| 

يمكن التأريخ لبداية العمل الأهلي في فلسطين في العقد الثاني من القرن الماضي من خلال الجمعيات المسيحية ـ الإسلامية، حيث انحصر دورها بالجانب الخيري، إلا أن الدور الأهم هو ما قامت به مؤسسات العمل الأهلي بتكويناتها المختلفة في الانتفاضة الأولى والذي يعتبر جديرا بالاهتمام والتحليل، لاسيما عند مقارنته بالأدوار التي يقوم بها المجتمع الأهلي حاليا في ظل تأسيس السلطة وفي مرحلة ما بعد السلطة وتفتيتها.
تعتبر حالة المجتمع المدني الفلسطيني بشكل عام، ومجتمع العمل الأهلي على وجه الخصوص، حالة فريدة من نوعها، حيث تطور عملها في ظل الاحتلال وفي غياب الدولة ومؤسساتها الخدمية والتنموية. ولعبت المؤسسات الأهلية من الناحية الموضوعية دور مؤسسات الدولة في غياب الدولة، من تعليم وصحة وإغاثة وتنمية... الخ. واستطاعت الوصول إلى أكثر الفئات احتياجا كجزء من نضال الفلسطينيين ومقاومتهم للاحتلال، ليشمل دورها تقديم خدمات أخرى كالعناية بالأسرى والدفاع عن حقوق الإنسان. وعلى الرغم من الطابع الاغاثي الذي قامت به المؤسسات الأهلية، إلا أن دورها كان سياسيا بامتياز، مقاوما للاحتلال ومعززا لصمود أبناء الشعب الفلسطيني فوق أرضهم. وقد امتد هذا الدور في غياب أو تغييب مؤسسات الدولة، إلى لعب رموز عدة من المجتمع المدني أدوارا سياسية تبدو في أحيان كثيرة بعيدة عن اختصاص عملها الأهلي. وليس أدل على ذلك من ان كثيرين ممن شاركوا في اللقاءات السياسية والدبلوماسية «كممثلين للفلسطينيين في الضفة وغزة» هم من المجتمع الأهلي، بل إن كثيرين ممن انضموا لاحقا الى المفاوضات في مدريد أو غيرها هم من رحم المجتمع المدني.

السلطة الفلسطينية والمجتمع المدني
ويمكن لنا الخلوص هنا إلى نتيجة مفادها أن حالة المجتمع الأهلي الفلسطيني فريدة واستثنائية، بل بالغة التعقيد، يستحيل معها عقد أي مقارنة مع الحالة الكلاسيكية في مجتمع من المجتمعات، حيث السلطة مقابل الفرد أو المؤسسة. فهنا النشأة والنشاط والأدوار تمت في غياب السلطة أو الدولة.
ومع تأسيس السلطة الفلسطينية وتوليها المهام الأساسية التي قامت بها المؤسسات الأهلية من الناحية الفعلية، فإن دور المؤسسات وفضاء عملها خضع لإعادة صوغ استجابة للتطورات المتمثلة بتأسيس السلطة وتنظيم العلاقة مع السلطة نفسها. فمن جهة، بقي الاحتلال جاثما على الأرض الفلسطينية ويتحكم بمختلف مناحي حياة الشعب الفلسطيني، ومن جهة ثانية، هناك سلطة مدعومة دوليا، أسند إليها كثير من الصلاحيات والولايات التي تمارس عليها حكمها. وغني عن القول إنها المرة الأولى التي يمارس فيها الفلسطينيون سلطة على جزء من أرضهم، وإن كانت سلطة منقوصة. فمنذ تأسيس السلطة نظر إليها باعتبارها سلطة وطنية، وبالتالي على النقيض من الاحتلال الذي كانت العلاقة معه علاقة مقاومة ورفض للتعامل معه، نظر المجتمع المدني إليها كسلطة وطنية من الواجب مشاركتها بناء ما دمره الاحتلال والانخراط في تأسيس البنى الديمقراطية، وفي عملية تنموية ديمقراطية، وخلق أسباب جذب الأفراد إلى دائرة الفعل السياسي والاجتماعي.
غير أن من المهم الإشارة في هذا السياق، إلى أن صدر السلطة أخذ يضيق بدور المجتمع الأهلي الذي استطاع، قبل ولادة السلطة نفسها، أن يراكم خبرة وثراء مهنيين، ولديه شبكات من العلاقة المتينة بالفئات المختلفة في المجتمع، وشبكة من العلاقات القوية بالممولين الدوليين والسياسيين. هذا كله ولد لدى السلطة قناعة بأن المؤسسات الأهلية أصبحت منافسة لها تمويليا وخدماتيا وسياسيا وتقوم بدور رقابي على أدائها، وأصبح ذلك مثار قلق جدي لدى أطراف من السلطة التي مارست الفساد وأنتجته بشكل خطير. وهو ما جعل العلاقة في حالة صعود وهبوط، بل وضع المؤسسات الأهلية في خانة الدفاع عن شرعيتها، حيث كيلت الاتهامات لها عن التمويل الأجنبي وما يفرضه من شروط على عمل تلك المؤسسات، على الرغم من أن الممول للسلطة ولمؤسسات المجتمع المدني هو نفسه، وكذلك التمويل السياسي وشروطه. فتارة اتهمت تلك المؤسسات بالفساد وشنت حملات واسعة عليها، وتارة أخرى تم تصنيفها كجزء من الطابور الخامس الذي يسعى، بما يقوم به من رقابة ودعوة لدمقرطة المجتمع وتعزيز العملية التنموية والقضاء على الفساد، إلى تقويض السلطة وخدمة المشاريع الغربية!
مع التطور الكبير الذي شهدته الأراضي الفلسطينية، وما قام به الاحتلال بشكل منظم لتقويض السلطة وإضعافها وخلق الحقائق على الأرض واستباق مفاوضات الحل النهائي بتسريع الاستيطان وتهويد القدس وتقييد حرية حركة الأفراد والبضائع، وكذلك مع التطور الأكبر المتمثل بحصول حركة «حماس» على الأغلبية في الانتخابات التشريعية التي جرت في العام 2006، ولاحقا سيطرة الحركة على القطاع، فإن البيئة التي تعمل فيها المؤسسات الأهلية، ولاسيما في قطاع غزة، أصبحت مختلفة تماما. ومن المهم التأكيد على أن الانقسام الحاصل هو البرهان الأكثر وضوحا على فشل الفلسطينيين في بناء مؤسساتهم، وعلى فشلهم في إدارة اختلافهم وتنظيم توتراتهم السياسية وتنافسهم الفصائلي والحزبي. كما أظهر بشكل واضح عمق الأزمة التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني ومختلف مكونات المجتمع، بما فيها مؤسسات المجتمع الأهلي.

المنظمات الأهلية وقطاع غزة
إن الواقع القائم حاليا في قطاع غزة يعكس الحالة الفريدة والاستثنائية التي يمر بها القطاع، وسنحاول رسم صورة للبيئة المعقدة التي تعمل فيها المؤسسات الأهلية، وهو ما يضعنا أمام أربعة من الأطراف تتحمل المسؤولية عن الواقع القائم في قطاع غزة، وبالطبع الحديث لا يدور على توزيع حصص ونسب لهذه المسؤولية:
أولا: الاحتلال، فهو المسؤول الأول عن تدهور الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية. إن قطاع غزة حتى ما بعد الانفصال أحادي الجانب الذي قام به الاحتلال في العام 2005 هو أرض محتلة وجزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث أن الاحتلال ملزم قانونا بتوفير الحماية للسكان المدنيين وتطبيق أحكام اتفاقية جنيف الرابعة. وبالرغم من ذلك، تمعن سلطات الاحتلال في فرض حصار مشدد وغير مسبوق على القطاع يلقي بتبعات كارثية على مختلف مناحي حياة المجتمع، وتجاوز كونه عقابا جماعيا ليؤسس لعملية تخليف de-development)) فاقمت من تدهور مختلف الأوضاع، لاسيما الأوضاع الإنسانية.
ثانيا: هناك حكومتان فلسطينيتان، واحدة في رام الله، والثانية في غزة، حيث يتمظهر الانقسام السياسي، مع وجود هاتين الحكومتين، في تفتيت واضح للنظام السياسي وللجغرافيا، من دون ممارسة الحد الأدنى من السيادة. ومنذ الانقسام، تحكم الفلسطينيين عقلية القبيلة، حيث الفعل والفعل المضاد. فعمل المؤسسة الأهلية أو الجمعية موضح ترحاب في رام الله إذا كان منتقدا لغزة، والعكس صحيح. وهو ما يلقي بتبعات خطيرة على عمل المؤسسات الأهلية التي تسير على خيط رفيع يزداد حدة يوما بعد يوم، وهي مضطرة في أحيان كثيرة للتوازن والحذر حتى في استخدام المصطلحات والمفردات.
ثالثا: من نافلة القول ان تاريخ الفلسطينيين هو تاريخ العلاقة بالمجتمع الدولي، حيث كان ولا يزال مسؤولا عنهم بهذا الشكل أو ذاك. غير أن ما يفرضه المجتمع الدولي من شروط وما يتبناه من سياسات ومواقف يؤثر بشكل واضح في كثير من مناحي حياة المجتمع الفلسطيني، وقد كانت السياسات التي تبناها ودافع عنها المجتمع الدولي سببا في تعميق الانقسام من جهة، وفي اعتماد الفلسطينيين بشكل خطير على ما يقدم من تمويل لتسيير شؤونهم وبقاء سلطتهم من جهة أخرى. وعلى سبيل المثال، تبنى المجتمع الدولي شعار «أعطوا السلام فرصة»، الأمر الذي تسبب في غض الطرف عما ارتكبته دولة الاحتلال من جرائم وممارسات تسببت في وصول عملية السلام إلى نهايتها التي أرادها الإسرائيليون. إن الشروط التي تفرضها اللجنة الرباعية الدولية الآن تساهم بدورها في تعميق الانقسام، وتخلق من قطاع غزة «حالة إنسانية». وتكفي الإشارة إلى أن ما يزيد على 80% من عائلات القطاع تعتمد على المساعدات الإنسانية المقدمة من وكالة الغوث أو غيرها من المؤسسات الدولية. وهو ما عكس نفسه في تكريس طابع التمويل الإغاثي للقطاع، الذي أصبحت مشكلته تكمن بالتعامل معه بوصفه «حالة إنسانية» على الرغم من كونه «حالة سياسية» بامتياز، فهو ليس دارفور أو الصومال، بل يعاني أزمة المتسبب بها هو الاحتلال بما يقوم به من حصار وتدمير.

التحديات
في ضوء هذا الاستعراض السريع للبيئة التي يعمل فيها المجتمع الأهلي الفلسطيني، يمكن إجمال أبرز التحديات التي يواجهها بما يلي:
1 ـ عدم القدرة على استشراف المستقبل uncertinety))، فالحالة الفلسطينية حالة متغيرة ومليئة بالمفاجآت، يصعب معها التنبؤ بكثير من التطورات، فلم يكن أحد يتوقع أن تفوز حركة حماس بهذه الأغلبية في الانتخابات الأخيرة، وكذلك سيطرة الحركة على القطاع واستمرار الانقسام كل هذه السنوات. ولم يتوقع أحد أن تشن دولة الاحتلال عدوانا همجيا ترتكب خلاله ما ارتكبته من تدمير وجرائم حرب، كما أن أحدا لا يمكنه التنبؤ بالمدى الذي يمكن أن تصل إليه إسرائيل في تنفيذ تهديداتها بشن عدوان جديد على القطاع. كل ذلك يضعف قدرة المؤسسات الأهلية على التخطيط وتنفيذ برامجها.
2 ـ تحويل القطاع إلى «حالة إنسانية» وتوجيه الاهتمام والتمويل إلى العمل الإغاثي، بل قيام المؤسسات الدولية نفسها به دونما دور يذكر للمؤسسات الأهلية. فوكالة الغوث «الأونروا» على سبيل المثال، لم تصبح فقط أكبر مزود للخدمات في القطاع، بل تتوسع في برامجها لتطال غير اللاجئين، بما يشمل العمل في قطاعات ومجالات جديدة كإعادة الإعمار. كل ذلك يتم على حساب العملية التنموية التي لا يوجد من هو راغب من طرف الممولين في تقديم أي مساعدة أو دعم لها.
3 ـ الانقسام السياسي الذي يتعمق يوميا، حيث يحاول كل طرف إلغاء الآخر وإقصائه بالترافق مع تغول خطير في المجتمع، وأصبح الإعلام والمؤسسات ضحايا في سياق تعمق هذا الانقسام. وبالنتيجة النهائية، اتجهت مساحة الحرية وهامش العمل الأهلي نحو مزيد من التضيق، إضافة إلى محاولة جذب المؤسسات الأهلية وتوظيف مواقفها خدمة لهذا الطرف أو ذاك.
4 ـ استمرار إجراءات الاحتلال الذي يسعى في سباق مع الزمن إلى حسم القضايا الكبرى كالقدس والاستيطان عبر خلق وقائع جديدة على الأرض، لاسيما عبر تهويد المدينة المقدسة ومصادرة مزيد من الأراضي وإقامة مزيد من المستوطنات. كما لا يزال الاحتلال يلعب دورا رئيسيا في تعميق الانقسام الفلسطيني عبر ما يفرضه من حصار وتفتيت لوحدة الجغرافيا.
إن ما سبق يسهم في إضعاف مؤسسات المجتمع الأهلي، الأمر الذي يشكل خطورة شديدة على الدور الذي تقوم به، خصوصا أن الأراضي الفلسطينية لا تزال محتلة، وأن قطاعات كثيرة وفئات عديدة بحاجة إلى ما تقدمه تلك المؤسسات من خدمات وما تنفذه من برامج وما تقوم به من عمل مهني مقاوم تجلى في العدوان الأخير على القطاع وما قامت به لإنجاح مهمة القاضي ريتشارد غولدستون، وملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين.

عصام يونس مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان في غزة.