| 

لم يتوقف طرد العرب حتى بعد قيام دولة إسرائيل وتوقيعها اتفاقات الهدنة في رودس. وهذه الدولة الجديدة سارعت إلى إصدار مجموعة من القوانين والأوامر والتعليمات للإمعان في مصادرة أراضي الفلسطينيين وطرد كثير من الفلسطينيين من القرى التي لجأوا إليها في الداخل الفلسطيني. وقد خولت هذه القوانين والأوامر وزير الدفاع والسلطات الأخرى تنفيذها بالطريقة الملائمة. وقد ورد في أحد الأنظمة ما يلي: «يحق للسلطة المختصة إصدار أوامرها إلى أحد السكان الدائمين في إحدى مناطق الأمن بالخروج منها». ومنطقة الأمن هي المناطق المتاخمة للحدود الفلسطينية مع لبنان وسوريا والأردن، أو التي يرى الجيش الإسرائيلي أنها مهمة لعملياته. وعلى من يصدر إليه أمر الخروج أن يخرج منها خلال أربعة عشر يوماً من تاريخ تسلمه الأمر. أي ان هذه الأنظمة صيغت بطريقة تمنح وزير الدفاع أو السلطات التي يعينها هذا الوزير، ومن في حكمه، صلاحية طرد جميع سكان أي قرية في مناطق الأمن.
إن أشهر عمليات طرد الفلسطينيين التي جرت بعد قيام دولة إسرائيل هي عملية نقل سكان قرية اقرت في الجليل الغربي إلى قرية الرامة في 5 تشرين الثاني 1948. وبعد ذلك بعشرة أيام، أي في 15 تشرين الثاني 1948، أخليت أيضاً قرية كفر برعم من سكانها العرب. وبعد ذلك بثلاثة أشهر، في 4 شباط 1949، طرد سكان قرية كفرعنان من بيوتهم بعد أن أرسل نصفهم إلى المثلث، وهناك أجبروا على اجتياز خطوط الهدنة إلى الضفة الغربية. وحين قدم، بعد ثلاث سنوات، من بقي من سكان القرية في البلد شكوى إلى المحكمة الإسرائيلية العليا طالبين إعادتهم إلى قريتهم، نسف الجيش الإسرائيلي بيوت القرية. واستمر المسلسل كالتالي:
  • في 28 شباط 1949 طرد 700 لاجئ من قرية كفر ياسيف، وأُصعدوا إلى سيارات نقل وجيء بهم إلى خطوط الجبهة الأردنية، حيث أجبروا على اجتياز الحدود. وكان هؤلاء قد التجأوا إلى هذه القرية بعد تركهم قراهم المجاورة في أثناء الحرب في الجليل.
  • في 25 آذار 1949، وبعد تفتيش قرية الرامة، اعتقلت قوات الجيش 28 عربياً نقلتهم بعد ذلك إلى الحدود الأردنية حيث أجبروا على اجتيازها.
  • في 5 حزيران 1949 طوقت الشرطة الإسرائيلية ثلاث قرى عربية في الجليل (الخصاص والقيطية والجاعونة) وطرد سكانها إلى منطقة صفد.
  • في 24 كانون الثاني 1950، وصلت وحدة من الجيش إلى قرية الغابسية في الجليل، وأعلمت السكان أن عليهم أن يتركوا القرية خلال يومين وإلا سيطردون إلى ما وراء الحدود. وحين رأى سكان القرية أن لا مفر من ذلك تركوا قريتهم وانتقلوا إلى قرية متروكة أخرى هي الشيخ دنون.
  • في أوائل آذار 1950، طرد سكان قرية البطاط من بيوتهم.
  • في 7 تموز 1950، بعد تفتيش قرية أبو غوش القريبة من القدس، نقل نحو مئة من سكانها إلى «جهة مجهولة».
  • في 17 آب 1950، تسلم سكان المجدل، في جنوبي فلسطين (وهي البلدة المعروفة الآن باسم أشكلون)، أوامر بطردهم، وجرى نقلهم إلى قطاع غزة.
  • في أوائل شباط 1951، طرد سكان 13 قرية عربية صغيرة في وادي عارة، في المثلث، إلى خارج حدود إسرائيل.
  • في 17 تشرين الثاني 1951، طوقت وحدة من الجيش الإسرائيلي خربة البويشات، قرب أم الفحم في المثلث، وأخلي المكان من سكانه، ونسفت بيوته بعد ذلك.
بالإضافة إلى عمليات الطرد الجماعية هذه، درجت السلطات الإسرائيلية خلال سنوات 1948 ـ 1951 على تنفيذ عمليات طرد «انتقائية» وذلك باختيار بضع عشرات من الرجال من كل قرية، إما أرباب عائلات أو أولاد كبار في عائلات كثيرة الأولاد، أي أنهم معيلو عائلاتهم، على أمل أن تلحقهم عائلاتهم في ما بعد.
استمرت عمليات طرد السكان العرب حتى بعد مضي عدة سنوات على قيام إسرائيل واستتباب الأوضاع داخلها. ففي أيلول 1953، طرد سكان قرية أم الفرج، قرب نهاريا، ونسفت القرية بعد ذلك حالاً. وفي تشرين الأول 1953، طردت سبع عائلات من قرية الريحانية، في الجليل، على الرغم من قرار صدر عن المحكمة العليا بأن هذا الطرد غير قانوني. وفي 30 تشرين الأول 1956، أجبرت قبيلة البقارة التي كانت تسكن في شمالي البلد، على عبور الحدود إلى سوريا.
وحتى في سنة 1959 (أي بعد أحد عشر عاماً على قيام إسرائيل)، طردت الفرقة الإسرائيلية (101) قبائل بدوية من النقب إلى الأردن ومصر. ولم يلغ هذا الطرد إلا بعد تدخل الأمم المتحدة. وقد وصفت جريدة «هآرتس» (13/11 و19/11/1959) العمليات التي كان يقوم بها رجال الفرقة 101 في الجيش الإسرائيلي، بين بدو النقب، والتي أسفرت عن طرد جزء من قبيلة العزازمة إلى سيناء على النحو التالي: «كانت السيارات الصحراوية العسكرية تظهر في قلب تجمعات البدو يوماً بعد يوم، وكانت المدافع والرشاشات تنقض بضربة نارية فجائية تشلها. وفي النهاية تحكم أبناء الصحراء، فجمعوا القليل مما تبقى من متاعهم وقادوا جمالهم بصفوف طويلة صامتة، إلى قلب صحراء سيناء»...