| 

نشأت الأجيال العربية في ظلال «النكبة»، ولفلسطين في أذهانهم صورة غائمة: هم يسمعون عنها نتفاً تختلط فيها المآسي الشخصية بالكارثة الوطنية، ويقرأون أو يتناقلون أخباراً وروايات عن محنة أهلها وبطولات مجاهديها، والخيانة التي ضيّعتها، وقائمة مرتكبيها طويلة يختلط فيها الملكي بالجمهوري، والمحلي بالعربي، وإن ظللتها دائماً «الدول»، وبالذات الكبرى منها بغير تمييز.
البعض يعرف قليلاً عن فلسطين ما قبل 1948.
لكن الأكثرية تعرف ما يكفي عن فلسطين ما قبل 1967، خصوصاً وأن منظمة التحرير شكلت إطاراً جامعاً، وتأكد دورها بعد الهزيمة العربية الساحقة في 5 حزيران.
على أن «فلسطين 1948» ظلت مهمشة، في انتظار ما سوف يكون، وظلأهلها الذين كان عددهم في العام ١٩٤٨ حوالي مائة وخمسين الف نسمة، وبات الأن يناهز المليون نسمة، في خانة المنسيين؛ ليست لهم مرجعية وطنية «في الداخل» ولا من جهة ـ دولة أو منظمة أو هيئة ـ ترى نفسها مسؤولة عنهم في الخارج، الفلسطيني ثم الغربي. لم يكن أحد يملك مشروعاً لفلسطينيي الداخل، وإن اعتبر البعض ـ بالتمني ـ أن التحرير سيتسع لذلك الجزء المنسي من الأرض المقدسة الذي صيّره «الاحتلال» بعضاً من إسرائيل، وصيّر فلسطينييه «رعايا» من الدرجة الثانية يخادعهم بحق الانتساب إلى «نقاباته» و«أحزابه»، ويشركهم في «انتخاباته» وفي «كنيسه» ليكسر محاصرته بتهمة العنصرية وليعطي «دولته» مظهراً ديموقراطياً.
بعد معاهدات الصلح المنفرد التي برّرت «اتفاق أوسلو»، كان على فلسطينيي 1948 أن يعيدوا تأكيد فلسطينيتهم المنكورة عليهم، في الداخل، والمنسية في «الخارج» العربي وحتى الفلسطيني. كان عليهم أن يُخرجوا أنفسهم بأنفسهم من دائرة النسيان، وأن يؤكدوا حضورهم من داخل سجنهم في قوقعة الهوية المزورة، التي افترضوا ـ يوماً ـ أنها قد تبقيهم في أرضهم.
صار الفلسطينيون «شعوباً» مختلفة، بهويات مختلفة، بمطالب مختلفة، تمتد ما بين تحرير كامل الأرض وتحسين ظروف العيش المر داخل الوطن المقدس.
هذا العدد من «فلسطين»، جهد متواضع للتعريف بالمنسيين الفلسطينيين الداخل، تفصيلاً، بمدنهم وقراهم، بمؤسساتهم وتجمعاتهم، بأنماط نضالاتهم المحاصَرة بين يمين الولاء «للدولة اليهودية الديموقراطية» وبين الانضمام إلى قوافل المشردين الذين ضاعت منهم عناوينهم في الشتات الذي طال حتى بات زمناً آخر.
إنهـا محـاولـة لإعـادة جمع مـا تفـرق وتنـاثر عن حـقـائق الملـيون ونصـف الملـيون من فلسطـينيي الداخـل، من الأخـوة المنسـيين الذين سيـبقون الدلـيل إلى المستـقبل وليـس مـجرد شـهود عـلى مـاض لن يعـود.