| 

أحد الانتقادات التي وجهت الى منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، انهما تحولتا من حركة تحرر وطني الى شيء آخر في عقد التسعينيات بعد تأسيس السلطة الفلسطينية، وقبل فترة طويلة من عملية التحرير، أي قبل انهاء الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنات وحل مشكلة اللاجئين بشكل عادل. بغض النظر عن مدى صحة هذا الانتقاد، تجدر الاشارة الى ان منظمة التحرير الفلسطينية قبل فترة طويلة من اتفاقات أوسلو، وتحديدا خلال عقد السبعينيات في لبنان، كانت قد اصبحت بيروقراطية، وصارت تتحول أكثر فأكثر الى شبه دولة وتتراجع شيئا فشيئا عن ان تكون حركة تحرر وطني. ومنذ اللحظة التي انتقلت فيها القوى العسكرية الرئيسية لمنظمة التحرير من الجنوب الى بيروت وصيدا في مرحلة 75ـ 1976 من الحرب اللبنانية، فقد اختفى الزعم أن هدفها هو تحرير فلسطين من خلال الكفاح المسلح. ومع تحول قواتها الى قوات دفاع عن النفس بالنسبة للشعب الفلسطيني في لبنان (وكقوة ضاربة ضد أعداء منظمة التحرير الفلسطينية خلال الحرب هناك)، ومع تحول استراتيجية منظمة التحرير الى الدبلوماسية، ليصبح هدفها حل الدولتين، فقد تبخرت تلك المزاعم كلية.
وقعت السلطة الفلسطينية في هذا الفخ بقبولها الصيغة التفاوضية التي فرضها عليها جيمس بيكر في مدريد عام 1991 بطلب من الإسرائيليين، والذي خطط لان يجري تناول قضية اللاجئين (وجميع القضايا المهمة) في وقت لاحق في مفاوضات الوضع النهائي، التي تأجلت لما يقارب العقد، لحين انعقاد مؤتمر كامب دافيد الاجهاضي عام 2000، ثم تأجل الى ما لا نهاية. هذا التأخير خلق انطباعا لا يمكن انكاره بأن قيادة منظمة التحرير، التي أوفت بـ«حق عودتها» هي الى فلسطين بموجب اتفاقات أوسلو، قد رتبت وضعها، ولم تهتم إلا بمصالح من هم تحت الاحتلال، بينما تناست القابعين في مخيمات اللاجئين في لبنان والآخرين في الشتات. بالنسبة لمنظمة التحرير الفلسطينية التي صعدت الى القمة في المنفى، على أكتاف اللاجئين الفلسطينيين، وطفت على السطح بفضل تضحيات فلسطينيي لبنان، فإن ذلك يبدو قاسيا بالفعل. هذه الاخفاقات كلها وغيرها اجتمعت في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في كانون الثاني/ يناير 2006، عندما دفعت فتح ثمن خطايا منظمة التحرير الفلسطينية التي سيطرت عليها قرابة 40 عاما.
بمرور الوقت، سيطر على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة والخارج، والذين كانوا في السابق اكثر تأهبا وحشدا، نوع من الاستسلام السلبي. تجدر الاشارة هنا الى ان مؤتمر مدريد للسلام والمفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية التي تلت كانت من ناحية ما ثمرة الانتفاضة الاولى التي حرضت المجتمع الفلسطيني وكشفت للعديد من الإسرائيليين بعد عقدين من الزمن ان الاحتلال لا يمكن ان يستمر. بعد مدريد، افترض معظم الفلسطينيين ان الحصول على دولة من خلال المفاوضات كان مسألة وقت فحسب. لكن الواقع ان شيئا من ذلك النوع لم يحدث، بعد ان سمحت الولايات المتحدة لإسرائيل، رغم التعهدات الواضحة التي قدمتها ادارة بوش الأول الى الفلسطينيين، بقضم قطع ضخمة من الكعكة التي كان يفترض ان الجانبين يتفاوضان عليها.
خلال أكثر من تسع سنوات من المفاوضات ابتداء من الاعداد لمؤتمر مدريد المطول عام 1991، وحتى عقد الرئيس كلينتون لمؤتمر كامب ديفيد أواخر العام 2000، منع خلالها الفلسطينيون من مناقشة أي من المشاكل الحقيقية بينهم وبين إسرائيل، وازدادت تلك المشاكل سوءا. تواصل الاحتلال، كما استمرت مصادرة الأراضي الفلسطينية لإقامة مستوطنات جديدة وتوسيع المستوطنات القديمة، وما رافق ذلك من زيادة عدد المستوطنين. ونتيجة للسياسات الإسرائيلية والترتيبات الغريبة للحكم الذاتي الفلسطيني التي تحدد امتيازات السلطة الفلسطينية، لم تكن هناك مساحات مترابطة من الأرض تخضع لسلطة الفلسطينية، الواقع انه لم تكن هناك أي أراض تخضع لسلطتها وإدارتها الكاملة، حتى ولا 17 بالمئة من الضفة الغربية التي كانت تديرها اسميا. وأقيمت طرق التفافية جديدة لتمكين المستوطنين من السفر بين المستوطنات من دون المرور بالمناطق المأهولة بالفلسطينيين. بناء هذه الشبكة من الطرق ـ التي صممت خصيصا لاستخدام الإسرائيليين ومنع الفلسطينيون من المرور بها ـ تطلبت مصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية. وساعدت تلك الطرق على تطويق الفلسطينيين في كانتونات أضيق داخل الضفة الغربية، معزولين عن بعضهم البعض وعرضة «للاغلاقات» (التي تعني عمليا سجن الفلسطينيين داخل كل كانتون) بحسب ما تريد إسرائيل وفي أي وقت تريد. أشد هذه الاغلاقات كان يمنع الدخول الى إسرائيل والى القدس الشرقية العربية المحتلة. هناك، ترافق منع الفلسطينيين من البناء مع إقامة المستوطنات في القطاع الشرقي من المدينة ما قلص الآمال في ان تصبح عاصمة فلسطينية. في تلك الأثناء لم يُفعل شيء لمعالجة محنة الفلسطينيين الذين يعيشون في المنفى، او قضية سيطرة إسرائيل على الأحواض المائية في الضفة الغربية. كل تلك التغييرات على الأرض ـ التي حدثت ومفاوضات السلام التي يفترض انها جارية ـ جعلت فكرة قيام دولة فلسطينية ذات سيادة مع حدود واضحة أبعد من أي وقت مضى.
ومع استمرار المفاوضات التي بدأ يتضح انها بلا نتيجة لمدة عقد كامل، شهد العديد من الفلسطينيين ان قطاعات حيوية من الـ22 بالمئة من فلسطين التاريخية التي تتكون منها الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، والتي أملوا ان يقيموا عليها دولتهم ذات السيادة، بدأت إسرائيل تبتلعها بشكل حثيث في عملية الاستيطان الزاحفة والضم بحكم الأمر الواقع. لذلك بدأوا يشعرون بأنه من المستحيل الحصول على أي حل يقوم على مبدأ الدولتين. والوضع ما زال يتدهور: في حين ان عدد المستوطنين في تلك المناطق زاد أكثر من الضعف ليصل الى 400 ألف مستوطن بحلول العام 2000، وصل العدد خلال الخمس سنوات اللاحقة الى حوالى 450 ألفا، رغم تفكيك المستوطنات الصغيرة في قطاع غزة.

قالب السيطرة الإسرائيلي
ما كان خطيرا بالقدر نفسه من ناحية التصورات الفلسطينية، خلال هذا العقد من المفاوضات، هو ممارسة إسرائيل سيطرة أكبر من أي وقت مضى على السكان الفلسطينيين وعلى 83 بالمئة من أراضي الضفة الغربية التي كان لها عليها سيطرة تامة او جزئية بموجب اتفاقات أوسلو والاتفاقات التي تلت. وفي حين كانت المستوطنات واضحة تماما حتى لعابر السبيل، فإن ما كان أقل وضوحا بكثير هو الطريقة التي كان الاحتلال الإسرائيلي يزيد فيها من سيطرته على السكان الفلسطينيين خلال تلك الفترة. تم ذلك من خلال شبكة من الإجراءات، وصلت الى حد إقامة نظام جديد للسيطرة، بما في ذلك قيود خانقة على الحركة، ونظام تصاريح شامل، والمئات من نقاط التفتيش الدائمة والموقتة، وشددت اغلاق منطقة التوسع المدنية في القدس الكبرى امام معظم الفلسطينيين، وشق طرق التفافية خاصة بالإسرائيليين وحدهم لربط الأرخبيل المتنامي من المستوطنات التي تفصل المجتمعات المحلية الفلسطينية عن بعضها، وإقامة مناطق مغلقة امام الفلسطينيين ومناطق «الحفاظ على الطبيعة» المغلقة امام التنمية الفلسطينية، والاستيلاء على مزيد من الأراضي لتوسيع المستوطنات القائمة وبناء اخرى جديدة.
المؤشر الأهم في هذه العملية كان التراجع الكبير في حرية الفلسطينيين على التحرك من مكان الى آخر، داخل الأراضي المحتلة بما في ذلك القدس الشرقية، سواء الى إسرائيل او بين الضفة الغربية وغزة. حتى نهاية عقد الثمانينيات، كانت الحركة في تلك المناطق مقيدة للغاية امام فئة معينة ومحدودة من الفلسطينيين (خاصة المدانين بقضايا أمنية). وكان معظم الآخرين يتجولون بقدر من الحرية، وكان الدليل على ذلك ذهاب أكثر من مئة ألف فلسطيني للعمل يوميا في إسرائيل، وإمكانية سفر الفلسطينيين الى إسرائيل بالسيارات التي تحمل لوحات الضفة الغربية من دون عوائق تذكر. بعد ذلك، ابتداء من فترة أوسلو، تزايدت القيود على حركة الفلسطينيين، الى ان منعت إلا بموجب تصريح كان من الصعب الحصول عليه، لم يكن يمنح إلا لفئة محدودة من الأشخاص (تحديدا كبار المسؤولين في السلطة الفلسطينية، الذين كانوا يحصلون على تصاريح الشخصيات الهامة ـ في. أي. بي)، أما باقي الفلسطينيين ففرضت على تحركاتهم قيود كبيرة. وهكذا انتقل الفلسطينيون تحت الاحتلال من وضع كان معظمهم يستطيع التحرك فيه بحرية نسبية داخل الأراضي المحتلة وإسرائيل، باستثناء فئة صغيرة كانت تعاني من قيود شديدة على تحركاتها، الى وضع يعاني فيه جميع الفلسطينيين من القيود باستثناء فئة صغيرة.
نتيجة تلك الإجراءات ونظام السيطرة الجديد الذي وضعته إسرائيل بالتدريج على مدى عقد ونصف العقد اصبح 3,6 ملايين فلسطيني من سكان الأراضي المحتلة، الذين كان في وسعهم التحرك بحرية نسبية الى إسرائيل، والقدس، وبين الضفة الغربية وغزة، في وضع مختلف تماما. المقيمون في الضفة الغربية احتجزوا في تشكيلة من الكانتونات المعزولة في 17 بالمئة من الأراضي التي تديرها السلطة الفلسطينية التي أقيمت بموجب اتفاقات أوسلو وترتيبات «الحكم الذاتي» اللاحقة. فبالكاد كان يمكنهم التحرك من واحد من تلك الكانتونات الى آخر. تلك القيود، التي كانت تفرض في بعض الأحيان متعللة بذرائع أمنية، لم تكن ترفع حتى عندما كان الوضع الأمني يتحسن الى ان أصبحت غطاء خانقا من القيود الدائمة. ولم يكن يبقى سوى بناء أسوار وحواجز من الأسلاك المكهربة في الضفة الغربية، كما حدث حول قطاع غزة، كي تصبح تلك الكانتونات معسكرات اعتقال في الهواء الطلق. وحين قامت الانتفاضة، لم يتأخر ذلك في الحدوث، بدأ على شكل «سياج أمني»، يبلغ ارتفاعه في جزء كبير منه (الذي يمر عبر المدن، والبلدات، والمناطق الشديدة الكثافة السكانية) 30 قدما من الجدران الاسمنتية مع أبراج مراقبة، وفي مناطق اخرى نظام عريض من الحواجز والأسلاك الشائكة، والطرق الأمنية. وبعد انسحاب إسرائيل عام 2005 من قطاع غزة، اصبح في إمكان سكان تلك المنطقة الانتقال في أرجائها المحددة، والسفر الى مصر، لكن لم يكن في وسعهم السفر الى إسرائيل، حيث كان معظمهم يعمل في السابق. واحتفظت إسرائيل ايضا بسيطرة شديدة على جميع صادرات وواردات قطاع غزة، الذي تسيطر عليه بشكل كامل، وتفصله عن العالم لمدة أسابيع في بعض الأحيان، كما حدث في ربيع العام 2006، وتقيدهم في أحيان اخرى.
قيام الاحتلال العسكري الإسرائيلي بفرض نظام السيطرة المتصاعد هذا خنق الفلسطينيين، بأن قيد حركتهم ومجال حياتهم داخل الأراضي المحتلة. لا داعي للقول، انه كان لكل تلك الإجراءات تأثير اجتماعي هائل كما قوض بشدة اقتصادهم الضعيف. وكان التأثير الأكبر نفسيا نظرا لان هذه العملية بدأت وبدأ مفعولها يظهر خلال فترة كانت مفاوضات السلام تجري بشكل ظاهر. وصاحب تردي وضع المواطن الفلسطيني العادي ركود الدخل الفردي حتى في السنوات التي سبقت الانتفاضة الثانية: وهكذا، فإن الناتج المحلي الإجمالي للفرد بالكاد ارتفع خلال فترة المفاوضات، من 1380 دولارا في العام 1995 الى 1386 في العام 2000. وكان لانعدام التحسن في رفاهية الفلسطيني العادي تأثير سلبي قوي على الدعم الشعبي للعملية السلمية التي رأى العديد من الناس أنها تزيد من تردي روحهم المعنوية وتقيدهم. من الناحية الاقتصادية حدث الأسوأ بعد الانتفاضة الثانية: فقد تراجع الناتج المحلي الإجمالي للفرد من 1386 دولارا عام 2000 الى 1146 عام 2004. وتراجع أكثر منذ ذلك الحين.


*رشيد الخالدي أستاذ كرسي ادوارد سعيد في جامعة جورج تاون. ويمكن العودة الى كتاب رشيد الخالدي «القفص الحديدي» (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2008) للاطلاع على قصة النضال الفلسطيني في سبيل دولة فلسطينية مستقلة، وعلى العوامل التي أعاقت هذا النضال.