1 ـ إقرت
تقع قرية إقرت في الجليل الغربي قرب الحدود مع لبنان، وجميع سكانها من الكاثوليك. وقد احتل الجيش الإسرائيلي هذه القرية، مع القرى المجاورة لها، في 31 تشرين الأول 1948، من دون أي مقاومة. وبعد احتلال القرية بستة أيام، أي في 5 تشرين الثاني 1948، أُمر سكان القرية بمغادرة بيوتهم لأسبوعين إلى أن تنتهي الأعمال العسكرية في المنطقة، وقيل لهم صراحة أن يأخذوا معهم حاجاتهم الضرورية فقط. أغلقت بيوتهم بالأقفال التي أحضرها الجيش الإسرائيلي وسلمت المفاتيح إليهم، وخلال ثلاثة أيام، انتقل سكان القرية إلى قرية الرامة في وسط الجليل على الطريق الرئيسية عكا ـ صفد.
مرّ أكثر من أسبوعين من دون أن يُسمح لسكان القرية بالرجوع إليها، ورفضت السلطات الإسرائيلية جميع طلبات العودة. وقد استمرت المفاوضات أكثر من سنتين، من دون جدوى، إلى أن أدرك السكان أنهم لن يُعادوا عن طيبة خاطر إلى قريتهم، فتوجهوا إلى المحكمة العليا بشكوى ضد وزير الدفاع والحاكم العسكري، طالبين إعادتهم إلى بيوتهم. وفي 31 تموز 1951 قررت المحكمة أنه «لا يوجد أي مانع قانوني لإعادة المشتكين إلى قريتهم». وبعد صدور قرار طلب السكان من الحاكم العسكري تنفيذه وإعادتهم إلى قريتهم، إلا أن الحاكم العسكري أحالهم إلى وزير الدفاع الذي أحالهم بدوره إلى الحاكم العسكري. واستمرت هذه المماطلة أكثر من شهر، إلى أن تسلم سكان القرية «أوامر بالخروج» من قريتهم، بحسب أنظمة مناطق الأمن، فتقدم السكان باستئناف إلى لجنة الاستئناف التي صادقت على أوامر الطرد. وبعد ذلك عاد سكان القرية وتوجهوا إلى المحكمة العليا بشكوى جديدة، وتقرر النظر في القضية في 6 شباط 1952، ولكن قبل هذا التاريخ بشهر ونصف الشهر، أي في 25 كانون الأول 1951، ليلة عيد الميلاد بالذات، نسفت قوات الجيش الإسرائيلي جميع بيوت القرية.

2 ـ كفر برعم
لاقت قرية كفر برعم المارونية المصير نفسه الذي لاقته قرية إقرت، فقد احتلت كفر برعم يوم احتلت إقرت، ونقل أهلها إلى قرية الجش. وقد توجه سكان هذه القرية أيضاً، بعد تردد، في سنة 1953 بشكوى إلى المحكمة العليا التي أصدرت، في أوائل أيلول أمراً تمهيدياً يجبر السلطات على إبداء الأسباب التي تمنع سكان القرية من العودة إلى بيوتهم، ولكن ردة فعل السلطات كانت هذه المرة عصبية جداً. ففي تظاهرة قوة، قامت قوات المشاة والقوات الجوية الإسرائيلية بمهاجمة القرية، في 16 أيلول 1953، وقصفتها بالقنابل من البر والجو حتى دمرتها تماماً.
غير أن أغلبية سكان القريتين أصرت على العودة، رافضة التعاون مع السلطات لإيجاد أي حل آخر، إلى أن ثارت المشكلة مجدداً بصورة عنيفة، وبتشجيع وتأييد من المطران يوسف ريا، خلف المطران حكيم، في صيف 1972، عندما رفض سكان القريتين الذين ذهبوا لترميم الكنائس هناك، مغادرتهما، ما أدى إلى تدخل الشرطة لإبعادهم، واضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى البحث في المشكلة في إحدى جلساتها لتعلن مجدداً معارضتها عودة السكان إلى القريتين، خوفاً من أن يعتبر مثل هذا العمل سابقة لعودة قرويين آخرين إلى قراهم.
وفي أواخر سنة 1972، وبعد أن انتهى مفعول أنظمة مناطق الأمن، أعلنت السلطات الإسرائيلية القريتين منطقتين مغلقتين وفقاً لأنظمة الدفاع (الطوارئ) لسنة 1945، لمنع سكانهما من دخولهما دون تصريح، أو الإقامة هناك بصورة دائمة.

3 ـ كراد البقّارة وكراد الغنّامة
تمثل قبيلتا الغنّامة والبقّارة الكرديتان فئة من القبائل التي أُخرجت من ديارها بذريعة متهافتة هي أنها تقيم في مناطق حدودية ذات خصوصية أمنية. وهؤلاء نقلتهم القوات الإسرائيلية في نيسان 1951 الى بعض المناطق الداخلية. وكانت خيام القبيلتين تقع في الأصل على بعد 2 ـ 3 كيلومترات من الحدود السورية، وعلى مسافة مماثلة من جسر بنات يعقوب الذي يشكل نقطة استراتيجية، والذي كان مركزا لقوات الأمم المتحدة سنة 1949. وكان نهر الأردن قبل سنة 1948 يستخدم لري محاصيل القبيلتين وسقي أغنامهما، لأن أراضيهما الزراعية كانت تقع بين مستوطنتين قامتا قبل سنة 1948، وهما مستوطنتا أييليت هشاحر ومشمار هايردين.
في أوج الحرب سنة 1948 احتلت القوات السورية المنطقة الواقعة غربي نهر الأردن بما فيها قرية كراد البقارة. أما قرية كراد الغنامة التي تقع إلى الغرب منها فقد بقيت في أيدي القوات اليهودية. وعقب نشوب القتال تحول بدو الغنامة إلى نازحين وظلوا بعيدين عن قريتهم مدة عام ونصف عام عاشوا خلالها خلف الحدود في الجانب السوري. على أنهم عادوا إلى قريتهم بعد عقد اتفاقية الهدنة. وفي 20 تموز 1949 أُعلنت المنطقة منطقة مجردة من السلاح وأُجبر السكان العرب واليهود على البقاء في قراهم تحت إشراف قوات الأمم المتحدة. وظل الوضع على هذا الحال إلى 24 نيسان 1951، عندما أمر الجيش الإسرائيلي بدو الغنامة بترك قريتهم لبضع ساعات والتوجه إلى قبيلة البقارة المجاورة بحجة توقع اندلاع القتال. وبعد أن جُمعت القبيلتان (اللتان تضمان نحو مئتي أسرة) أُعلن منع التجول لمدة 48 ساعة. ولم يكن منع التجول يُرفع حتى وصلت حافلات نقلت القبيلتين الكرديتين إلى قرية شَعَب التي كانت، في حينه، قرية شبه مهجورة في جوار عكا، حيث أُمر أفرادهما باحتلال البيوت الخالية. لكن عندما عبّروا عن رغبتهم في العودة إلى قريتيهم الأصليتين أُعلن منع للتجول لمدة ثلاثة أشهر. وخلال هذه الفترة كانت كل أسرة تتلقى حصتها من المؤن. ثم أعيد نقل اثنتين وعشرين أسرة خلال الأشهر الثلاثة الأولى (أيار ـ تموز 1951)، اثنتان منها إلى شفا عمرو، والعشرون الباقية إلى قرية دنون.

4 ـ عرب الغوارنة
لهؤلاء العرب قصة شبيهة بقصة القبيلتين الكرديتين. وقد كانت قبائلهم تعيش في القرنة الشمالية الشرقية من سهول الحولة وعلى بعد 2 ـ 3 كيلومترات من حدود سوريا في الشرق، ولبنان في الشمال. وكانت أرضهم تقع بين اثنين من روافد نهر الأردن: الحاصباني من الغرب، وبانياس من الشرق. وقبل سنة 1948 كان الخصاص على علاقة طيبة مع اليهود المستوطنين في الحولة. وتعاونوا كذلك مع القوات الإسرائيلية، فكانوا يزودونها بالمعلومات عن تحركات القوات السورية. على أن الجيش الإسرائيلي نقلهم في سنة 1949 مع عرب الغوارنة (في قريتي قيطية والمفتخرة) إلى قرية عكبرة (جنوبي صفد) المهجورة. وكان قبل ذلك قد نقل جماعة بدوية أخرى من قرية قدّيتا إلى القرية نفسها. وفي وقت لاحق من السنة ذاتها تمّ إجلاء جماعات الخصاص والغوارنة مرة أخرى إلى قرية أخرى مهجورة، هي قرية المجدل (شمالي طبريا) وإلى قرية مهجورة أخرى في جوارها تدعى وادي الحمام. ووعدهم الجيش، في حينه، بالسماح لهم بالعودة إلى قراهم الأصلية عندما يستتب الأمن. لكن السلطات العسكرية لم تف بالوعد بعد انتهاء الحرب. فرفع سكان البلدتين في سنة 1952 قضيتهم إلى محكمة العدل العليا التي سمحت لهم بالعودة. وعادوا أخيراً، فعلاً، في 24 حزيران 1953.
على أن السلطات العسكرية قامت في الحال بإصدار أوامر لهم بالخروج وفقاً للأنظمة العسكرية. وعندما أحيل الأمر مرة أخرى على المحكمة، قررت هذه بأنها لا تستطيع التدخل لأن أوامر تلك السلطات في ما يتعلق بـ«الشؤون الأمنية» أوامر «مطلقة». فرجعت هاتان المجموعتان إلى وادي الحمام وبقيتا مقيمتين في أكواخهما إلى أن بدأت الحكومة بالاعتراف رسمياً بالموقع الحالي وتخطيط القرية، وذلك بعد سنة 1975. ولم يكن في استطاعتهم قبل ذلك تحسين أحوالهم بسبب إهمال السلطات لهم وعدم تزويدهم بالخدمات الأساسية.

5 ـ الزنغرية
تقع مساكن الزنغرية جنوبي قرية طوبى اللهيب بنحو 500 متر. وبعد حرب 1948 لم يبق من بدو الزنغرية الذين قدّر عددهم سنة 1945 بـ840 شخصاً سوى عشر أسر (60 ـ 70 شخصاً). وكانت هذه الأسر قد لجأت خلال الحرب إلى شيخ قرية طوبى اللهيب (حسين المحمد) الذي كان في حينه على علاقة جيدة مع اليهود وقوات الهاغاناه. وصارت هذه الأسر تملك الجزء الأكبر من أراضي القبيلة. وكان عرب الزنغرية، وفقاً لإحصاءات سنة 1945، أكبر مالكي الأرض من البدو في الجليل خلال عهد الانتداب. ففي تلك السنة كانوا يملكون 27,856 دونماً. وقبل سنة 1948 رفضوا بيع أرضهم للوكالة اليهودية على الرغم من أن الأراضي اليهودية كانت تحيط بأرضهم من ثلاث جهات: الشمال والغرب والجنوب. وبدأت مشكلات الزنغرية في سنة 1953، وكانت أولاها مشكلة إقامة مزرعة للماشية، تعود للمستوطنين اليهود، على أراضي القبيلة. وفي سنة 1953 استأنف عرب الزنغرية الحكم إلى المحكمة العليا مطالبين بملكية 20,000 دونم. وكانت هذه الحصة أكبر من مجموع أراضي باقي بدو الجليل التي قدرت في الإحصاءات الإسرائيلية لسنة 1949/1950 بـ19,000 دونم. وقد جرى الاتفاق في 29/6/1955 على أن تتعهد الحكومة وسلطة التطوير بأن تعوضا القبيلة أرضاً بدلاً من أرضها التي انتزعت منها في سنتي 1953 و1954؛ وأن تدفعا التكاليف والضرائب المترتبة على تنفيذ النقل القانوني للأرض؛ وعلى تزويد السكان بما يحتاجون إليه من الماء، لهم ولحيواناتهم، خلال شهرين من دون مقابل.
وبعد أن وُقع الاتفاق أُسست المزرعة في الحال وتلقى البدو الماء وفقاً للاتفاق. على أن الوعود المتعلقة بمبادلة الأرض والنقل القانوني للملكية لم تتحقق. وفي آخر الأمر أدرك البدو أن محاميهم اليهودي كان وراء هذا التأخير؛ فقد نجح في إبقاء القضية أمام المحكمة من دون أن يُبت في شأنها إلى أن تقاعد بعد خمسة عشر عاماً، ثم وضع يده على المستندات وعلى صكوك ملكية الأرض التي كان قد جمعها من البدو لحفظها.