العمل الأهلي ليس جديداً على المجتمع الفلسطيني، ولعل براعمه الأولى نشأت مع ظهور المجتمع الحديث في نهاية عصر الدولة العثمانية وبداية الانتداب البريطاني. ومهما يكن الأمر، فقد شهدت المناطق الفلسطينية، مع قيام السلطة الفلسطينية في سنة 1994، طفرة غير مسبوقة في أعداد الجمعيات الأهلية غير الحكومية (NGO’s) والتي شملت بنشاطها مختلف نواحي الحياة الاجتماعية، كالرعاية والتدريب المهني والصحة والثقافة والقانون والحريات وحقوق الإنسان والمرأة. الخ. ورب قائل إن هذا الكم من الجمعيات الأهلية المستقلة غير بريء سياسياً، وإن أغلبيتها مرتبطة بالجهات المانحة التي لديها مجموعة من الأهداف السياسية تسعى لتنفيذها، ومنها إيجاد «طبقة وسطى» فلسطينية منسجمة مع القيم الغربية، ولا سيما في مسائل الحريات والديموقراطية والليبرالية الفكرية والاقتصادية.
في أي حال، فإن المنظمات غير الحكومات تنقسم في جهدها الى نمطين: نمط أهلي تقليدي يعمل في الميدان الخيري، والسياسي أيضاً، ونمط حداثي معاصر مرتبط بالدول المانحة أو الجهات الواهبة، وهي، على العموم، أوروبية وأميركية. ويتركز معظم المنظمات غير الحكومية في رام الله ـ البيرة، وبدرجة أقل بكثير في القدس. أما في بقية المناطق فإن المنظمات غير الحكومية هي فروع للجمعيات الأساسية في المركز المديني. ويمكن القول إن بروز دور المنظمات غير الحكومية منذ ثمانينيات القرن العشرين كان، في أحد وجوهه، نتاجاً للعولمة.
بلغ عدد الجمعيات في الضفة والقطاع حتى سنة 1978 نحو 130 جمعية. ووصل في نهاية سنة 1990 الى أقل من 200 جمعية. أما الآن فهناك نحو 3 آلاف جمعية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقبل نشوء السلطة الفلسطينية كانت المنظمات الأهلية تتلقى ما بين 120 مليون دولار و220 مليون دولار سنوياً. لكن هذه المبالغ تناقصت بعد قيام السلطة وتراجعت الى نحو 80 مليون دولار. والسبب ان منظمة التحرير الفلسطينية وحركة «فتح» بالتحديد، كانت تقف وراء تمويل عدد كبير من الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية منذ سبعينيات القــرن العــشرين، واتســـع هذا النــطاق بعد سنة 1982 حين ركزت «فتح» على العمل الحثيث في الضفة الغربية وقطاع غزة. وعلى هذا المنوال أسست المنظمات السياسية الأخـــرى، اليــسارية والإســـلامية، جمعيــاتها المختلفة. ومع نشوء السلطة تولّت حركة «فتح» بنفسها ومباشرة إدارة هذا الجهد، الأمر الذي انعكس على الواقع في صورة تقلص عدد هذه المنظمات وانخفاض التدفق المالي.