوض حقيقية بين دولة عربية وإسرائيل. وعقدت مفاوضات مؤتمر جنيف وتلته اتصالات مصرية إسرائيلية. وفي تلك الفترة في العام 1974 جرت محاولات لإبرام تسوية مرحلية مع الأردن بروحية اتفاقيات فصل القوات. ولكن الجامعة العربية في قمتها في الدار البيضاء حرفت الأنظار بعيداً عن الخيار الأردني بإعلانها منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني.
وشكل هذا الإعلان بداية إدخال المنظمة في عملية المفاوضات السياسية التي أملت عليها تغيير استراتيجيتها من تحرير فلسطين إلى تحرير أو إدارة كل أرض فلسطينية يجلو عنها الاحتلال.
وجاءت معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في العام 1979 تتويجاً لمفاوضات منفردة أربكت الساحة العربية لوقت طويل وجعلت القطار العربي يسير من دون قاطرة. ولكن المعاهدة التي أبرمت مع الليكود, صاحب رؤية «للأردن ضفتان, الأولى لنا والثانية أيضا لنا»، سمحت بإخراج الخيار الأردني كحل للقضية الفلسطينية من التداول. وفي الوقت نفسه عززت لدى الإسرائيليين إثر القبول المصري بخطة الحكم الذاتي فكرة الدولة الواحدة التي يمكن للفلسطينيين العيش فيها كسكان وليس كمواطنين. ولكن الرفض الفلسطيني للخطة وفشل المشروع الإسرائيلي في حرب لبنان الأولى العام 1982 في وأد منظمة التحرير قاد لاحقاً إلى الانتفاضة الأولى العام 1987 والتي أجبرت إسرائيل على محاولة البحث عن حل عبر اتفاقيات أوسلو.
والواقع أن الوصول إلى الخيار الفلسطيني في أوسلو لم يسر في طريق سهل إذ اعترضته عوامل إقليمية وداخلية إسرائيلية. تشهد على ذلك المساعي التي أجراها شمعون بيريز مع الملك حسين، في العاصمة البريطانية والتي قادت إلى «اتفاق لندن» في نيسان العام 1987. ويمكن القول إن الانتفاضة الأولى حسمت بشكل تام الجدال حول خيارات حل القضية الفلسطينية لمصلحة الخيار الفلسطيني. وليس صدفة أنه بعد حوالى نصف عام على نشوب الانتفاضة أعلن الأردن قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية تاركاً لمنظمة التحرير عبء التمثيل.
وثمة من يعتقد في إسرائيل أن قرار الأردن فك الارتباط مع الضفة الغربية شكل نهاية الصفقة لتقاسم أراضي الدولة الفلسطينية التي أقرت في مشروع التقسيم. وقاد فك الارتباط إلى عودة الصراع حول الأرض إلى الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني. ولكن منذ ذلك الحين وحتى الآن بدا أن الفلسطينيين عاجزون عن إدارة المفاوضات وحدهم حتى وإن استندوا إلى ما يعرف بـ«الشرعية الدولية».
تشهد على ذلك نتائج اتفاقات أوسلو التي لا يمكن العثور على وصف أكثر تعبيراً من وصف الرئيس محمود عباس للسلطة الناجمة عنها بأنها «أكذوبة». فالقضية بقيت كما كانت قضية أرض وحق وكرامة. ولم تغير «المرونة» التي أبداها المفاوض الفلسطيني في جشع الإسرائيلي الذي ظل يصرّ على حصر أكبر قدر ممكن من الفلسطينيين في أصغر رقعة من الأرض.