| 

لم يكن الاختلاف في المجتمع الفلسطيني وليد الانقسام، فالاختلاف بين السلطة ومنظمات العمل الأهلي كان ولا يزال قائماً على عدم فهم طبيعة عمل تلك المؤسسات، وهو اختلاف يظهر في أدق تفصيلات حياة الفلسطينيين. وعلى الرغم من أن القانون الذي ينظم العلاقة بين منظمات العمل الأهلي والسلطتين القائمتين، هو القانون ذاته الساري المفعول في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلا أننا نرى أن الإجراءات القمعية المتخذة ضد تلك المؤسسات هي ذاتها، فالحكومتان تتسابقان في التعسف ضد منظمات العمل الأهلي.
ومنذ نشأة السلطة الفلسطينية، لم تكن العلاقة على ما يرام بين المنظمات الأهلية والسلطة، وشهدت فترات من التهميش ومحاولة الاستقطاب والسيطرة عليها من قبل السلطة، خاصة من قبل أجهزتها الأمنية. وعلى الرغم مما قامت به المنظمات الأهلية، لم تسلم من النقد طوال فترة عملها منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية وحتى الآن، حيث ازدادت الانتهاكات بحقها وبحق العاملين فيها، وكانت هناك محاولات عدة لتهميش دورها.
ويحدث ذلك في ظل تميز العمل الأهلي الفلسطيني، الذي لا يزال يتسم بخصوصية كبيرة لما لعبته تلك المؤسسات من دور وطني كبير في مقاومة الاحتلال، وساهمت ولا تزال تساهم في تعزيز صمود الفلسطينيين، وتلعب دورا مميزا في بناء المجتمع الفلسطيني، وشكلت إضافة نوعية في التطور الاجتماعي والثقافي والوطني والسياسي من خلال النهوض بالفئات المهمشة والخدمات التي تقدمها لقطاع كبير في المجتمع الفلسطيني.

المنظمات الأهلية والكفاح الوطني
فالمنظمات الأهلية صاحبة تاريخ طويل وشريك أصيل في النضال الفلسطيني ضد الاحتلال وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني ومقاومة الاحتلال ودحره وتقرير المصير، ولها باع طويل في العمل من أجل تعزيز الديموقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، وهي لا تزال تقوم بدور كبير في السعي لرفع الحصار الظالم وغير الشرعي المفروض على الفلسطينيين في قطاع غزة.
أما الموقف الوطني الذي مارسته مؤسسات العمل الأهلي الفلسطيني خلال العدوان الإسرائيلي الهمجي على قطاع غزة، فيحسب لها في سجلها الوطني، فمواقفها الوطنية في مواجهة العدوان وآثاره الكارثية لم تقتصر على الإغاثة الإنسانية فقط، بل تجاوزت ذلك إلى مواجهة العدوان وفضح الموقف الأوروبي والدولي المتخاذل والصامت على الجريمة في أثناء العدوان وبعده.

المؤسسات الأهلية في حمى الصراع الداخلي
ومع ذلك، اتهمت تلك المؤسسات دوما بالتدخل في الشأن الداخلي الفلسطيني من قبل فئات عديدة في المجتمع الفلسطيني، منها بعض الأحزاب، وبالطبع بعض أطراف السلطة، لما تقوم به تلك المؤسسات من مهام وطنية تكاملية. وفي مراحل عدة من السنوات الماضية، تعرضت المنظمات الأهلية لاتهامات باطلة لا لسبب إلا السيطرة عليها وعلى مقدراتها ومشاريعها، وهو ما يُخشى أن يكون هدف النظام السياسي الجديد أيضاً، سواء في الضفة الغربية المحتلة أو قطاع غزة.
فقد ازدادت حدة التحريض على مؤسسات المجتمع المدني على إثر الانقسام الذي شهده المجتمع الفلسطيني منذ سيطرة حركة «حماس» على قطاع غزة بالقوة العسكرية، وتفاقم حدة التجاذبات وسعي طرفي الصراع إلى استقطاب مؤسسات المجتمع المدني، خاصة الجمعيات الخيرية، وهو أمر لم يكن وليد اللحظة أو من باب المصادفة، ومع ذلك فشلت كل المحاولات في تقويض عملها.
ومن المحزن افتراض سوء النية عند القائمين على المؤسسات والعاملين فيها، والتشكيك في ذممهم وأخلاقهم، مع العلم بأن القانون ينظم عملية المراقبة والمحاسبة، وقد منحت السلطتان في الضفة الغربية وقطاع غزة لنفسيهما سلطات واسعة من أجل السيطرة على تلك المنظمات من خلال السلطات التقديرية للمسؤولين في وزارتي الداخلية أو الوزارات المختصة في الإشراف على منظمات العمل الأهلي.
وتعبر الحال التي يمر فيها الفلسطينيون عن عمق الأزمة واستمرار طرفي الصراع في فرض وقائع جديدة يومية على الأرض في محاولة لإحكام السيطرة على المنظمات الأهلية، كل وفق رؤيته وبرنامجه السياسي والفكري، وكانت لذلك تداعيات خطيرة على حرية عمل المؤسسات الأهلية، بما في ذلك الاعتداء على حقها في العمل والتدخل السافر في عملها.

بين حكومتين
ويمكن في هذه السياق الإشارة إلى ما جرى بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة في حزيران 2007، من صدور قرارات ومراسيم رئاسية ووزارية بحق الجمعيات الخيرية التابعة لحركة حماس في الضفة الغربية، وإغلاق وتغيير مجالس الإدارة في عدد منها ومصادرة محتويات بعضها، وهو ما اعتبرته منظمات العمل الأهلي الفلسطيني تعسفاً وانتهاكاً للقانون وتعديا على سيادته، وطالبت الرئيس وحكومة رام الله بالتوقف عن مثل هذه الإجراءات التعسفية.
فما تشهده الحالة الفلسطينية من قرارات تتخذها الحكومتان في الضفة الغربية وقطاع غزة، بما تنطوي عليه من تعسف ضد منظمات العمل الأهلي، لا علاقة له بالقانون وسيادته، فأي قانون هذا الذي يسمح لمجموعات مسلحة بالسيطرة في ليلة واحدة على عشرات الجمعيات ومصادرة محتوياتها ولم تتم إعادتها حتى يومنا هذا؟
وأي قانون هذا الذي يسمح لوزير أو وزارة باتخاذ قرار بالسيطرة على مقار جمعيات خيرية لديها مجالس إدارة منتخبة بحسب القانون، ومنع تلك الجمعيات من توزيع المساعدات الإنسانية والإغاثية؟
ما يجري في الأراضي الفلسطينية هو إحكام للسيطرة على منظمات العمل الأهلي، ويعكس عدم إيمان الحكومتين بالتعددية، ودور المجتمع المدني في بناء المجتمع الفلسطيني، والخطوات التي تتخذ تصب في باب السيطرة على تلك المنظمات. فحركة حماس مثلا منذ الاقتتال الداخلي في العام 2006، وقبل سيطرتها على قطاع غزة، سيطرت على الاتحاد العام للنقابات العمالية ومقره العام، وشكلت نقابات موازية مثل النقابات العمالية الإسلامية كبديل عن الاتحاد العام للنقابات العمالية الفلسطينية، وشكلت نقابة المعلمين، وغيرها من النقابات والاتحادات والأندية الرياضية والجمعيات الأخرى، وترفض الاعتراف بالاتحادات النقابية القائمة.
وتندرج الإجراءات التي تقوم بها حركة حماس وحكومتها في سياق إحكام السيطرة والاستحواذ على المجتمع الفلسطيني، ولا تبدو الحركة مقتنعة بأن الأدوار القائمة في المجتمع تتوزع بناء على ألوان الطيف السياسي، والتعددية السياسية والفكرية في المجتمع الفلسطيني، والتي سبقت قيام حركة «حماس».
في المقابل، فإن ما يجرى في الضفة الغربية من سن قوانين واتخاذ قرارات بحق منظمات العمل الأهلي نابع من عدم قناعة السلطة في رام الله بطبيعة عمل تلك المنظمات ودورها. وعلى الرغم من التبريرات الصادرة من السلطة بأن الاستهداف هو بحق المنظمات التابعة لحركة حماس، إلا أن هذا الاستهداف لم يستثن المؤسسات الأخرى غير التابعة لحركة حماس، والتي تختلف مع السلطة، وإن كانت بدرجة أقل من تلك الإجراءات المتخذة بحق المنظمات التي تديرها حركة حماس أو مقربون منها.
وقد بات الفلسطينيون يلحظون استمرار صدور قرارات تحد من الحريات العامة وتقييدها سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، إلى الحد الذي دفع مسؤولة في مجال المنظمات غير الحكومية في وزارة الداخلية الفلسطينية إلى التصريح في تموز 2010، بأنه «إذا كان هناك داع لعدم منح تراخيص للمؤسسات الأهلية لأسباب أمنيه فلن تتردد الوزارة في ذلك»!
بدورها، فإن المنظمات الأهلية التي تمارس عملها وفقا للقانون، لا ترى مشكلة في قيام وزارة الداخلية والوزارات ذات الاختصاص في كل من الضفة والقطاع بتفعيل دورها الرقابي على عمل منظمات المجتمع المدني، بما يتفق وينسجم مع الآليات المحددة وفقاً للقانون باعتباره الناظم الرئيس لعلاقة هذه المنظمات بالجهات الرسمية ذات الاختصاص.
غير أن المشكلة تكمن في عدم إدراك الحكومتين في رام الله وغزة للعلاقة التكاملية مع منظمات العمل الأهلي، وضرورة وقف جميع الانتهاكات الخطيرة المرتكبة والمتكررة بحق هذه المنظمات، والتراجع عن النظر إليها على أنها تنفذ سياسات وأجندات خارجية، والتعامل مع المنظمات الأهلية من خلال القانون وروحه، وعلى قاعدة الشفافية التي تمارسها المنظمات، من خلال عقد جمعياتها العمومية ونشر تقاريرها القانونية والمالية. والقاعدة في التعامل يجب أن تكون من خلال معالجة الأخطاء وليس افتراض سوء النية والشك، والمحاسبة.
الحكومتان مطالبتان بتقديم كشف حساب للناس والمنظمات الأهلية، ونشر تقارير كل منهما وميزانيتهما بشفافية، وعدم التمييز في العلاقة مع الناس ومنظمات العمل الأهلي على أساس سياسي، والكف عن التدخل في عمل هذه المنظمات ووقف السيطرة عليها وعدم التعامل مع القائمين عليها كمشتبه بهم، مطلوب منهم تقديم كشف حساب دائم عن كل شيء، إلى جانب فهم طبيعة عمل المنظمات الأهلية وصدق نياتها في تقديم الخدمات للمواطنين.

مصطفى إبراهيم باحث وحقوقي في الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الإنسان، غزة.