| 

تتفاوت قوة مواجهة الفساد ومظاهره وآليات ذلك من مجتمعٍ الى آخر بحسب وفق طبيعة هذه المجتمعات وقدرتها على التغيير الديموقراطي والتأثير في بنية البيئة السياسية للأخذ بها نحو منطلقات الحكم الصالح، وفضاءات قيم النزاهة ومبادئ الشفافية ونظم المساءلة. فنجد بعض المجتمعات قد نجح في بناء تحالف وطني شامل وتمكن من تخليق ثقافة مناهضة للفساد وأشكاله، في حين لم تقو مجتمعات أخرى على تحقيق مثل ذلك، مكتفية بردات فعل متقطعة أو موسمية، تُعارض أو تُذكر بمصادر هذا الفساد وأسبابه من دون النجاح في مواجهته أو التخفيف من مثالبه.
في الضفة الغربية وقطاع غزة بادر ناشطون من المجتمع المدني وبعض المنظمات الأهلية إلى إنشاء تحالف أو (ائتلاف) هدفه مكافحة الفساد في المجتمع الفلسطيني، عُرف بـ «الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة ( أمان)»([).
لم يكن تشكيل «أمان» عشوائياً أو صدفة، بل كان استجابة للحاجة المجتمعية للتصدي لحالة تفشي مظاهر الفساد التي رافقت نشوء السلطة. ومع مرور السنوات مُنحت الشرعية والدور وسعة التمكين في مكونات الحياة الفلسطينية وقطاعاتها المتعددة. هذا التشكيل كان له حاجة ماسة، وضرورة لا بد منها، أكدتها جملة من الوقائع والمتغيرات، الثابتة، والمستجدة، والتي برزت في المشهد الفلسطيني قبل ظهور «أمان».
استطاعت «أمان» خلال السنوات العشر الماضية وضع «الحجر الأساس» لبناء نظام نزاهة وطني، قادر على تحقيق درجة جيدة من مبادئ الشفافية والمساءلة في بلدٍ ما زال نظامه السياسي يفتقر إلى أركان أساسية، وبنيته المجتمعية تتعرض إلى تشويهٍ متعمد من الاحتلال، واقتصاده لا يزال يتنفس بالتمويل الخارجي.

عناصر اضعاف منظومة مكافحة الفساد
ليس الاحتلال وحده ما ميز وجود الفساد في المجتمع الفلسطيني، فهناك مجموعة من العوامل التي لعبت دورا في تشكيل وجود الفساد في المجتمع الفلسطيني، أهمها ضعف بنية السلطة الوطنية الذي نتج عنه ضعف الرقابة وغياب الشفافية والمساءلة في العمل والذي ترافق مع التدفق الضخم لأموال المانحين، وطغيان السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية، وهو ما أدى إلى الإخلال بمبدأ الرقابة المتبادلة في نظام ناشئ افتقد إلى المبدأ العام للنظام الديمقراطي القائم على أساس الفصل بين السلطات رغم وجود برلمان منتخب عام 1996. وهذا بدوره أدى إلى غياب الشفافية، خصوصاً فيما يتعلق بالأعمال العامة للسلطة، يضاف إلى ذلك، تكريس ثقافة «القيادة الفردية» والتي أظهرت تسامحاً أو تساهلاً مع الفاسدين ومحاسبتهم. وقد ساهمت حداثة القوانين أو عدم اكتمالها أو قدم المنظومة التشريعية المعمول بها فلسطينياً، والثغرات القانونية فيها في فقدان الرقابة والمساءلة، مما أدى إلى خلق بيئة مناسبة لزيادة فرص وانتشار الفساد، في وقتٍ ترافق فيه ضعف الجهاز الرقابي في الرقابة على أعمال الموظفين في المرحلة الانتقالية لتشكل السلطة، بالإضافة إلى ضعف الجهاز القضائي، وعدم قدرته على تنفيذ الأحكام والرقابة على القرارات الإدارية الصادرة عن السلطة التنفيذية. ورغم الدور التاريخي الهام الذي لعبته المنظمات الأهلية الفلسطينية في مكافحة الاحتلال، إلا أن هذا الدور تراجع مع نشوء السلطة الوطنية لأسباب عديدة ليس هنا المجال للتطرق لها، حيث اتسمت الحالة بضعف دور مؤسسات المجتمع المدني بالمشاركة في الرقابة على أعمال الحكومة بشكلٍ خاص، والأعمال العامَة عموماً، بحيث اتسمت نشاطات هذه المنظمات، خاصة في مراحلها التأسيسية الأولى، بهشاشة الفعل العام، وضعف أو غياب التأثير في سياسات السلطة ودفعها للاحتكام إلى القوانين أو الالتزام بمبادئ الحكم الرشيد، وقد ترافق ذلك مع ضعف الوعي بين الجمهور بطبيعة الفساد وأشكاله ومخاطره، وعدم المعرفة بالآليات والنظم الإدارية التي تتم من خلالها ممارسة السلطة؛ وبالتالي عدم القدرة على الاعتراض على أعمال الحكومة.

نشأة «أمان»
في خضم البيئة التي تلاقت فيها عوامل عديدة ساهمت في إنعاش وتوسيع دائرة الفساد دون قيام الجهات المعنية بوضع حد له رغم تحذير التقارير المحلية والدولية من خطورة ذلك على البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الفلسطينية، أخذ مؤسسو ائتلاف «أمان» على عاتقهم محاربة هذا الداء الفتاك، عبر الترويج لفكرة وأهمية بناء نظام نزاهة وطني يعزز ويكرس ثقافة تقوم على أساس اشاعة الشفافية والنزاهة والمساءلة في المجتمع الفلسطيني.
وعلى الرغم من أن المجتمع الفلسطيني كان يحظى قبل قيام مؤسسة «أمان»، بوجود شبكة كبيرة من المنظمات الأهلية التي نشطت لسنواتٍ طوال في مجال تعزيز الديموقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان، إلا أنها نادراً ما تبنت برامج ذات علاقة في مقاومة الفساد. مثل هذه المنظمات الأهلية لم تلتفت أو تتبنى مثل هذه المقاومة، اعتقاداً منها أن هذا الدور من صلاحيات المجلس التشريعي، غير أن فشل هذا المجلس في مواجهة الفساد الحكومي دفع بعددٍ من النواب لطلب المساعدة من مؤسسات المجتمع المدني لتبني هذه المواجهة(1)، لتكون «أمان» بذلك، السباقة إلى اقتحام «حقل الفساد» لمحاربة مصادره، وأشكاله، والنتائج المتمخضة عنه، ما أدى الى التفاف عدد لا بأس به من نشطاء المجتمع المدني والعاملين في القطاع الخاص والاعلام والمنظمات الأهلية، بما فيها قيادة الاتحاد العام للجمعيات الخيرية الفلسطينية.
تتلخص رسالة «أمان» في بناء نظام نزاهة وطني فعال، يعمل على نشر القيم والنظم التي تعزز النزاهة والشفافية والمساءلة في المجتمع الفلسطيني بمختلف مكوناته وقطاعاته. وتبنت المؤسسة منذ نشأتها استراتيجية «التدخل الايجابي» التي تنطلق من الإطار التعاوني والمهني، المتعدد الأطراف، والهادفة إلى بناء وتعزيز ثقافة مجتمعية ترفض التورط في ممارسات الفساد وتعمل على مقاومته، وذلك كخطوة وقائية تحمي مستقبل الأجيال القادمة والمؤسسات الوطنية وقطاعات المجتمع المختلفة من مخاطر هذا الفساد.
نظراً لأنه لا يمكن لأي إطار مؤسساتي أن يحقق أهدافه إلا بآليات توائمها، فإنه، كذلك، لا يمكن لمثل هذه الآليات أن تصلح للفعل دون وجود منهجية مناسبة. لذا، تبنت «أمان» ومنذ اللحظات الأولى لانطلاقتها، منهجاً شاملاً ومتواصلاً بخصوص مكافحة الفساد، وعملت على بناء وتنمية قدرات عدد من نشطاء المنظمات الأهلية والباحثين، وفي المقدمة كادرها الرئيسي في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تم تشكيل مجموعة خبراء محليين باشروا بإعداد تقارير محلية تناولت مجالات ومظاهر الفساد وأسبابه، ما جعل من «أمان» بيت الخبرة الفلسطيني في هذا المجال.
ولتحقيق أهدافها واستراتيجيتها، ركزت «أمان» على أهمية المواظبة على توعية الجمهور بمخاطر الفساد وضرورة مواجهته، وأهمية وضع موضوع مكافحة الفساد على أجندة الشعب الفلسطيني، إضافة إلى خلق إرادة سياسية لدى صناع القرار على الانخراط في هذه المواجهة.

العمل الأهلي يبادر إلى بناء ثقافة جديدة
وخلال عقد من الزمن، عملت «أمان» عبر برامجها المختلفة على تعزيز مشاركة المواطنين في تقوية دور المجتمع المدني بكل قطاعاته للعمل من أجل خلق دولة المؤسسات التي تحكمها الحوكمة الرشيدة وسيادة القانون وتعزيز الديموقراطية والحكم الصالح والتنمية في المجتمع الفلسطيني، خاصة بعد أن اتضح أن أحد أسباب الفشل في عمليات التحول الديموقراطي وحماية حقوق الإنسان والتنمية المستدامة في السلطة الوطنية الفلسطينية يعود لضعف المشاركة من قبل المواطنين(3).
وقد أخذت مؤسسة «أمان» على عاتقها نشر مثل هذه الثقافة، حيث واصلت، منذ نشأتها، تنظيم سلسلة من اللقاءات وورش العمل بين الأطراف الرسمية والأهلية لمعالجة ومراجعة الأداء وأسباب التعثر، كما عملت بالتنسيق مع عدد واسع من المنظمات الأهلية على القيام بحملات المناصرة والضغط والتأثير، بما فيها الحملات الوطنية الجماهيرية، والتي تنظمها لمكافحة الفساد وتضمين بعض المفاهيم المتعلقة بالحكم الصالح والإدارة الرشيدة في العمل الحكومي والأهلي من خلال إعدادها مدونات سلوك الموظفين العموميين. كما طالبت بضرورة محاسبة الفاسدين، وتنفيذ أنشطة في مجال مراقبة الانتخابات الرئاسية والتشريعية والبلدية، وإصدار تقارير مفصلة حول تصرفات المرشحين والانتهاكات التي حصلت فيها(4).
وفي إطار مبادرات العمل الأهلي لبناء ثقافة مضادة للفساد، قامت «أمان» بالتعاون مع الجامعات الفلسطينية بتطوير كتاب جامعي تحت عنوان «النزاهة والشفافية والمساءلة في مواجهة الفساد»، يدرس حاليا في سبع جامعات فلسطينية، ويتناول في فصوله تشخيصاً لمواطن تغلغل الفساد وانتشاره في فلسطين، وما يتطلبه ذلك من عمل يجب القيام به، سواء على مستوى السلطات الرسمية، أو على مستوى مؤسسات المجتمع المدني، لمحاصرة بؤر الفساد والقضاء عليه داخل المجتمع.
مثل هذه التوعية وإدخال مفاهيم مكافحة الفساد في النظام التعليمي على المستويين المدرسي والجامعي يرسخ هذه المفاهيم، ويساهم في تنشئة أجيال تتبنى هذه القيم وتعتمد عليها، وليس على ثقافة الخوف من المحظور. هذا الأمر يتطلب من «أمان» وغيرها من مؤسسات المجتمع تفعيل مشاركة المواطنين لمحاربة الفساد، خاصة في ظل انتشار عدم الاكتراث لدى نسبة كبيرة من الجمهور بضرورة محاربة الفساد أو التبليغ عنه، إضافة إلى التعريف بأجهزة الرقابة وشروط نجاحها في عملها المستقل والفعال. كما يعالج الكتاب الجامعي موضوع مدونات السلوك وأهميتها في تشكيل الوعي العام حول أفضل الممارسات والسلوكيات الأخلاقية في العمل، حيث إن إدخال مفاهيم مكافحة الفساد في النظام التعليمي على المستويين المدرسي والجامعي يرسخ هذه الثقافة في الأجيال القادمة.

حماية المبلغين ومناصرة ضحايا الفساد
من الآليات والوسائل التي رأت مؤسسة «أمان» فيها محفزاً هاماً لتثقيف الناس بمخاطر الفساد والعمل على محاربته والإبلاغ عنه، إطلاق حملة تشجيعية سنوياً، يتم بواسطتها تكريم أشخاص يملكون الجرأة لكشف الحقائق، ويتمتعون بالنزاهة، ويؤمنون بأن مكافحة الفساد جهد وطني يقع على عاتق كل مواطن.
تمثلت هذه الحملة بالجائزة السنوية «جائزة النزاهة» التي انطلقت منذ العام 2006، واستهدفت العاملين في القطاع العام والهيئات المحلية، والشركات المساهمة العامة، والإعلاميين، بالإضافة إلى منح جائزة أفضل بحث في مجال النزاهة والشفافية.
الهدف من منح هذه الجوائز تحفيز شرائح وقطاعات المجتمع المختلفة على تحمل مسؤولياتها في التصدي للفساد والفاسدين وتشجيع العاملين في المؤسسات العامة على الإبلاغ عن حالات الفساد التي يشهدونها أو يقعون ضحية لها.
وفي بداية العام 2009، أطلقت «أمان» مشروع «مركز المناصرة والإرشاد القانوني»، بهدف مكافحة الفساد عبر تقديم الدعم والمشورة القانونية لضحايا وشهود الفساد والمبلغين عنه وتفعيل محاسبة المسؤولين عن الفساد وضمان حماية المبلغين من خلال تلقي ومعالجة الشكاوى المتعلقة بالفساد عبر خط مجاني، بالإضافة إلى استقبال المراجعين في المركز والاستماع لشكاواهم وتوثيقها والعمل على تقديم الإسناد لهم. وفي هذا الإطار، تم إعداد تقرير حول الإبلاغ عن الفساد وحماية المبلغين في التشريعات الفلسطينية والمواثيق الدولية.
هذه الخطوة شكلت حافزاً كبيراً لإشاعة ثقافة الإبلاغ لدى الجمهور والموظفين وغيرهم، بالرغم من أن الثقافة السائدة ما زالت لا تشجع على الإبلاغ عن إهدار المال العام، خاصة عندما يرتكب من قبل المسؤولين.
ورغم أن الحكم على هذه التجربة الحديثة ما زال غير ممكناً، إلا أن المؤسسات الحكومية وغيرها في فلسطين بدأت تتعاون مع المركز، فبعض المؤسسات الرسمية أبدى اهتماماً وتجاوباً في متابعة الشكاوى التي تصلها، مما ساهم في تعزيز نظام المساءلة، وبعض المؤسسات الرسمية كمكتب رئيس الوزراء، وزارة العدل، ومجلس القضاء الأعلى، وغيرها من المؤسسات الحكومية(5) التي أيضا عملت على إعداد مدونات سلوك العاملين فيها، استجابت لحضور جلسات استماع عامة دعت لها «أمان» يقومون خلالها بشرح سياسة السلطة وأعمالها(6). ولكن في مقابل ذلك، لم تنح معظم الوزارات في أنشطتها بشكل شفاف ولم تنفتح في إجراءاتها على المواطنين أو لمؤسسات المجتمع المدني ذات الصلة بعملها.

فضاءات التنسيق من أجل التغيير
إن العمل في موضوع مكافحة الفساد هو من أبرز التحديات أمام المجتمع الفلسطيني ومؤسساته. وبما أن المستفيدين من وجود الفساد كُثر ومتنوعون، فإن مقاومته تحتاج إلى المشاركة والمناصرة. وهذا لا يتأتى إلا من خلال السعي نحو تحقيق التنسيق والتشبيك على المستويين المحلي والإقليمي مع الأفراد والمؤسسات في مجالات التخطيط والتنفيذ والدعم والتمويل. محليا، تم تأسيس شبكة منظمات أهلية ضد الفساد في ضوء التوقيع على مدونات السلوك الخاصة بالمنظمات الأهلية الفلسطينية التي قامت «أمان» بتطويرها بالشراكة مع شبكات العمل الأهلي الرئيسية، وقد ساهم العمل الأهلي بقيادة «أمان» في الضغط على السلطة الوطنية الفلسطينية من أجل إنشاء هيئة مكافحة الفساد ومحكمة الفساد التي بدأت تراجع الملفات الخاصة لبعض المسؤولين الفاسدين في الربع الأخير من العام 2010، وتمت إحالة بعضهم للمحاكمة، ومن المتوقع أن يزداد عملها عام 2011، وتوصف نشاطات العمل الأهلي بقيادة «أمان» عام 2010 بالنجاح في ترشيد استخدام السيارات الحكومية، والبالغ عددها 6200 سيارة، حيث تم حصر استعمالها للعمل الرسمي بعد حملة وطنية واسعة نفذتها «أمان» حول الموضوع.
كما جرى التعاون مع المؤسسات العاملة في المجال، سواء على الصعيد العربي أو الدولي. فعربياً شاركت «أمان» في كثيرٍ من فعاليات منظمات المجتمع المدني في بعض الدول العربية، ضمن العديد من المشاريع والبرامج، كما ساهمت، مع نظيراتها من المؤسسات العربية، في تأسيس شبكة «برلمانيون عرب ضد الفساد». وفي الإطار الدولي، حرصت المؤسسة على المشاركة في كل الفعاليات المتعلقة بموضوع الشفافية والنزاهة، حيث عززت العلاقة مع منظمة الشفافية الدولية فشاركت في فعالياتها على الصعيدين العربي والخارجي.
وإلى جانب ذلك، عززت «أمان» علاقتها مع منظمات الأمم المتحدة، حيث نفذت مشروع الحملة الوطنية لمناصرة ودعم تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وذلك بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP). وكذلك شاركت في تشكيل منظمة «أصدقاء اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد»، كما وقعت عددا من الاتفاقيات مع مؤسسات دولية كالبنك الدولي، إلى جانب مواصلة علاقاتها مع العديد من المنظمات غير الحكومية كشركاء وممولين للعديد من المشاريع والبرامج.
من الصعوبات والعقبات التي واجهت ولا تزال تواجه العمل الأهلي، وفي مقدمته «أمان»، هو ضعف وتردد الإرادة السياسية لعدد كبير من المتنفذين في السلطة لمحاربة الفساد، وعزوف الكثير من الجمهور عن المشاركة الفاعلة في إدارة الشأن العام، ويبرز هذا بوضوح في ضعف دور الأحزاب والفصائل في مكافحة الفساد، حيث أشارت استطلاعات الرأي التي تجريها «أمان» دوريا إلى أن المواطنين الفلسطينيين يعتبرون الأحزاب أكثر القطاعات فسادا، يليها الأجهزة الأمنية وأعضاء البرلمان، إلا أن المؤسسة نجحت في رفع وعي كل قطاعات المجتمع بضرورة محاربة هذا الداء، عبر وضعه على أجندة المجتمع ومؤسساته. كما استطاعت أن تفرض نفسها كمؤسسة أهلية ذات مصداقية وبيت للخبرة في مجال مكافحة الفساد، واستحقت في زمنٍ قياسي أن تنال الاعتماد الكامل من منظمة الشفافية الدولية (7) كفرع وطني في فلسطين، فضلا عن اعتماد المؤسسة باعتبارها العنوان الفلسطيني لإنشاء مؤسسات ومشاريع مثيلة في العالم العربي.

*تألفت «أمان» في العام 2000، من المؤسسات التالية: المبادرة الفلسطينية لتعميق الحوار العالمي والديمقراطية ـ مفتاح ( رام الله)، الملتقى الفكري العربي (القدس)، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديموقراطية ـ مواطن (رام الله)، مركز التجارة الفلسطيني ـ بال تريد (رام الله)، مركز الميزان لحقوق الإنسان والمجلس الفلسطيني للعلاقات الخارجية (غزة) وهي تعتبر «أمان» الفرع الفلسطيني المعتمد من منظمة الشفافية الدولية، وقد تم اعتماد «أمان» منذ بداية العام 2006، لتصبح فلسطين الدولة الثالثة عربيا المعتمدة لدى المنظمة بعد لبنان والمغرب. تشارك «أمان» بكل النشاطات الدولية والإقليمية التي تنفذها المنظمة، كمؤتمر الشفافية السنوي، بالإضافة إلى اجتماعات الفروع العربية. كذلك تساهم «أمان» في إعداد التقرير العالمي السنوي للفساد من خلال إعداد الجزء الخاص بفلسطين في هذا التقرير. كما أن هناك عدة مشاريع وبرامج مشتركة تقوم «أمان» بتنفيذها مع منظمة الشفافية الدولية ومع الفروع العربية. (1) منظمة الشفافية الدولية. نظام النزاهة العربي في مواجهة الفساد ـ كتاب المرجعية ـ بيروت، المركز اللبناني للدراسات، د.ت، ص280. (2) هذا المفهوم هو عبارة عن مدخل لتعزيز النزاهة والشفافية والمساءلة، وليس استخدام الاتهام المباشر أو تعميم الوصف (3) « أمان»، المبادئ الإرشادية للحق بالتجمع والتنظيم في العالم العربي، 2008، ص5 (4) ياسر العموري ومحمود علاونة، تقييم الالتزام بالتدابير الوقائية في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، منشورات «أمان»، 2010، ص82 (5) جهاد حرب، التقرير الثاني لواقع النزاهة والفساد في العالم العربي (2009ـ 2010)، دراسة غير منشورة لصالح منظمة «برلمانيون عرب ضد الفساد»، ص53. (6) انظر: تقرير الفساد ومكافحته في فلسطين 2009، «أمان»، ص25. (7) «منظمة الشفافية الدولية» أنشئت عام 1995م، وشعارها «الاتحاد العالمي ضد الفساد»، ومقرها برلين، وهدفها مساعدة الدول والأفراد في محاربة الفساد، خاصة بعد انتشار الفساد المالي والإداري، سواءً على المستوى الرسمي أو غير الرسمي، وعجز المؤسسات القطرية المعنية بمحاربته، لاسيما بعد أن تحول الفساد إلى غول يلتهم ليس فقط جهود التنمية المحلية، بل الجهود الدولية المتمثلة في المنح والمعونات والقروض.