| 

لا يزال الأمل بنقل عرب فلسطين الى خارج البلد قائما منذ بداية الحركة الصهيونية. ففي أثناء الانتداب البريطاني نظر القادة الصهيونيون في طرق عديدة لدفع الأموال لهم في مقابل الانتقال الى اماكن بعيدة.
ففي سنة 1949، عرضت إسرائيل السماح بعودة 100,000 لاجئ كجزء من تسوية سلمية، لكن الخطة فشلت وتخلت إسرائيل عن العرض. وطلبت الامم المتحدة من إسرائيل ان تمنح اللاجئين خيار العودة الى بيوتهم أو الحصول على تعويض، لكن دافيد بن غوريون اعترض على ذلك. وقال في سنة 1961: «سيرغب الجميع في العودة الى بيوتهم وسيدمروننا».
ورأى وزير الصناعة والتجارة، زئيف شيرف، ان على إسرائيل بدء مفاوضات هادئة مع الدول الاجنبية بغية توطين اللاجئين «في ما وراء البحار». وكان ذلك ايضا أمل وزير المالية، بنحاس سابير، الذي وصف وضع اللاجئين بأنه متفجر. كما ادعت إسرائيل في الغالب: «لقد حدث تبادل للسكان. حصلنا على سكان من العراق. حصلنا على مئة ألف يهودي، وسيحصلون على مئة ألف عربي. انهم يتحدثون اللغة نفسها، ولديهم مستوى المعيشة نفسه، وهناك ماء وأرض».
في أوائل سنة 1968، بعد ثمانية اشهر على حرب 1967، بدأت وحدة صغيرة من خمسة اشخاص العمل في غزة بإشراف رائد في الجيش الإسرائيلي. كانت مهمتهم تشجيع السكان المحليين على المغادرة. وقد عملوا من خلال متعاونين كانوا يتوجهون الى المخيمات ويعدون الناس بالمال في مقابل موافقتهم على الرحيل. وكانت تلك عملية مشتركة بين الحكم العسكري، والشاباك، ومستشار رئيس الحكومة في الشؤون العربية. وحاولت وزارة الخارجية ايضا ترويج هجرة اللاجئين، وطلب من وزارة المالية تمويل العملية. واستحدث منصب جديد في مكتب رئيس الحكومة لتنسيق هذه الجهود، أسنده اشكول الى آدا سيريني، البالغة اثنين وستين عاما. وكان على سيريني ان «تشاهد من دون ان تشاهد»، وفقا لاشكول الذي أوضح ان «لديها براعة خاصة في العمل السري».
كان اشكول يأمل جراء استخدام سيريني في العمل الجديد سنة 1967 ان تسهل صلاتها بإيطاليا أمر نقل عدد كبير من اللاجئين من غزة الى ليبيا، وهي مستعمرة ايطالية سابقة. وفي هذه الاثناء أخبرنا شموئيل توليدانو، وهو مستشار اشكول للشؤون العربية، ان ألف جواز سفر أجنبي وزع على مقيمين في غزة راغبين في الرحيل. وعلق مئير عميت قائلاً: إن جوازات السفر المزوّرة يمكن ان تعرّض العمليات السرية لإسرائيل للخطر. فطمأنه توليدانو عن ان جوازات السفر أصلية. وتبين، لاحقاً، انها اشتريت من وزير داخلية احدى دول اميركا اللاتينية.
في أيار/مايو 1968، قدمت سيريني تقريرا الى اشكول ورد فيه ان 15,000 شخص تقريبا غادروا غزة في الاشهر الثلاثة الاولى من عملها. وقدر غازيت ان نحو 50,000 غادروا قطاع غزة منذ الحرب، بعضهم ربما توجه الى الضفة الغربية. ووجد المكتب المركزي للاحصاء ان نحو 20,000 شخص تقريبا هاجروا من قطاع غزة في الاشهر الستة الاولى من سنة 1968. وأحصى الجيش، مثلما فعلت الامم المتحدة والسفارات الاجنبية في إسرائيل والاردن، عدد الاشخاص الذين عبروا جسور الاردن لكن لم يستطع أحد تقديم رقم دقيق. وقد تراوحت الاعداد التي غادرت غزة والضفة الغربية بين 220,000 و250,000 نسمة.
لم يعلم بأمر مشروع الترحيل سوى قلة من الإسرائيليين. فقد تم عمل كل شيء بسرية، كما لو ان هناك شيئا مخزيا. لكن كثيرين في قطاع غزة عرفوا عن «مكاتب الهجرة» التي أنشأها الحكم العسكري في المخيمات. وذكرت السفارة الأميركية المشروع، بل انها حددت الاسمين الحركيين لاثنين من العاملين لدى غازيت وسيريني: «وولفي» و«ايهودا». وأرسل الصليب الاحمر الدولي صبيا مراهقا الى «وكلاء سفر» سيريني ليستعلم عما هو معروض. وعاد الصبي حاملا عرضا بمنحه 500 ليرة اذا غادر مع أمه وأشقائه. وكان الوالد قد رحل فعلا. وكتب الدبلوماسيون الأميركيون في وقت سابق ان وولفي وايهودا اجتمعا بالمخاتير وطلبا منهم لائحة بالأسر المنفصل أفرادها بعضهم عن بعض. وكان على المهاجرين عند مغادرتهم البلد ان يتركوا وراءهم بطاقات الهوية التي تلقوها من الحكم العسكري. كما كان عليهم ان يوقعوا نموذجا يعلن، بالعبرية والعربية، انهم يغادرون بمحض إرادتهم ويدركون انهم لن يتمكنوا من العودة من دون اذن خاص. وكان التوقيع يتم بالبصم، ويضيفون أسماءهم كتابة اذا استطاعوا ذلك، والرجال يوقعون عن زوجاتهم. وقد خضع النموذج لتعديل بين الحين والآخر، جريا على عادة بيروقراطية الاحتلال. وبلغ غازيت اشكول ان دايان يريد تسريع المشروع لان جسور نهر الاردن يمكن ان تغلق في أي يوم.
عززت الآمال بإمكان حل مشكلة اللاجئين عن طريق الهجرة الى دول بعيدة، وذلك من اتجاه غير متوقع: فقد دعم عضو مجلس الشيوخ الاميركي إدوارد كنيدي خطة لتوزيع 200,000 لاجئ من غزة في أنحاء العالم كافة. وكان يفترض ان ينتقل ما بين 25,000 و50,000 منهم الى الولايات المتحدة. وأطلق عضو آخر، جاكوب جافيتس، خطة لاعادة توطين اللاجئين. وأفاد القنصل الإسرائيلي في نيويورك بأن الكنيسة اللوثرية تعهدت المساعدة. وكانت هناك أخبار واعدة من استراليا أيضاً.

مقتطفات من كتاب «الخطأ الكبير» الذي صدر في سنة 2006.