| 

العمل الأهلي يمكن أن يكون قوياً في ظل دولة قوية وأحزاب قوية. فإذا كانت الدولة ضعيفة والأحزاب ضعيفة، فالعمل الأهلي يكون في المحصلة النهائية ضعيفاً. وهناك مشكلتان أساسيتان في هذه القضية.
المشكلة الأولى والأساسية هي انهيار المشروع الوطني الفلسطيني. إن فصائل منظمة التحرير، ولا سيما بعد اتفاق أوسلو، ليس لديها رؤية واحدة، وهنا تكمن الإشكالية. فالأحزاب في منظمة التحرير غير قادرة على صوغ رؤى سياسية بديلة من الموقف بعد هذا الاتفاق، وبالتالي لا تستطيع صوغ رؤية بديلة قادرة على استقطاب أعضاء جدد.
المشكلة الثانية لها علاقة مباشرة بالتمويل. من أين كانت تموّل الأحزاب السياسية الفلسطينية نفسها؟ كانت منظمة التحرير هي من يموّلها، وبذلك كانت رهناً بقرار المنظمة. إن بحث الأحزاب عن بدائل للتمويل جعلها ترى في فكرة المنظمات الأهلية مخرجاً. ومن هذا الطريق أمل بعض الأحزاب، وتحديداً الأحزاب اليسارية، بأن يحصل على تمويل إضافي أو بديل. لكن التمويل المتاح لم يكن دائماً تمويلاً من الأحزاب اليسارية الأجنبية، أو من المؤسسات اليسارية الأوروبية والأميركية، فقد كان يصدر أحياناً عن الكنائس والمؤسسات المحافظة دينياً. ويفرض التمويل الأجنبي أن يتم توظيف أشخاص بمواصفات خاصة. مثلاً، يجب أن يجيدوا الإنكليزية، وأن يكونوا متعلمين وقادرين على التواصل مع الممولين، وعلى كتابة المشاريع. وهكذا انبثقت من الأحزاب السياسية فئة جديدة ذات مصالح تعمل في المؤسسات الأهلية، لديها راتب ثابت، وفي أحيان كثيرة هي التي تنفق على الحزب. وهذا شيء لا نستطيع أن ننكره تحديداً في حزب الشعب ومؤسساته الأهلية. وكذلك الأمر في الجبهة الشعبية.
إن هذه الفئة الجديدة صارت تعتقد أنها أقوى من الحزب، فهي صاحبة فضل عليه، وبما أنها الجهة التي تملك المال فقد صارت قادرة على السيطرة على الأحزاب. وفي الوقت نفسه، صارت مصالحها الذاتية أهم من المصالح العامة. وكان بعض المنظمات الأهلية يعتقد أنه يستطيع أن يؤثر في رؤية الحزب.
هناك مسألة أخيرة وهي مهمة لأنها ذريعة الذين تركوا الأحزاب. فهؤلاء هاجموا أحزابهم واتهموها بأنها غير ديموقراطية، ولا تمنحهم المجال لعرض أفكار ترفد برنامج الحزب وتؤثر فيه. فهذه الأحزاب لم تكن قادرة على استيعاب التغييرات التي حدثت في العالم. وعندما سافر أعضاؤها وشاركوا في مؤتمرات، وتعرضوا لمختلف الخبرات، حاولوا توظيفها فلم يسمعهم أحد، بل اعتُبروا منسلخين عنها وعن بقية الكوادر التقليدية التي لا تستطيع قراءة الإنكليزية أو أي لغة أجنبية أخرى، وغير قادرة على الإطلاع على ثقافات متنوعة أو تطوير خطاب جديد، الأمر الذي أدى إلى الانفلات.

«مجلة الدراسات الفلسطينية» العدد 73، شتاء 2008