| 

كان البدو، وما زالوا، مكونا أساسيا من مكونات المجتمع العربي في فلسطين كما كانت الحال في العديد من الأقطار العربية. ونجم ذلك، بأشكال مختلفة، عن واقع وجود صحراء النقب في فلسطين ومتاخمتها لصحراء شبه جزيرة سيناء وصحراء معان وقربها من صحاري شبه الجزيرة العربية. ويشهد التاريخ على أنه لم تكن في الماضي عوائق وعراقيل أو حدود تحد من تنقل بدو النقب في الأرض العربية شمالا وجنوبا وشرقا، الأمر الذي جعل قيام إسرائيل لاحقا نكبة تاريخية بكل معنى الكلمة. فقد حرمهم إعلان الدولة اليهودية ليس فقط من حقوقهم التاريخية في التنقل حيث يقتضي المرعى فحسب بل من حقهم في التواصل الطبيعي مع محيطهم أيضاً. ولا يقل أهمية عن ذلك أن هذا الإعلان شرد الغالبية الساحقة منهم عن وطنهم وسلبهم أرضهم وأحالهم من بدو أحرار إلى لاجئين داخل وطنهم وخارجه.
يصعب الفصل بين ما لحق بالفلسطيينين عموما من مآسٍ وما لحق بالبدو. ولكن من بقي منهم على أرض فلسطين عانى لفترة طويلة التهميش والتنكيل اللذين زاد منهما انفصالهم عن محيطهم العربي. وقد ظهر ذلك بوضوح على بدو النقب الذين، خلافا لبدو شمال فلسطين، كانوا منقطعين عن مراكزهم المدينية عموما بعد تهويد مركزهم الرئيس، بئر السبع، وطرد سكانه العرب منه.
ومن الجلي أن البدو في فلسطين 48 ينقسمون حاليا إلى قسمين: بدو النقب وبدو الشمال. ولم تكن هذه أبدا حال البدو في فلسطين قبل قيام إسرائيل. إذ كان البدو، المنقسمون إلى قبائل وعشائر، ينتشرون تقريبا في جميع بقاع فلسطين. ولكن هذه ليست حالهم اليوم بعد انقسام البدو وانتشار أعداد منهم في القرى أو البلدات والمدن العربية في وسط فلسطين. ومع أن حياة البداوة كانت تعني على الدوام القابلية للترحال بحثا عن الماء والكلأ إلا أنها في العقود الأخيرة صارت تعبيرا عن أصول ونمط حياة ولا تعبر عن البداوة المعهودة. فقد أجبر أغلب البدو في فلسطين على القبول بمبدأ التزام المكان والانتقال من حياة البداوة التقليدية إلى نوع من الحياة التي تجمع بين الرعي والزراعة. وفي بعض المواضع تم تحويل البدو فعليا إلى نوع من العمال المياومين ما أفقدهم عمليا الكثير من سمات الحياة البدوية وطباعها.
وتشير الإحصاءات الأخيرة إلى أن عديد بدو النقب يزيد على مئة وسبعين ألفا فيما يبلغ عدد بدو الشمال نحو ستين ألفا وهناك نحو 15 ألفا يعيشون متناثرين في وسط فلسطين. وتكفي نظرة واحدة للمقارنة بين أعداد من كانوا يعيشون من البدو في النقب قبل إعلان إسرائيل ومن يعيشون هناك اليوم. إذ تشير الإحصائيات التي أرفقت بقرار التقسيم العام 1947 إلى أنه كان يعيش في النقب نحو 80 ألف بدوي من بين حوالى مليون عربي تقريبا كانوا يعيشون حينها في فلسطين. وإذا كان تعداد الفلسطينيين تضاعف في العقود الست الأخيرة خمس مرات على أقل تقدير فإن هذا يثبت أن من بقي من بدو النقب على أرضه لا يزيد في أحسن الأحوال على ربع السكان الأصليين. والواقع أن من بقوا فعليا هناك مورست عليهم ضغوط متعاظمة لتشريدهم وطردهم حيث تم إبعاد قبائل بكاملها إلى شرقي الأردن وسيناء في مطلع الخمسينيات. وعموما في منتصف الخمسينيات لم يكن قد بقي من بدو النقب على أرضهم إلا نحو 12 ألفاً فقط.
ومثل جميع العرب الذين بقوا على أرضهم في الدولة اليهودية فرض على البدو الحكم العسكري الذي كان يحظر عليهم الانتقال من مكان الى آخر من دون إذن مسبق. ومن المؤكد أن ذلك عنى للبدوي، أكثر من سواه، مصادرة لحقه في ممارسة حياته الطبيعية التي مارسها طوال التاريخ. وحصرت السلطات الإسرائيلية منذ العام 1951 حركة البدو في النقب في مثلث ضيق يقع بين ثلاث نقاط هي ديمونا وعراد وبئر السبع بعد أن كانت حركة ترحالهم من دون حدود. وبعد ذلك تم سن قانون الأراضي في العام 1952 الذي قرر أن كل من لا يحوز أرضه في نيسان من ذلك العام يفقد حقه فيها. وعنى ذلك أساسا فقدان البدو حقوقهم في جميع الأراضي الواقعة خارج المثلث المذكور. وظلت الحال على ما هي عليه رسميا حتى إلغاء الحكم العسكري عن العرب في إسرائيل حيث بدأت إسرائيل خطة ممنهجة لسلب من تبقى من البدو مراعيهم وحصرهم في عدد من القرى أنشئت خصيصا لهم. وشرعت إسرائيل بإقامة المستوطنات والبلدات اليهودية في النقب على أراضي البدو وإعلان هذه الأراضي محميات طبيعية أو مناطق عسكرية مغلقة.
ولكن إسرائيل ظلت طوال عقود ترفض الاعتراف بمراكز سكن البدو في النقب البالغ عددها 59 مركزا وهي لا تزال تصر على تصنيفها «قرى غير معترف بها».
وتمارس السلطات الإسرائيلية على القرى غير المعترف بها ضغوطا هائلة بينها حظر بناء البيوت الدائمة ومنع تزويدها بالماء والكهرباء وخطوط الهاتف. وقد أنشأت ما سمي بـ«الدورية الخضراء» التي تراقب بشكل يقظ أي تجمع بدوي وتعمل على هدم أي بناء يبنى، أو منع أي تجمع حتى لا يترسخ حق البدو على أي أرض في النقب خارج نطاق القرى التي خصصت لهم، وهي تفرض عليهم غرامات باهظة على أي «مخالفة». ويمكن القول إنه من بين جميع القرى التي أنشئت للبدو برزت راهط كمركز مديني يعتبر الأكبر في النقب.
وكما جرى مع العرب الآخرين الباقين على أرضهم في مناطق 48 والذين تم تجريدهم منها جرى مع البدو. ورغم محاولات هنا وهناك من جانب الآباء المؤسسين للدولة العبرية لاعتبار البدو ليسوا عربا بل الادعاء أنهم من بقايا اليهود الأصليين إلا أن التضييق عليهم لم يختلف عن إخوانهم. وفي العديد من الحالات تم استقطاب عدد من مشايخ البدو وزعماء العشائر ودفعهم لإقناع أبنائهم بالانضمام الى الجيش الإسرائيلي إما كقصاصي أثر أو حتى كجنود. وفي الكثير من الحالات جرى تصوير ذلك كأنه دمج للبدو وارتقاء بأوضاعهم. غير أن الإدراك المتزايد لخطورة الفصل بين البدو وباقي إخوانهم حال دون توسع هذه الظاهرة بل زادها ضيقا. ومع ذلك فإن إسكان البدو في قرى، علاوة على وشيوع التعليم بين صفوفهم قاد إلى نشأة نمط جديد من التفكير الوطني بين صفوفهم. واليوم ثمة الكثير من الساسة البدو ممن يلعبون أدوارا قيادية في الحركة الوطنية الفلسطينية داخل الخط الأخضر.