| 

لا أعتقد أنه يوجد مثال آخر على المستوى العالمي تتداخل فيه القضايا وتتشابك، ويظهر الأمر ونقيضه في كل تفصيلية كما هو الحال في فلسطين، وتحديداً في الأرض الفلسطينية التي احتلت عام 1967، فالاحتلال جاثم ويتحكم بكل شيء، وفي المقابل يجري الحديث عن سلطة ودولة فلسطينية وتشريعات وولايات قانونية لا تتجاوز من الناحية العملية حدود الورق المكتوبة عليه، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتطبيق والممارسة الحقيقية لها، وما يجعل الأمر أكثر تعقيداً هو حالة الانقسام الفلسطيني الداخلي.
لعبت المؤسسات الأهلية والجمعيات الخيرية دوراً بارزاً في مسيرة النضال الفلسطيني، ووجد النشطاء المجتمعيون الفلسطينيون الطرق المختلفة لإنشاء الجمعيات والأطر النقابية المختلفة والمؤسسات والمراكز التنموية، ولم يكن يسيراً تحت سلطة الاحتلال إنشاء الجمعيات والمؤسسات وتسجيلها، حيث كان للضابط العسكري المسؤول ولجهاز أمن الاحتلال الكلمة الأساس والتدخل المباشر في عمل الجمعيات القائمة، سواء من حيث رفض نتائج الانتخابات أو توجيه الأمر لأحد المرشحين بالاستقالة أو لجهة قبول العضوية. وكان ينظم عمل الجمعيات الخيرية في الضفة الغربية القانون الأردني رقم 33 لسنة 1966، وفي قطاع غزة قانون الجمعيات العثماني لعام 1907، إضافة إلى الأوامر العسكرية الاحتلالية العديدة المتعلقة بهذا الشأن(1)، وقد كان للقائمين على إنشاء مؤسسة «الحق»، مؤسسة حقوق إنسان فلسطينية، في الضفة الغربية عام 1979، الريادة في الالتفاف على قانون المحتل من خلال استغلال نقطة في القانون الأردني الذي يتيح تسجيل ما يسمى شركة غير ربحية لدى مسجل الشركات، وهذا ما تم عمله، حيث استخدمه العديد من المؤسسات فيما بعد كوسيلة للالتفاف على قانون الجمعيات.
بقي الأمر على هذا الحال إلى فترة إنشاء السلطة الفلسطينية بموجب اتفاقية أوسلو عام 1994 ونقل بعض السلطات المدنية إليها في بعض المناطق المحتلة على أن يبقى أمر «الأمن الأعلى» في يد القائد العسكري لقوات الاحتلال الذي يمتلك السلطة العليا فيما يخص تقدير الأمن، الأمر الذي اتضح معناه وترجماته عندما أعادت قوات الاحتلال تموضعها عام 2002 واجتاحت المدن في الضفة الغربية، وبعد ذلك أخذت تتصرف حتى في القضايا التي قامت بنقل المسؤولية عنها إلى السلطة الفلسطينية، ومنها موضوع الجمعيات.


في ظل السلطة
عام 2000 أقر المجلس التشريعي الفلسطيني الأول «قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية الفلسطيني رقم (1) لعام 2000»، والذي كان لناشطي ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني دور أساس في صوغه بما يتلاءم بما يتناسب والواقع والاحتياج الفلسطيني، ولذلك يمكن اعتباره قانوناً عصرياً راعى الكثير من الحقوق والمبادئ التي تتناسب والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، خاصة فيما يتعلق بالحق في تشكيل والانضمام للجمعيات. وبالتالي، فإن للفلسطيني الحق بتأسيس الجمعيات أو الهيئات الأهلية شريطة «أن يراعي مجموع الشروط التي يتطلبها القانون بشأن تسجيل الجمعيات»، وبذلك فإن عبارة «التسجيل» هي التي استخدمت وليس الترخيص. وجهة التسجيل في هذه الحالة وزارة الداخلية ومديرياتها المختلفة. وتنقسم شروط التسجيل لتشمل الحد الأدنى للأشخاص المؤسسين وشروطاً أخرى شكلية تتعلق بنماذج واستمارات وأنظمة يجب أن تتم تعبئتها وتقديمها للجهة المختصة، والنظام الأساسي للجمعية الذي يتضمن الإطار المرجعي الذي يحكم الجمعية ويبين طبيعة عملها وكيفية اتخاذ القرار فيها وصلاحيات ومهام هيئاتها المختلفة، إضافة إلى مجموعة بيانات أخرى يجب أن يتضمنها النظام.
وأعطى القانون وزارة الداخلية شهرين من تاريخ تقديم الطلب لدراسته وإصدار القرار بقبوله أو رفضه. وإذا انتهت مدة الشهرين ولم تصدر قرارها فإن الجمعية تعتبر مسجلة بحكم القانون. ويحدّد القانون حق «الداخلية» برفض الطلب خلال مدة الشهرين بأن يكون الرفض مسبباً وصادراً عن وزير الداخلية، ويسلم خطياً للمؤسسين. وفي هذه الحالة، يحق لمقدمي الطلب المرفوض الطعن بقرار الرفض أمام المحكمة المختصة (أي المحكمة العليا الفلسطينية) خلال مدة أقصاها ثلاثون يوماً من تاريخ تبليغ القرار خطياً للمؤسسين.
في حال تسجيل جمعية أو هيئة أهلية، فهذا لا يعتبر تسجيلاً أبدياً، حيث يمكن لوزارة الداخلية إلغاء التسجيل إذا لم تباشر الجمعية أعمالها الفعلية خلال العام الأول من تاريخ تسجيلها ما لم يكن عدم مباشرة الجمعية ناشئاً عن ظروف قاهرة خارجة عن إرادة الجمعية أو الهيئة. كما يمكن لوزارة الداخلية أن تقوم بحل أي جمعية وإنهاء وجودها القانوني بغض النظر عن تاريخ تسجيلها إذا ثبت للوزارة مخالفة الجمعية لنظامها الأساسي مخالفة جوهرية. واشترط القانون قبل إلغاء التسجيل أو حل الجمعية أن يتم إنذارها بكتاب رسمي من وزارة الداخلية يطالبها بالعمل على تصويب المخالفة التي ارتكبتها، وفي هذه الحالة يجب منح الجمعية مدة ثلاثة أشهر لتصحيح أوضاعها فإن لم تستجب يحق للوزير إصدار قراره المتعلق بالحل شريطة أن يكون هذا القرار خطياً ويبين الأسباب التي تم الاستناد إليها كمبررات للحل. وفي هذه الحالة، يحق للجمعية الطعن في القرار أمام المحكمة المختصة (محكمة العدل العليا) خلال مهلة شهرين من تاريخ استلامها للقرار. وخلال فترة الطعن يحق للجمعية الاستمرار بأعمالها إلى حين صدور قرار قضائي موقت أو نهائي يقضي بتوقيفها عن عملها أو حلها.
في حال تمّ حلها واستنفدت الإجراءات القانونية، يعين للجمعية مصفٍّ ويقوم بجرد أموالها وممتلكاتها ويجب أن يتم التصرف بهذه الممتلكات وفق ما ينص عليه النظام الأساسي للجمعية، وإذا لم يذكر في النظام الأساسي ما ينص على كيفية التصرف بأموالها حين الحل تقوم وزارة الداخلية بتحويل أموال الجمعية إلى الجمعيات والهيئات ذات الغاية المماثلة بعد تسديد الرواتب ومكافآت وحقوق موظفي الجمعية.
تجدر الإشارة إلى أنه لا يحق لوزارة الداخلية ممارسة الرقابة والتفتيش على الجمعيات، بل يمكنها ذلك في حالة صدور قرار خطي معلل من الوزير المختص (وزارة الاختصاص) يطالب وزارة الداخلية بالتثبت والتأكد من أن أموال الجمعية قد صرفت في سبيل الغرض الذي خصصت من أجله. ولا يحق لوزارة الداخلية أو وزارة الاختصاص التدخل في إجراء الجمعية لانتخاباتها أو الحضور والإشراف على الانتخابات، وذلك بموجب المادة 46 من اللائحة التنفيذية للقانون.

البيئة القانونية
وبشأن الإشكاليات والصعوبات، بل والبيئة القانونية التي تواجه عمل الجمعيات في الأراضي الفلسطينية، يمكننا حصر وتحديد أهم ما تواجهه الجمعيات الفلسطينية من تحديات بالنقاط التالية:
أولاً: تدخل وزارة الداخلية في اجتماعات الهيئات العامة للجمعيات واجتماعات الانتخابات وطلبها ضرورة حضور ممثل عنها أو عن وزارة الاختصاص للإشراف على سير هذه الاجتماعات، ويعتبر هذا العمل انتهاكاً وتجاوزاً صارخاً من قبل الوزارة لأحكام قانون الجمعيات ولائحته، لكون اجتماعات الجمعيات العمومية بحسب القانون واللائحة التنفيذية اجتماعات خاصة ولا حق لأي جهة رسمية المشاركة فيها أو الإشراف عليها أو التدخل فيها.
ثانياً: إجراء تدقيق مالي من قبل وزارة الداخلية على الجمعيات. ويعتبر هذا العمل أيضاً انتهاكاً وتجاوزاً صارخاً من قبل الوزارة لقانون الجمعيات الخيرية لكون التدقيق المالي حسب القانون يمكن أن يتم في ظروف معينة وبناء على طلب رسمي من وزير الاختصاص وبشأن قضايا محددة بذاتها وليس على عمل الجمعية ككل.
ثالثاً: مطالبة الجمعيات بتزويد وزارة الداخلية بتقاريرها المالية والإدارية. ويعتبر هذا العمل انتهاكاً آخر من قبل الوزارة، لقانون الجمعيات لكون القانون قد حصر الجهات التي ترفع إليها التقارير المالية والإدارية بوزارة الاختصاص وليس لوزارة الداخلية.
رابعاً: إغلاق الأجهزة الأمنية لمقار بعض الجمعيات دون قرار قضائي. فقد أغلقت الأجهزة الأمنية الفلسطينية جمعيات فلسطينية عدة من دون الحصول على قرار من النيابة العامة أو القضاء الفلسطيني، علماً أن القانون قد اشترط صراحة بمقتضى المادة (41) عدم وضع اليد على أموال الجمعيات أو الهيئات، فلا يجوز وضع اليد على أموال أية جمعية أو هيئة أو إغلاق أو تفتيش مقرها أو أي من مراكزها وفروعها إلا بعد صدور قرار من جهة قضائية مختصة.
خامساً: تعليق تسجيل الجمعيات بالحصول على الموافقة الأمنية من المخابرات العامة والأمن الوقائي التي قد تستغرق أشهراً، بل هناك بعض الجمعيات التي تقدمت بطلبات التسجيل منذ عشرة أشهر ولم يستكمل تسجيلها لغاية هذه اللحظة لعدم رد جهاز الأمن الوقائي تحديداً. ويعتبر هذا العمل انتهاكاً وتجاوزاً صارخاً أيضاً من قبل الوزارة، لأحكام القانون الذي لا يوجد بمتن نصوصه أي شرط يعلق حق الفلسطينيين بتسجيل الجمعيات بالحصول على موافقة أمنية من الجهات الأمنية، وإنما يعتبر هذا العمل شأناً داخلياً على صعيد الوزارة.
سادساً: تغير مجالس إدارة الجمعيات. فقد قامت وزارة الداخلية باستبدال العديد من مجالس الإدارة للجمعيات القائمة بمجالس معينة من طرفها ومن أشخاص ليسوا أعضاء في الجمعية.
سابعاً: قامت الأجهزة الأمنية في العديد من الحالات بمصادرة أموال الجمعيات ووضع اليد عليها من دون أي قرار قضائي، ما يمثل مخالفة صارخة لقانون الجمعيات الذي نص على أنه «لا يجوز وضع اليد على أموال أية جمعية أو هيئة أو إغلاق أو تفتيش مقرها أو أي من مراكزها وفروعها إلا بعد صدور قرار من جهة قضائية مختصة».
أخيراً، إن استقراءنا واقع حقوق الفلسطينيين وحرياتهم في تكوين الجمعيات لا يمكن له أن يتم بموضوعية إذا ما أغفلنا الاحتلال الإسرائيلي الذي يبقى بلا شك من أهم المعوقات والمؤثرات الميدانية التي حالت ولا تزال تحول بين الفلسطينيين وإمكانية تمتعهم الفعلي بحقوق الإنسان وحرياته، حيث أن الاحتلال لا يزال يمارس دوره في الرقابة على عمل الجمعيات، بل والتدخل لإغلاق البعض منها حتى المتواجدة مقارها في قلب المدن الفلســطينية المصـــنفة بالمناطق (A)، مــا يعني عملياً أن الفلسطينيين كحكـــام ومحكومين هم بالنهاية تحت سيطرة وسلطة الاحتلال الإســـرائيلي الذي يتحكم بكل مناحي حياتهم.

شعوان جبارين مدير عام مؤسسة الحق في رام الله.
(1) عدِّل الأمر العسكري رقم 686 لعام 1981 الصادر عن سلطات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة المادة (2) من قانون الجمعيات العثماني بحيث أصبح مطلوباً عوضاً عن الإعلام بتأسيس الجمعية، وجوب أن يقدم المؤسسون طلب تسجيل للجمعية، وبالتالي خضعت الجمعيات لنظام الترخيص وليس التسجيل.