| 

1936
يحب الشيخ ان يحكي القصة من أولها... عام 1936: «انقتل ضابط انكليزي عند تل البروة قبل ما تصل مفرق شفاعمرو، انكليز كانوا يظبوا الأهالي ويأخذوهم يرصفوا الشارع... في الليل يقوم الأهالي ويرموا الحجار... وفي يوم من الأيام حطوا لغم، فقع في دورية جيش.. انتقل ضابط.. كان يومها ترم صيف، كان واحد من بلدنا مروّح من الجديده.. ميّل على أرضه في السهل.. وروّح على البيت في شعب.. الانكليز لحقوا الاثر واتهمونا بقتل الضابط.. طوقوا البلد وسحبوا أهاليها وما تركوا زلمه من الـ15 وفوق.. مشت دبابه قدام الناس ودبابه وراهم.. عند العياضيه فوق بير المي. الله بعث فرقة مسلحين.. صاروا يطخوا على بعض، قسم انهزم وقسم ظل ممسوك.. يومها استشهد حسن الحج من دار الخطيب.. رحنا جبناه في الليل ودفناه.. ثاني يوم طلبوا أهل البلد على عكا وبلغوا بالنسف.. وبعدما أخلوا البلد بلشوا فيها نسف.. من الساعة 8 حتى الساعة 12 في الليل.. بعدما خلصوا، رجعونا على بلدنا..
هاي فترة مرقت وراحت.. لو بس هذا العذاب اللي شفناه.. كنا نسينا.. لكن كيف ننسى شو صار فينا؟»

1948
ـ «وين أيامك يا أبو اسعاف؟» ـ ترقص المسبحة على أنامله، يتنهد، تذبل العينان الزرقاوان، تختفي الانحناءة التي تقوس ظهره، يتوقف هنيهة كأنه يستنجد بأبي اسعاف.. «لما تشردنا سنة 1948، كنا نقول احنا من حامية شعب، كانت الناس تفتح لنا قلوبها.. لا سلّمنا مفاتيح ولا استلمنا مفاتيح.. أبو اسعاف راح الله يسهل عليه، كان يشتغل في سكة الحديد، وماشي ورا القيادة، من محل لمحل، يجمع فشك فرد.. يوم اجا عالبلد وجايب معه «تانك رايفول»، مدفع بيضرب على مسافة 7 كلم.. حصّنا بلدنا، وبقينا نقاوم.. سقطت البروه وبعدين سقطت ميعار.. وشعب ظلت صامدة تقاوم، مترسوا قبالنا على الجبال وسدوا علينا الطريق، حاصرونا وبلشوا قواس.. كل ما لا حوا بواحد من البلد كانوا يقوّسوه.. حسين علي حميد.. كان يرعى طرشه في «كرم المقره».. قوسوه وقتلوه.. قتلوا مصطفى الصفي وأحمد حرامي اللي كان ينقب خضرياته.. كانوا يتصيدوهم واحد واحد، أحمد الاسعد كان له دخانات في أرض «الديسه» ضربوه وقتلوه.. بنت عبد الله محمد الموسى قتلوها وهي تجمع خضريات في كروم الحنانه.
ـ «مين بعد؟ قولي معي يا مره «فاطمة أخت أحمد العبد الله كانت تحوّش صبر وزهرة الموسى كانت على الحيط، قوسوها، سقطت قدام عيونا.. صبايا كانوا في عمر الورد.. يا دوب 20 سنة يا دوب 25.. واما شبابنا، كانوا يزقطوهم مثل العصافير، يحيى محمد الحج اسعد كان عمره 15 سنة طخوه في مجد الكروم. عطا محمد الاسدي، كمان شاب في زهرة شبابه، طخوه.. محمود محمد طه وعلي اسعد ابن الشيخ محمد كانوا من أحلى شباب بلدنا.. طخوهم في الشارع العام.. قدام الناس.
يتوقف.. كأن الحكاية تنتهي على شفتيه.. يحرّك رأسه.. ويحدّق برجل في الثلاثينيات جلس الى جانبه ويقول: احك قصتك يابا.. احكيها.

ميعار
الرجل الذي جلس الى جانبه، كان في السادسة من عمره، حين سقطت ميعار وصارت البلدوزرات تمسح القرية وأهاليها يقطعون الطريق الوعرية الى مجد الكروم.. الى رميش.. علما الشعب.. او في الاتجاه المعاكس.. تحملهم شاحنات العسكر وتقذف بهم عند اللجون.. في شهر أيار من ذلك العام دخل الجيش وشرّد أهالي شعب، بقي عدد من الختياريه والنساء، بعد ان أدرك المشردون «ان القضية ليست طوشه عموميه، وهي ليست كيوم النسف» أخذوا يتسللون الى شعب عبر كروم الزيتون وفي المسارب الوعرية التي تشق جبل العريض، «يومها كان الزيتون حامل، رجعنا ننقب زيتون، كنا أولاد ونسوان، رجعنا «نسرق» من أملاكنا، من أراضينا، كان في البلد واحد عميل وصل مع جماعته ومعهم الجيش وطوقنا في مرج الغزلان ورفعوا العصي علينا.. قلت له: دخلك يا عمي.. وكان عمري ست سنين.. ما نطقت في الكلمة ورفعت ايدي والا العصي صارت تنزل على ظهري.. هون بيوجعك وهون ما بيوجعك.. بعد ما شبعونا قتل.. جابونا على البيادر، كانت ملانه خوابي زيت، كنا 15 ولد.. وحطونا في خم الجاج.. وصاروا يعذبوا فينا.. بعدين أطلقوا سبيلنا.. بعد ما طوقوا البلد.. وأمرونا نتركها.. حملنا الاثاث على الحمير.. وإحنا طالعين، صرنا على راس الجبل والا الطخ مبلّش.. انتشر الناس بين الشجر.. مر علينا ابن خالي وابن جيرانا.. قال لهم أبوي: يا شباب استنوا هون.. الشباب ظلوا ماشين.. في أول البلد كبشهم الجيش.. يا حرام الشوم شو عملوا فيهم.. لا رحمة ولا شفقة.. شباب بعمر الورد.. شلّحوهم ثيابهم.. كانت الطريق ملانه شوك مرار.. نيّموهم على الشوك.. زحفوهم على بطونهم.. وبعدين قوّسوهم.. صرخت: قتلوهم.. قتلوهم.. سمعوا صوتي، سبّقوا لنا من ناحية ثانية.. كان معنا أولاد ونسوان وختياريه.. كبشونا وأوقفونا على سنسله وبلشوا فينا سلخ.. رفعنا ايدينا.. وصرنا نصرخ ونبكي: دخلك يا خواجه.. شفنا الموت في عينينا.. كنا نشوف الزلمة أربعين.. شو كنا أولاد ست سنين.. الختيارية همدوا على الأرض والصبايا صارت تشحبر بحالها.. خوف من الاغتصاب والاعتداء على العرض.. لما كتفوا أبوي نطيت بين النسوان.. خالتي وضعتني تحتها وغطت عليّ.. ركض الجندي وراح يسأله:
ـ فين بيبي.. (الطفل).
ـ فش بيبي يا خواجه..
مع الغياب ظلوا لاحقينا حتى أوصلونا لمجد الكروم»..

المستنقع
تختفي الشمس خلف جبل العريض، كأنه محكوم على هذه القرية الوادعة ان تنام مع غروب الشمس، حين ينزل عليها ظلام دامس، لا يشقه في زاوية من زوايا البيوت العتيقة الا ضوء مصباح خافت.. هؤلاء البسطاء الفقراء يعرفون كل شيء، العذاب، التشرد، النواح، البكاء. اسمع هالحكاي: قبل سنتين رحت حتى أفرز الأرض وأسجلها على اسم أولادي.. عندي حوالي عشرين دونم أرض.. والأرض اللي ساكن عليها.. حتى هاي الدار مش قابلين يسجلوها على اسمي.. دار ابني اسسها ابوي على زمن تركيا.. مش قابلين يسجلوها باسمي.. بيدّعوا انها إلهم.. قالوا لي بيعها، قلت هاي أمانه معلقة في عنقي.. خليني انهي حكايتي يا عمي.. أنا رجل ختيار في الثمانين وما عاد لي نفس أسهر.. واطوّل في الحكي.. عندي حكي كثير.. وبدي الشباب يسجلوا كل شيء.. بكره بتروح أيام وبتيجي أيام.. إحنا منموت ومعنا بتموت الذكريات.. في بلادنا كان ختياريه أكبر منا.. اسمعوا شو صار فيهم.. بعد ما احتلوا البلد كان فيها الختياريه منزويين في غرف معتمة.. ومعهم نسوانهم وأطفال صغار.. جابوا سيارات وحملوهم فيها.. هذا كان في عز كوانين.. الشتا كان ينكب من أبواب السما.. مرج ابن عامر كان محروث على التراكتورات والشتا غطاه وكنت تشوفه عن بعيد بحره كبيره.. حملوا الناس بسياراتهم وكبوهم في مرج ابن عامر.. في المي والوحله.. الناس صارت تغرز في الوحله.. تركوا الختياريه يموتوا لحالهم.. لا مين ينقذهم ولا مين يشفع لهم.. 13 ختياري ماتوا في المستنقع والوحله.. ظلوا يوم يومين ثلاثه.. مغرزين في الوحله ويموتوا شوي شوي من البرد ومن المي.. كان معهم ياسين فاعور ومصطفى فاعور وعبد المحمد وزينب عبد الجليل.
يتوقف الشيخ مشقق الوجه الذي نتحدث عنه.. يحشر حبات المسبحة في قبضته.. كأنها تختنق بين أنامله الطرية، كأنه «ينقذها، يشفع لها» يحشرها في جيبه ويتناول عكازه.. وتبرز الانحناءة التي تقوس ظهره.. يشق طريقه في الظلام.. يختفي كما تختفي الشمس خلف جبل العريض، وفي المستنقع تصرخ الختياره حلوه الناصر وتسح الدموع من مقلتيها وهي تغرز في التراب والمياه تغطي عنقها: دخيل الله.. بحياة الله.. يا يما يا حبيبي..
شيئاً فشيئاً يختفي الصوت.. يختفي الصوت.. يخـ.. تـ.. في.. الـ.. ص.. و...

المصيدة
حدق بعقارب ساعته التي لفها حول زنده اليمنى.. فاليسرى مبتورة وقصتها قصه..
كان هو الدليل الذي قادني الى البئر التي بحثنا عنها.. وكلما رددت كلمة قالها، كنت أحسّ انني أمنحه الشعور بثقتي به ليوصلني الى المكان الذي تطل عليه «كمبانية» ـ غبعات نيللي «قبل غروب الشمس وسقوط ظلال الجبال على وادي أم الشوف.. فما كنا نقوم الا بعملية استكشاف، نبحث عن مكان ما.. نسجّل.. نصوّر ان أمكن.. لا نترك أثراً على المكان.. بل يترك المكان أثره على قلوبنا.. فأسرع.. الى ان يطلب مني ان اتوقف وننزل من السيارة ونتركها على جانب الطريق حتى لا يرانا احد عندما نقترب من السياج الحديدي الذي كتب عليه لافتة بالخط الأحمر: «ممنوع الدخول، من يخالف يعاقب».
قال الشيخ المشقق الوجه:
إذا أمسكوا بنا فسيأخذوننا حتماً الى مخفر الشرطة او على الأقل سينزل علينا مختار «الكمبانيه» أشد العقوبة: «عربيم» قذرين.. ويبصق في وجوهنا.. ويكتفي بهذا القدر فيعوض عمّا لم يفعله في ذلك العام الاسود حين أراد ان يقذف بنا في البئر فهربنا واختبأ كل منا في حضن أمه..
قصة الساعة في الزند اليمنى.. تعود الى سنوات خلت:
«كنت أرعى الغنم في أرض قريبة من معاويه.. عثرت على قطعة معدنية.. كان معي ثلاثة فتيان آخرين.. أمسكت بالقطعة المعدنية.. فانفجرت في يدي.. وأصابتنا جميعاً.. وبقيت بلا يد.. وبقي آخر بلا بصر.. وآخر بلا رجل وليست هذه هي الحكاية.. ففي معاويه عشرات المشوهين..

سلمان ناطور أحد أبرز الكتّاب الفلسطينيين في أراضي 1948، وهو، بأدبه الحار والجارح والكاشف، استحق ان يكون مؤرخ المكان الفلسطيني الذي ما برحت إسرائيل تحاول محوه. ومن مواقفه الأخيرة رفضه المشاركة في «مؤتمر أدباء من أجل السلام» الذي عقد في حيفا في 1/12/2010 الذي نظمته إسرائيل وحضره خلسة أدباء عرب «مطبّعون» أمثال نجم والي، وأدباء فلسطينيون أيضاً أمثال سالم جبران ونداء خوري.