| 

قبل نحو عشرين عاماً كتبتُ أطروحة الماجستير عن دور المنظمات النسوية الأهلية في فلسطين. وقد نظرت بعين نقدية وربما «متعالية» بعض الشيء الى دور الجمعيات الخيرية التي كنا نعتبرها «تقليدية» و«محافظة» وغير داعمة لحقوق النساء، فهي تقوم بدور إغاثي من منطلق مساعدة الفقراء والمحتاجين من قبل سيدات مجتمع ونساء من الطبقة الوسطى أوضاعهن المادية جيدة نوعاً ما. كما نظرت بصورة أكثر نقدية لدور المؤسسات الجماهيرية المرتبطة بالأحزاب السياسية المنضوية تحت مظلة منظمة التحرير، والتي كانت تعرف باللجان النسوية وتهدف لخلق حالة من الحراك الجماهيري والمجتمعي والمساهمة في الانتفاضة الشعبية الأولى في ذلك الوقت، بسبب إهمالها للقضايا الاجتماعية بشكل عام، والنسوية بشكل خاص. أما خلاصة الأطروحة فقد كانت تبشيراً بجيل جديد من المنظمات النسوية «المهنية»، والتي تتبني أجندة نسوية مناصرة لحقوق المرأة وتحاول خلق توازن بين الأجندة النسوية والأجندة الوطنية.
جاء هذا الجيل الثالث من المنظمات نتيجة لنمو وعي نسوي مشترك جمع الناشطات النسويات في الانتفاضة الأولى، وجعلهن يدركن أن الاختلافات في البرامج السياسية للأحزاب والفصائل الفلسطينية لا تخفي حقيقة وجود هموم مشتركة بين النساء، فهن جميعاً يأتين في مرتبة متدنية في أحزابهن، وقلة نادرة استطاعت الوصول لمناصب قيادية في الأحزاب التي نشطن فيها لسنوات عديدة، وجميعهن يعانين من نظرة «ذكورية» قمعية في كثير من الأحيان من عائلاتهن ومجتمعهن. والأهم من ذلك أنهن لم يلمسن الدعم من أحزابهن عندما تعرضن للهجوم من تيارات سياسية أصولية اعتبرت أن مكانهن البيت، وأن «الحجاب» هو النموذج الأمثل للباس المرأة. كان موقف الأحزاب الفلسطينية حينها أن التركيز يجب أن يكون على القضية الوطنية وأن الخلافات والأجندات الاجتماعية يأتي دورها لاحقاً «بعد التحرير».
كنت وما زلت من أشد المؤيدات للمنظمات الأهلية، وأعتقد أن لها دوراً أساسياً في الحراك السياسي والاجتماعي وفي طرح قضايا تنموية واجتماعية وفي التأثير على الرأي العام. ولكن هذا لا يمنع من استخدام عدسات نقدية والتدقيق في ما كنا نطرحه بحماسة قبل عشرين سنة. فالمنظمات الأهلية المهنية التي ارتأت لها دوراً يعزز الأجندة النسوية لم تكن أكثر نجاحاً ممن سبقها في الوصول إلى النساء وفي التأثير في المجتمع وفي طرح قضايا المساواة والعدالة بحيث يمكن أن يتم تبنيها في المجتمع، ولم تساهم بفاعلية في التغييرات السياسية والتحولات الديموقراطية والتنموية. ولكن الرؤية النقدية الموضوعية تتطلب أن يتم وضع الأمور في نصابها وفي سياقها التاريخي السليم.
في السياق العام، تنبع قوة المؤسسات الأهلية من فاعلية وحيوية البيئة التي تعمل بها. فالمنظمات الأهلية، والتي تعرف أيضاً بالقطاع الثالث، هي جزء من التنظيم المجتمعي الذي يهدف للحد من استبداد الدولة وتفردها، ومن تغول السوق وقدرتها على قهر الفقراء والمهمشين. المنظمات الأهلية في أجواء طبيعية هي صوت الناس والمعبر عن آرائهم وتطلعاتهم، وهي قوية في ظل دولة قوية، وفاعلة في الأجواء الديموقراطية التي تتيح الحيز المناسب للتعبير عن الرأي والرأي الآخر، وفي ظل سوق قوية مستقلة تسمح بالمنافسة الشريفة وتتيح المجال للناس للتعبير عن احتياجاتهم بالانضمام لمنظمات أهلية تعبر عن هذه الاحتياجات.

منظمات وسلطات
في الواقع الفلسطيني، سبق ظهور المنظمات الأهلية وجود الدولة، واستمرّ عدد المنظمات الأهلية يتطور ويزداد في ظل «شبه سلطة» لا تملك من أمرها شيئاً، بل يمكن القول إن بدايات المنظمات الأهلية كانت في ظل دولة احتلال معادية، وفي أجواء كان فيها الحيز العام محدوداً ومرتبطاً بالأعمال الخيرية والاغاثية أو النضالية السلمية، وكذلك في أجواء اضطرت الاعتبارات الأمنية والسياسية على اقتصار عضوية الجمعية على عدد محدود من الأفراد الموثوق بهم.
في التسعينيات، بدأ ازدياد عدد المنظمات الأهلية بصورة متسارعة، ولكن في ظل ثلاثة متغيرات مهمة حددت معالم عملها واهتماماتها: أولها: اتفاق أوسلو وما أدّى إليه من تخلخل في المشروع الوطني الفلسطيني واختلافات في استشراف المستقبل. وثانيها استمرار هيمنة الاحتلال الإسرائيلي على مقدرات الشعب الفلسطيني كافة رغم قيام سلطة وهمية أو نشأة ما يمكن أن يسمى «وهم الدولة» والتعامل معها على هذا الأساس. أما ثالثها، فتدفق الدعم المالي ذي الدلالات السياسية للمنظمات الأهلية وللسلطة الفلسطينية على حد سواء. هذه المتغيرات كانت ذات تأثير بالغ الأهمية على تطور المنظمات الأهلية بشكل عام، والمؤسسات النسوية بشكل خاص، وسوف أحاول أن أحدد بعض معالم هذا التأثير.
اتفاق أوسلو وما تلاه من إقامة السلطة الفلسطينية على أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة وضع المنظمات الأهلية في مواقف متباينة، كان أبرزها النقاش الذي انخرط فيه الجميع تقريباً في شأن دور المنظمات الأهلية وانتقالها من مرحلة «الصمود» إلى «الصمود والتنمية» إلى «بناء الدولة». لسنوات عديدة غاب عن الأذهان أن هذه الدولة «وهمية» في ظل الاحتلال وممارساته وعدم قدرة الفلسطينيين على السيطرة على أدنى مقدراتهم. انخرطت المنظمات الأهلية في قضايا هي دورها الطبيعي في أجواء طبيعية مثل مناقشة مسودات القوانين الفلسطينية المستحدثة، أو خطط التنمية، أو الرقابة على انتهاكات حقوق الإنسان (من قبل السلطة الفلسطينية أكثر من الاحتلال الإسرائيلي).
لا يمكن الزعم أن هذه المرحلة كانت هدراً للوقت والجهد، فقد كانت رهينة المرحلة وملامحها، كان هناك القليل من الانجازات المهمة. وعلى صعيد عمل المؤسسات النسوية، تم طرح قضايا لم يكن من الممكن طرحها من قبل، ولم توضع من قبل أيضا على أجندة أي من الأحزاب السياسية أو الجمعيات الخيرية أو حتى السلطة الفلسطينية، وأهمها قضايا العنف ضد المرأة، التي طالما كانت من القضايا المسكوت عنها، بل التي يتم إنكار وجودها في المجتمع الفلسطيني. كما تمّ العمل بجدية على مشاركة المرأة السياسية، وتحديداً بعد الفشل الذريع للنساء في أول مجلس تشريعي فلسطيني منتخب، وبات الحديث عن «الجندر» ومساواة النوع الاجتماعي موضة شائعة.
في ظل وهم «بناء الدولة» تعاملت المنظمات الأهلية وعوملت من قبل السلطة الفلسطينية والممولين على أنها «قوى معارضة» تراقب الدولة وتخضعها للمساءلة والمحاسبة. وعلى الرغم من أن هذا الدور هو من أحد أهم أدوار المنظمات الأهلية في الواقع الطبيعي، إلا أنه أدى إلى ظواهر عديدة، منها الاحتكاك الى حد المواجهة أحياناً مع السلطة الفلسطينية، وتحديداً فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان واتهامات الفساد المتبادلة، وقضايا التسجيل والرقابة على المنظمات الأهلية، والتمويل الأجنبي. تحولت المنظمات الأهلية تدريجياً إلى أسيرة للتمويل الأجنبي الذي سعى بطريقة ممنهجة لفرض أجندات متعددة، بدءاً بالمجالات التي يمكن تمويلها مروراً بنوع الأنشطة ومن ينفذها ومن يستفيد منها.

التمويل الأجنبي والاستقطاب
التمويل الأجنبي أدى الى تأثيرات متعددة، منها التنافس على التمويل مع مؤسسات السلطة الفلسطينية ومع منظمات أهلية قريبة من السلطة أنشئت بغرض استقطاب التمويل، وحتى بين المنظمات الأهلية فيما بينها، مما أدى ببعض المؤسسات إلى تغيير برامجها أو العمل في مجالات لم تكن ضمن اهتماماتها سابقاً. كما أدى التمويل إلى ابتعاد المنظمات الأهلية، وتحديداً تلك ذات الطابع الجماهيري، تدريجياً عن جماهيرها بحجة «المهنية» واشتراط التوظيف بمعايير محددة لا ترتبط بالضرورة بمجال عمل المنظمة الأهلية، فالمؤسسات النسوية لم توظف ناشطات الحركة النسوية بل موظفات يمكنهن كتابة مقترحات المشاريع والتخاطب مع الممول الأجنبي بلغة معولمة بعيدة أحياناً عن النضال النسوي الفلسطيني المقاوم للاحتلال. كما قتل التمويل الأجنبي روح التطوع والرغبة في المشاركة بسبب الانتماء لقضية، فالمشاركة باتت مشروطة بالاستفادة المادية. التمويل الأجنبي أيضاً زاد من صعوبة التخطيط المتوسط أو الطويل المدى حتى أصبح عمل المنظمات الأهلية قائماً على مشاريع متكررة وتراوح مكانها، لا تتجاوز غالباً ما بات يعرف ببناء القدرات وتقييم الاحتياجات، الذي ينتهي عادة باستثناء الاحتياجات الحقيقية للنساء والتركيز على المشاريع التي يمكن أن تمول.
إلا أن الإشكاليات لم تكن فقط خارجية، بل هناك إشكاليات داخلية تتعلق بحاكمية هذه المؤسسات والمكونة عادة من مجالس إدارة محدودة ويتم تجديد عضويتها بانتخابات شكلية. الإدارة التنفيذية العليا ثابتة في غالبية هذه المؤسسات، وقليلاً ما يتم تغيير المدير التنفيذي، حتى أصبحت بعض المنظمات الأهلية تعرف بأسماء مدرائها الذين يعتبرون المتنفذين الحقيقيين في المنظمة. أدى هذا الأمر إلى حالة إحباط لدى العديد من القيادات الشابة التي انضمت للمنظمات الأهلية إيماناً منها بقناعات محددة.

وهم بناء الدولة
شكل العام 2000 واندلاع الانتفاضة الثانية نقطة تحول رئيسية، فقد كشف زيف العديد من الأوهام. اكتشفت المنظمات الأهلية تماماً كما السلطة الفلسطينية وهم «بناء الدولة» ووهم ابتعاد برامجها عن احتياجات الناس وهمومهم، مما ترك فراغاً كبيراً تم ملؤه من قبل جمعيات خيرية قريبة من الاتجاهات الإسلامية التي اقتربت من الناس قدر ابتعادها عن السلطة في ذلك الوقت. النظرة الفوقية المتعالية للدور الإغاثي للمنظمات الأهلية كانت في الوقت نفسه سبباً ونتيجة للابتعاد عن الناس وهمومهم واحتياجاتهم. أما الجماهيرية التي ميزت اللجان الشعبية والنسوية للتنظيمات والأحزاب الفلسطينية، فقد فقدت تدريجياً مع ادعاءات المهنية والعزوف عن التطوع، في حين لم تتطور المهنية بحكم قصر عمر المشاريع الممولة ذات الطابع السياسي، وغياب الأطر النظرية والفكرية، وفقدان بوصلة المشروع الوطني.
مع تدمير البنى التحتية للسلطة الفلسطينية والاجتياحات الإسرائيلية والحرب اليومية المستمرة، من الواضح أن المنظمات الأهلية الفلسطينية يجب أن تتبنى برنامجاً نضالياً مقاوماً للاحتلال بالدرجة الأولى، كما أن الطابع الإغاثي المعزز لصمود الناس وبقائهم على الأرض ليس بالأمر المستهجن، أو الذي يمكن التغاضي عن أهميته في أي وقت من الأوقات، وتحديداً في ظل الحاجة الماسّة لهذا الدعم في ظل الحصار والإفقار والدمار. أما الجماهيرية، فليست خياراً للمنظمات الأهلية التي تعمل على قضايا مجتمعية وقضايا تتطلب التأثير في الرأي العام وتغيير الثقافة السائدة. والجماهيرية تتطلب مصداقية عالية وشفافية في الأداء، وإعلاناً لمصادر التمويل، وتغيراً دورياً وفعالاً ضمن انتخابات حقيقية لمجالس الإدارة، وفتح باب العضوية للأعضاء الذين يؤمنون بدور المنظمة ويرغبون بالتطوع ويجدون أنفسهم من خلال تحقيق أهداف المنظمة وليس من خلال مكاسب مادية.

هديل رزق قزاز ناشطة نسوية ومديرة برنامج النزاهة من أجل الفقراء في مؤسسة تيري في رام الله.