| 

كنت في السادسة من عمري حين خرجت الى ما لا اعرف، حين انتصر جيش حديث على طفولة لم يكن يأتيها من جهة الغرب إلا رائحة البحر المالحة، وغروب شمس الذهب على حقول القمح والذرة. لم تتحول السيوف الى محاريث إلا في وصايا الأنبياء. وانكسرت محاريثنا في الدفاع عن طمأنينة العلاقة الأبدية بين ريفيّين طيِّبين وأرض لم يعرفوا غيرها ولم يولدوا خارجها، أمام حرب الغرباء المدججين بطائرات ودبابات وفرت لرواية حنينهم البعيد الى «أرض الميعاد» شرعية القوة. كان الكتاب يتغذى من القوة، وكانت القوة في حاجة الى كتاب.
ولكن ابن السادسة لم يكن في حاجة الى من يؤرخ له، ليعرف طريق المصائر الغامضة التي يفتحها هذا الليل الواسع الممتد من قرية على أحد تلال الجليل، الى شمال يضيئه قمر بدوي معلَّق فوق الجبال: كان شعب بأسره يُقتلع من خبزه الساخن، ومن حاضره الطازج ليُزج به في ماض قادم. هناك... في جنوب لبنان، نصبت خيام سريعة العطب لنا. ومنذ الآن، ستتغير أسماؤنا. منذ الآن سنصير شيئاً واحداً، بلا فروق. منذ الآن، سنُدمغ بختم جمركي واحد: لاجئون.
ـ ما اللاجئ يا أبي؟
{ لا شيء، لا شيء، لن تفهم.
ـ ما اللاجئ يا جدي، أريد أن أفهم.
{ أن لا تكون طفلاً منذ الآن!
ـ هل سيطول هذا الأمر يا جدي؟
{ إنها رحلة قصيرة. وعما قليل نعود.
لم أعرف كلمة «المنفى» إلا عندما ازدادت مفرداتي. كانت كلمة «العودة» هي خبزنا اللغوي الجاف. العودة الى المكان، العودة الى الزمان، العودة من المؤقت الى الدائم، العودة من الحاضر الى الماضي والغد معاً، العودة من الشاذ الى الطبيعي، العودة من علب الصفيح الى بيت من حجر. وهكذا صارت فلسطين هي عكس ما عداها. وصارت هي الفردوس المفقود الى حين.
حين تسللنا، عبر الحدود، لم نجد شيئاً من آثارنا وعالمنا السابق. كانت الجرافات الإسرائيلية قد أعادت تشكيل المكان، بما يوحي بأن وجودنا كان جزءاً من آثار رومانية، لا يُسمح لنا بزيارتها. وهكذا لم يجد العائد الصغير الى «الفردوس المفقود» غير ما يشير الى أدوات الغياب الصلبة، والطريق المفتوحة الى باب الجحيم.
لم أكن في حاجة الى من يؤرخني، أنا الحاضر الغائب. ولكن المخرجة السينمائية سيمون بيطون ستذهب بعد خمسين عاماً الى مسقط رأسي لتصوير بئري الأولى وماء لغتي الأول، وستصطدم بمقاومة من سكان المكان الجدد، وتسجَّل هذا الحوار مع المسؤول عن المستوطنة الإسرائيلية:
ـ لقد وُلد الشاعر هنا.
{ وأنا أيضاً. حين وصل أبي الى هنا لم يلق سوى الأطلال. أعطونا خياماً ثم أكواخاً. أنفقت عشرين عاماً في بناء بيت لي، وتريدينني أن أعطيه إياه؟
ـ ما أريد هو أن أصوِّر هذه الأطلال، أطلال ما تبقى من بيته. انه في عمر والدك، ألا تخجل؟
{ لا تكوني ساذجة، إنهم يريدون حق العودة.
ـ أتخاف من أن يحصلوا عليه؟
{ نعم!
ـ وأن يطردوك كما طردناهم؟
{ أنا لم أطرد أحداً. أنزلونا من الشاحنات وقالوا لنا: ههنا تدبروا أمركم. لكن من هو درويش هذا؟
ـ إنه يكتب عن هذا المكان، عن شجرات الصبّار هذه. عن هذه الأشجار، وعن البئر.
{ أية بئر. هناك ثماني آبار. كم كان عمره؟
ـ ست سنوات.
{ وعن الكنيسة؟ هل يكتب عن الكنيسة!؟
كانت هناك كنيسة لكنها دُمرت. أبقوا على المدرسة من أجل البقرات الحلوبات والعجول.
ـ حوَّلتم المدرسة الى إسطبل؟
{ لِمَ لا؟
ـ صحيح، لِمَ لا بالنهاية؟ هم كان عندهم حصان. هل ما زال هناك بعض أشجار الفاكهة؟
{ طبعاً، حين كنا لا نزال أولاداً اعتشنا على ثمارها: تين وتوت وكل ما خلق الله. إنها كل طفولتي تلك الأشجار.
ـ وطفولته أيضاً.
لم تكن صحراء إذاً، ولا خالية من السكان. يولد طفل في سرير طفل آخر. يشرب حليبه. يأكل توته وتينه، ويواصل عمره، بدلاً منه، خائفاً من عودته، وخالياً أيضاً من الاحساس بالإثم، لأن الجريمة من صُنع أيد أخرى ومن صناعة القدر. فهل يتسع المكان الواحد لحياة مشتركة؟ وهل يقوى حلمان على الحركة الحرة تحت سماء واحدة، أم أن على الطفل الأول أن يكبر بعيداً وحيداً بلا وطن وبلا منفى، لا هو هنا ولا هو هناك.
سيموت جدي كمداً، وهو يطل على حياته التي يعيشها الآخرون، وعلى أرضه التي سقاها بدموع جلده ليورثها لأبنائه.
كل حجر هنا يروي، وكل شجرة تحكي عن الصراع بين المكان والزمان. كلما ازدادت وطأة الجمال ازداد احساسي بخفَّة الغريب: أنا حاضر وغائب وسجين. نصف مواطن ولاجئ كامل الحرمان. أذرع شوارع حيفا، على سفح الكرمل الموزع بين البحر والبر، وبي عطش الى توسيع رقعة الأرض بحرية لا أجدها إلا في قصيدة تأخذني الى الزنزانة.
سيُتاح لي، بعد ما يزيد على ربع قرن، أن أرى جزءاً من بلادي، غزة التي لم أرها من قبل إلا في قصائد شاعرها الراحل معين بسيسو الذي جعلها جنته الخاصة. الطريق إليها عبر صحراء سيناء موحش، يُسامره نبت صحراوي هنا وهناك، نخيل حار ودبابة تذكارية، وبحر على الشمال. أما مشاعري فقد كانت مُرتبة بعقلانية باردة حيناً، ونهباً لخبرة مَن يعرف الفارق بين الطريق والهدف حيناً آخر. تكاثر النخيل فجأة في العريش. ها أنذا أقترب من المجهول الذي تمنيت لو يطول. ولكن سلطة الوعي على القلب تتراخى تدريجياً: هيّا بنا قبل أن يهبط المساء. انتظر، قال لي صاحبي، فالوطن في متناول اليد. والوطن هو ما تحس به الآن. هو هذا التوجُّس وهذا الاضطراب. قلت: لعله هو هذا المساء الذي يتأهب فيه الحلم ليصبح أكثر واقعية.
لا أحلم الآن بشيء. من هنا تبدأ فلسطين الجديدة. أتحاشى النظر الى كاميرات المصورين الباحثة عن فرح العائدين الى الجنة. وتلسعني أضواء المستوطنات وحواجز الجيش الإسرائيلي على جانبي الطريق. ولعل أول ما يفاجئني هو انكسار القوام الجغرافي وتشوُّه الخريطة. ولكن للمفاجأة جوابها الجاهز: هذه هي البداية. فنحن في أول الطريق، في أول الأمل.
لم أتمكن من الوصول الى أريحا. فكيف أصل الى الجليل، وطني الشخصي؟ كان ذلك مشروطاً بشروط قال لي إميل حبيبي إنه يخجل من نقلها. لكنه لم يعرف أنه سيرحل بعد عامين، وأن جنازته ستوفِّر لي فرصة حزينة لأفرح بعودة قصيرة الى الجليل، إذ حصلت على تصريح لمدة ثلاثة أيام للمشاركة في تأبين إميل حبيبي ولزيارة بيت أمي. وهناك احترقتُ بلهفة العودة، فمن هنا خرجت والى هنا أعود. ورأيتُ كيف يستطيع المرء أن يولد من جديد: كان المكان قصيدتي.