| 

لم تكن الخريطة السياسية لفلسطينيي 48 حصيلة تطور سياسي مستقل بصورة مطلقة، أو متأثرة بتجربة الحركة الوطنية الفلسطينية العامة، بل كانت حصيلة تطور دينامية السياسة الاسرائيلية وشروط الواقع الإسرائيلي الذي انعكست تحولاته على قواعد العمل السياسي وحدوده أيضاً. وبالتالي تفاوت مستوى الخضوع لهذا الواقع، أو التكيف مع شروطه. وبالطبع ويتوقف ذلك على المنطلقات الفكرية والرؤية السياسية لكل تيار فاعل بين عرب الداخل. ويمكن المراقب الجيّد أن يلحظ هذا التمايز في سلوكيات الأحزاب والحركات السياسية والشخصيات العامة، وهي سلوكيات يُميز بعضها التشوه القومي وبعضها الآخر التوازن المستند إلى فهم دقيق وواعٍ لتناقضات الصراع بين حركة استعمارية استيطانية وحركة تحرر وطني، او بين دولة استيطانية تقوم على خدمة مجموعة بشرية واحدة، وحركة وطنية ديموقراطية تنشد المساواة القومية والمدنية والعدالة الاجتماعية.
وقد خاض الوطنيون والقوميون الفلسطينيون في داخل إسرائيل، منذ النكبة، نضالاً لا هوادة فيه في سبيل الحفاظ على الهوية القومية لعرب الداخل لتأسيس حركات سياسية مستقلة تُعبّر عن هذه الهوية في مواجة التشويه القومي والاجتماعي لهذا الجزء من شعب فلسطين. ولكن الدولة العبرية لم تتساهل مع هذه المحاولات، فأطلقت أجهزة قمعها لتلاحق وتشتت هذه المحاولات وتحلّ «حركة الأرض» ذات الميول القومية الناصرية. و«حركة الأرض» هي حركة تأسست عام 1958 وقمعت عام 1964 قبل أن تتجذر بين عرب الداخل. لقد جرى ذلك في ظل الحكم العسكري الذي كان نظاماً محكماً من السيطرة والقمع هدفه منع تطور فلسطيني الداخل كمجموعة قومية بثقافتها واقتصادها وأحزابها المستقلة من ناحية، ومن ناحية أخرى سلب أراضي الوطن حتى تضمن الدولة الجديدة هيمنتها الكاملة.
في ضوء ذلك أدرك قادة حركة الأرض أن من الصعب ممارسة العمل السياسي خارج الشرعية القانونية الاسرائيلية، وبالتالي التواصل مع الناس والتأثير فيهم، وقرروا تأليف قائمة برلمانية (القائمة الاشتراكية). لكن الحكم العسكري أخرجها عن القانون وشتت قادتها وأبعدهم خارج أماكن سكناهم.
أرادت حركة الأرض أن تتمايز عن الخط الأيديولوجي والسياسي للحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي أتيحت له فرصة العمل السياسي بعد توقيعه ما يُسمى «وثيقة استقلال إسرائيل» عام 1948.
لم يتعامل الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وهو حزب وحّد غالبية الشيوعيين العرب واليهود، مع دولة اسرائيل كواقع فحسب، بل تعامل معها كتجسيد لحق اليهود في تقرير مصيرهم، مع أنهم، وخاصة الشيوعيين العرب، يناهضون، نظريًا، الصهيونية كحركة استعمارية. وقد ساهم الحزب الشيوعي الإسرائيلي في التحريض على «حركة الأرض»، ووقف ضد أي توجه قومي وضد جميع الحركات القومية التي نشأت في ما بعد.
لقد رفع الحزب الشيوعي راية النضال ضد التمييز وطالب بالمساواة بين العرب واليهود في إطار دولة إسرائيل اليهودية. ومع ذلك ضيّقت السلطات الاسرائيلية، لا سيما في فترة الحكم العسكري، على ناشطي الحزب الشيوعي كونه حزباً إسرائيلياً معارضاً. ولكن الشرعية التي كسبها الحزب الشيوعي من الدولة الاسرائيلية أتاحت له الفرصة لممارسة نشاطه السياسي والتواصل مع المواطنين العرب وتمرير رؤيته إليهم في شأن الصراع وموقع عرب الداخل في ظل قمع الحركات القومية المستقلة. ولم يكن أمام كثير من المواطنين العرب مجال إلا التصويت إما للقوائم العربية المرتبطة بالأحزاب الصهيونية للحصول على بعض الامتيازات أو بهدف البقاء في الوطن، أو التصويت للحزب الشيوعي تعبيرًا عن معارضتهم للواقع الجديد.
تراجع النقاش القومي مع الحزب الشيوعي في فترة ستينيات القرن المنصرم بسبب غياب القوة القومية التي كانت مرشحة لذلك، ليعود من جديد منذ أوائل السبعينيات. وانطلق النقاش الجديد أو المتجدد ضد المؤسسة الاسرائيلية الساعية إلى طمس الهوية القومية لعرب الداخل كليًا وفي مجابهة توجهات الاسرائيلية المزدوجة للحزب الشيوعي.
ولكن حتى فترة أوائل السبعينيات لم يكن الحزب الشيوعي الأقوى في الحصول على الأصوات في انتخابات الكنيست، بل كانت القوائم العربية المرتبطة بالأحزاب الصهيونية هي الأقوى في الحصول على أغلبية المصوتين العرب الذين اقترعوا إما خوفًا أو جهلاً، أو اعتقادًا أن هذا التصويت يضمن عدم طردهم من الوطن كما حصل لأقرانهم اللاجئين.
لكن القوة الانتخابية والسياسية للحزب الشيوعي بدأت تتصاعد بعد هبة يوم الأرض عام 1976، وعقب قرار الإضراب العام الذي كان للقادة العرب في الحزب الشيوعي دور مركزي في اتخاذه. لقد كان الحزب الشيوعي، آنذاك، القوة السياسية الوحيدة المنظمة عند عرب الداخل مستفيدًا من الشرعية القانونية الممنوحة له ومن الدعم المالي السخي الذي كان يتلقاه من الاتحاد السوفياتي، وكذلك المنح الممنوحة للطلاب إلى الدول الشيوعية. لقد سبق يوم الأرض تأليف «لجنة للدفاع عن الأراضي» التي شاركت فيها شخصيات وطنية وأخرى ذات توجه قومي.

كسر الهيمنة وظهور التعددية الحزبية
لم يدم الزخم الذي منحته هبة يوم الأرض للحزب الشيوعي طويلاً. لقد فهم قادة الحزب خطأ أن تلك الهبة كانت تعبيرًا عن تأييد الناس لخطه السياسي. صحيح أن أوساطًا ثمّنت دوره في هذه الهبة، ولكن سقفه السياسي المتدني الذي يُغلِّب المساواة والاندماج والصراع الطبقي على الصراع القومي، وعلى ضرورة أن يُعبّر فلسطينيو الداخل عن هويتهم القومية عبر بناء مؤسسات قومية مستقلة، أبقاه متأخرًا عن فهم مكنونات التحول الذي تجلى في يوم الأرض.
هذا القصور في الفهم حال دون تطوير الرؤية السياسية ودون الافلات من النظرة التقليدية. أن هبة يوم الأرض، لم تأت بسبب تفاعلات داخلية، أي بسبب النهب الإسرائيلي للأرض والملاحقات السياسية والتمييز في كل مجالات الحياة فحسب، بل كانت حصيلة تفاعلات على مستوى المنطقة أيضاً. فالانتصارات المحدودة التي تحققت على الساحة الفلسطينية والعربية كان لها شأن في إنهاض الروح الوطنية والقومية بين فلسطينيي 48، مثل معركة الكرامة عام 1968 اذ تصدّت بنجاح مجموعة فلسطينية وأردنية لقوة إسرائيلية تفوقت عدة وعددًا. وكذلك عبور قناة السويس في حرب عام 1973 بين إسرائيل ومصر وسوريا، حيث تلقى الجيش الإسرائيلي ضربات كبيرة كادت تهزمه أمام الجيش المصري، لولا التدخل الأميركي وسوء إدارة نظام السادات للمعركة العسكرية.
باختصار، بقدر ما كان يوم الأرض عامل دفع للحزب الشيوعي، كان أيضًا محطة أضعفته لاحقًا، وفتحت الباب واسعًا أمام الأوساط القومية لتبدأ إعادة تنظيم نفسها، كاسرة احتكار هذا الحزب الذي هيمن بخطه على الحياة السياسية العربية لفترة طويلة، وبدأ يفقد من قوته الانتخابية التي وصلت أوجها في عام 1977 الى 51% من المصوتين العرب ثم هبطت إلى 23% على مدار العقدين الأخيرين.
وتجلى أول تعبير على مستوى قطري لهذا التوجه الوطني الفلسطيني بظهور الحركة التقدمية ـ أو «القائمة التقدمية للسلام والمساواة» ودخولها إلى الكنيست عام 1984 بعد محاولة منعها من خوض هذه الانتخابات. وقد تحالفت مع حركة «ألترنتيفا» اليهودية، وربما كان ذلك لتسهيل تحولها إلى حركة سياسية قانونية. وحصلت على مقعدين ولكنها لم تتجاوز نسبة الحسم في انتخابات عام 1992 لأسباب تنظيمية داخلية. وقد كانت «القائمة التقدمية» تعبيرًا عن شرائح من الطبقة المتوسطة التي نشأت على هامش التغيرات الاقتصادية السياسية التي طرأت على إسرائيل بعد انتصارها في حرب الـ 1967، وذلك بمساعدة الاستثمارات الدولية التي تدفقت على إسرائيل بعد أن تأكد الغرب من قدرة إسرائيل على الاستمرار بفضل هذا الانتصار.
سبق ظهور «الحركة التقدمية» حركة وطنية فلسطينية اعتبرت نفسها جزءًا من الحركة الوطنية الفلسطينية هي «حركة أبناء البلد» عام 1972 في مدينة أم الفحم، ورفعت شعار الدولة العلمانية الديموقراطية في كل فلسطين. وكانت أجرأ الحركات السياسية داخل الخط الأخضر في تحدي الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل، وجاهرت بعدم اعترافها بالأخيرة، وتبنت شعار مقاطعة انتخابات الكنيست. ولهذا لم تتمكن من الانتشار، خاصة أن السلطات الاسرائيلية لاحقت كوادرها وقادتها بصورة مستمرة.
تجلـّى الحضور الأقوى «لحركة أبناء البلد» في صفوف الطلاب الفلسطينيين في الجامعات الاسرائيلية، ففازت مرات عدة بأغلبية أصوات الطلاب العرب في التنافس مع قائمة الحزب الشيوعي. وأثارت الحركة نقاشًا حادًا في شأن الهويّة الوطنية وموقع عرب الداخل في الحركة الوطنية الفلسطينية والصراع ضد إسرائيل. ولا شك في أن هذا النقاش والتوجة أثر لاحقًا في مشروع إعادة تأليف الحركة الوطنية لدى عرب الداخل. ومع ذلك لم تتمكن الحركة من التحول إلى حركة جماهيرية واسعة بسبب برنامجها السياسي الذي شدد على الحل الاستراتيجي للصراع من دون الاهتمام بهموم الناس اليومية. ولذلك ظلت الحركة هامشية في ما يتعلق بالقرارات المتصلة بالحياة السياسية لعرب الداخل. وكان الدور الأبرز للحركة في تاريخها هو مشاركتها الفكرية والتنظيمية في إعادة تأسيس التيار القومي الديموقراطي ـ التجمع ـ عام 1995. وهذا الأمر حصل بعد الانهيارات الكبرى في أواخر عام 1989 والمأزق الذي دخلته الحركة الوطنية الفلسطينية عمومًا.

التيار الإسلامي السياسي
يُعتبر التيار الإسلامي المنظم داخل الخط الأخضر قوة مركزية وذا تأثير كبير في الحياة الثقافية (الدينية في الأساس)، مع أنه يعاني، مثل الكثير من التيارات الإسلامية في العالم العربي، انشقاقات وتوجهات مختلفة.
تعود بدايات التنظيم الإسلامي إلى أواخر السبعينيات بعد استعادة التواصل مع أبناء الضفة وقطاع غزة عقب حرب 1967. واعتقل آنذاك العشرات من أعضائه بتهمة إقامة تنظيم يدعو إلى الجهاد المسلح. وأدرك مؤسسو التنظيم لاحقًا عدم جدوى هذا الطريق في الواقع الإسرائيلي، وتحولوا إلى العمل الدعوي وإقامة المؤسسات وتشجيع الناس على العودة إلى الدين. وظلت الحركة بعيدًا من العمل السياسي حتى عام 1989 عندما قررت الانخراط في انتخابات السلطات المحلية، وحققت فوزًا مفاجئًا في مدينة أم الفحم، وأصبح أبرز قادتها، الشيخ رائد صلاح، رئيسًا للبلدية. أما الموقف من انتخابات الكنيست فقد تجلى في المقاطعة.
ولكن في اواسط التسعينيات شهدت الحركة نقاشًا في شأن الموقف من انتخابات الكنيست، ما أدى إلى انقسام الحركة بين شق يؤيد خوض هذه الانتخابات وعرف في ما بعد بالحركة الاسلامية الجنوبية بقيادة الشيخ عبد الله نمر درويش، شق يقاطعها وعرف باسم الحركة الاسلامية الشمالية برئاسة الشيخ رائد صلاح. وهكذا أصبح للتيار الإسلامي (الجنوبي) تمثيل في الكنيست، في حين أن الحركة الشمالية امتنعت عن خوضها ولكنها امتنعت عن الدعوة العلنية الى مقاطعتها أيضاً، ربما لتتجنب الصراع مع الدولة العبرية وإخراجها عن القانون، بل أن بعض مؤيديها شاركوا في التصويت لأحزاب وطنية. وتعتبر مدينة أم الفحم المعقل الرئيس لهذه الحركة التي لا تزال رئاستها بيدها منذ عشرين عامًا.
تبنت الحـركـة الـشماليـة مشـروع أسـلمة المجـتمع وبنـاء المجتـمع العصـامي، ويتـمثل ذلك بـإقـامـة عشـرات الجـمعـيات في بعض المشـاريع الاقتصـاديـة التـجاريـة. غير أن هذا المشـروع يواجـه تحـديًا جديـًا لأنه يُعـرض في دولة يـهوديـة، وفي نظـام اقتصادي اسرائيلي قوي ومهيمن، وفي مجتمـع عربـي متعـدد الطـوائف.

التجمع الوطني الديموقراطي وإعادة بناء الحركة الوطنية
دخل حزب التجمع الوطني الديموقراطي ساحة العمل السياسي الفعلي عام 1996 عندما خاض انتخابات الكنيست أول مرة، وتمثل بالدكتور عزمي بشارة الذي أصبح قائدًا لهذا الحزب. كان دخول التيار القومي بحلة جديدة وعصرية وحديثة، فكرًا وسياسة، إيذانًا بإطلاق نقاش معمق وحوار جدي غير مسبوقين داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل في شأن الخطاب السياسي المعتمد، وإطلاق تحدّ، ظهر بقوة أكثر بعد فترة قصيرة، للدولة اليهودية. كان المبادرون الى إقامة حزب التجمع ناشطين في العمل الوطني منذ شبابهم المبكر، وبعضهم كان قياديًا في الحركات الطالبية الجامعية في أواخر السبعينيات.
سُمّيت عملية بناء حزب التجمع بعملية إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية داخل الخط الأخضر. وكانت الحركة الوطنية آنذاك حركات وطنية صغيرة، ذات توجهات قومية تحاول بين الفترة والأخرى منذ الخمسينيات وعلى مدار السبعينيات والثمانينيات إعادة بناء حركة وطنية فلسطينية، أو إطار وطني ديموقراطي. وبادر الدكتور عزمي بشارة في أوائل التسعينيات مع مجموعة من المثقفين والكوادر السياسية الى إقامة حركة سياسية سُمّيت «ميثاق المساواة». وهذه الحركة عرضت فكرة دولة كل المواطنين. غير أن هذه الحركة لم يكتب لها النجاح، ولكنها كانت من ضمن المقدمات الكثيرة التي هيأت لظهور «حزب التجمع الوطني الديموقراطي» كتيار عربي قومي وديموقراطي. في أثناء عملية تأسيس التجمع التي امتدت على مدار عامين، خاضت المجموعات والشخصيات المبادرة نقاشًا عسيرًا ومعمقًا في مسألة خوض انتخابات الكنيست، خاصة ان حركة أو مجموعة أساسية في المبادرة كانت تقاطع الكنيست. وخلص النقاش إلى ضرورة أن يخوض الحزب الجديد انتخابات الكنيست حتى يكون على علاقة مع الناس التي كانت أكثريتها الساحقة في تلك الفترة تذهب الى التصويت لأحزاب كنا نختلف معها أو لأحزاب صهيونية.
وتبين، على الرغم من جميع التناقضات في هذه المسألة، أن التجمع، وعبر أداء الدكتور عزمي بشارة كبرلماني الذي كان ممثلاً وحيدًا للتجمع حتى عام 2003، أن في الإمكان تحويل منصة الكنيست إلى منبر تحريضي فاعل ضد السياسات الاسرائيلية، وضد المبنى العنصري للدولة العبرية. كما أن في الإمكان استغلال هذه المنصة لمخاطبة الجماهير العربية الفلسطينية في الداخل، ولا سيما أن جلسات الكنيست تبث مباشرة، ويستطيع المشاهد العربي أن يستمع إلى المداولات والمحاججات والصدامات الكلامية التي تحصل بين ممثلي التجمع وأعضاء الكنيست من الأحزاب الصهيونية. وذلك كله يؤدي إلى شحن المشاهد الفلسطيني بالعداء للسياسة العنصرية وبمزيد من التمسك بهويته الوطنية، ويمدّه بالثقافة السياسية. في أي حال عاد النقاش مؤخرًا الى البحث في جدوى الكنيست للعرب في ظل العداء المتصاعد بصورة جنونية لهم ولأعضاء الكنيست العرب وبالتحديد أعضاء «التجمع الوطني الديموقراطي»، إذ ان اليمين المتطرف بات يسيطر على الأجواء، ويُترجم ذلك عبر سن قوانين عنصرية بصورة سافرة، وعبر محاولات لا تتوقف لسن قوانين أخرى مشابهة.
لقد تمكن حزب التجمع خلال خمسة عشر عاماً من التحول إلى قوة مركزية، وإلى أن يصبح خطابه السياسي مهيمنًا على خطاب عرب الداخل. وعملت السلطة الاسرائيلية وأبواقها طيلة العقد الأخير على تصوير الحزب كحزب مشكوك في شرعيته القانونية في المجتمع الإسرائيلي وإظهاره كحزب متطرف يضرّ بمصالح المواطنين العرب. وجرت محاولات مستمرة عشية كل انتخابات لشطبه من الكنيست، غير أن المحكمة لم تجد قرائن قانونية لشطبه، ولكنها اعتبرت أنه على حافة الخط الأحمر.
جميع هذه الممارسات والعداء المتصاعد ضد حزب التجمع دفعت المراقبين الى الاعتقاد أنه ليس ببعيد أن تقدم المؤسسة الاسرائيلية على شطبه فعلاً وتحويله الى حزب غير قانوني. لكن هناك اعتقاداً راسخاً في الأوساط الوطنية، أنه ما عاد في الإمكان شطب حركات وطنية من داخل هذا الجزء من شعبنا.

لجنة المتابعة لشؤون المواطنين العرب
«لجنة المتابعة» هي المظلة التي ينضوي تحتها جميع الأحزاب السياسية، وممثلون عن رؤساء المجالس المحلية والبلديات. وهي جسم تنسيقي بين هذه المركبات في شأن القضايا المشتركة التي تخص عرب الداخل ونضالاتهم. تأسست هذه اللجنة كإطار تنسيقي مع اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، وبمشاركة أعضاء الكنيست العرب، حتى مع أعضاء كنيست عرب في الأحزاب الصهيونية، وذلك لمساعدة رؤساء السلطات المحلية العربية في تحصيل الميزانيات لبلدياتهم التي بدأت في تلك الفترة تواجه أزمة مالية شديدة بسبب سياسات التمييز العنصري.
ولكن مع اشتداد أزمة هذه السلطات، ومع تواصل سياسة المصادرة ونهب الأرض، وازدياد حاجات الفرد وحاجة المدن العربية الى التوسع والتطور المادي والثقافي والتعليمي، بدأت الأصوات ترتفع منذ أوائل التسعينيات منادية بضرورة إعادة بناء هذه اللجنة كجسم تمثيلي حقيقي، وتنجيع عملها الإداري والسياسي في مواجهة مخططات الدولة العبرية.
وبعد دخول التجمع كحزب الى ساحة العمل كان أول حزب يطرح تصورًا جديدًا مكتوبًا لإعادة تأليف لجنة المتابعة بحيث تتحول الى قيادة وطنية موحدة عبر الانتخاب المباشر من المواطنين العرب، وتقود نضالاتهم وتقيم المؤسسات الثقافية والاقتصادية والتعليمية المختلفة بحيث تعبر عن ترجمة فعلية للحقوق القومية لعرب الداخل باعتبارهم مجموعة قومية لهم حقوق جماعية وليس حقوق فردية فحسب. وتعبّر أيضًا عن ارتباطهم بالشعب الفلسطيني والأمة العربية.
وانضمت الى هذا الطرح لاحقًا الحركة الاسلامية الشمالية، أما الحزب الشيوعي فقد عارضها ولا يزال يعارضها، بحجة عدم واقعية الطرح، ولأنه يعارض مبدئيًا تنظيم العرب على أساس قومي ويفضل التعاون العربي اليهودي في إطار دولة اسرائيل «يهودية ديموقراطية». أما الحركة الاسلامية الجنوبية فإنها لم تحسم موقفها حتى الآن وتتشابه في نهجها السياسي مع الحزب الشيوعي على الرغم من منطلقاتها الأيديولوجية المختلفة. وهناك نقاش داخلها في شأن هذه المسألة حيث تبرز في صفوفها قيادات شابة جديدة تميل الى تطوير مواقفها السياسية.
إن حزب التجمع يعتقد أن تقدّم عرب الداخل بصورة جدية، وتوفير الإمكانات للتحصن في وجه مخططات اسرائيل الرامية الى تمزيق المجتمع العربي وهويته الوطنية ونسيجه الاجتماعي، يتوقف، بصورة أساسية، على حسم مهمة إعادة بناء لجنة المتابعة، وتبني مبدأ الاعتماد على الذات، طبعًا النسبي. وهناك تفاهم بين حزب التجمع والحركة الإسلامية الشمالية على إطلاق حملة منظمة بين عرب الداخل لنشر الفكرة والخطة المذكورة وتجنيد المواطنين للمشاركة الفاعلة في هذا المشروع.
وتلتبس الأمور أحيانًا على المشاهد في الوطن العربي، حين يظهر له أن جميع أعضاء الكنيست العرب يتحدثون بلغة متشابهة في الواقع ليس الأمر كذلك. فمثلاً عضو الكنيست أحمد الطيبي، هو صوت أو حنجرة لا أكثر. أولاً لأنه ليس لديه وجود تنظيمي على الأرض مثل التيارات السياسية الأساسية. وثانيًا لأنه متعاقد مع الأوساط الاسرائيلية المقربة من المؤسسة الرسمية. وهناك بطبيعة الحال أنظمة عربية تميل إلى هذا النهج.
وقد كشف برنامج تلفزيوني قبل أشهر هذه الحقيقة، حين دار نقاش حاد بين الطيبي وأحد أعضاء حزب الليكود الذي يقوده رئيس الحكومة نتنياهو. فبعد انتهاء البرنامج، وظنًا منه أن التصوير قد انتهى، إذا بهما يتعانقان ويمزحان.
أسماء النواب العرب في الدورات المتعاقبة للكنيست (1949-2009)