| 

إنها لمفارقة عجيبة ان يكون الفلسطينيون في لبنان قد تمكنوا منذ سنة 1948 فصاعداً، وعلى الرغم من أهوال اللجوء وآلام العيش في المخيمات وقمع السلطات العسكرية اللبنانية، من ان ينصرفوا الى العلم، والى اعادة تأسيس أنفسهم كجماعة بشرية متآزرة لها طموحات سياسية واجتماعية في الوقت نفسه. وفي هذا الميدان لمع بينهم كثيرون، ولا سيما في حقل الإبداع الأدبي والعلمي. وانـــها لمفـــارقة غريبة أيضا ان يتحول المجتمع الفلسطيني من مجتمع ساهم كثيراً في الازدهار الثقافي في لبنان الى مجتمع معتل ونازف وبلا مبدعين الى حد كبير.

رواد وأوائل
كان الفلسطينيون في لبنان رواداً في مجالات شتى، وأوائل في حقول متعددة. وهؤلاء، على الرغم من مأساة الاقتلاع واللجوء، تمكنوا من التغلب على شروط النفي القسري، وبادروا الى الخروج من قيودها، وأبدعوا في الحياة الثقافية اللبنانية أيما إبداع. فأول شركة لتوزيع الصحف والمطبوعات في لبنان أسسها فلسطيني هي شركة فرج الله. وأول متخصص برسم الخرائط هو الفلسطيني سعيد الصباغ. وأول فرقة للرقص الشعبي في لبنان أسسها الفلسطينيان مروان جرار ووديعة حداد جرار (شقيقة وديع حداد أحد مؤسسي حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين). وأول من اسس الفرق الكورالية الموسيقية هما الفلسطينيان ألفاريس بولس وسلفادور غرنيطة (عم المغنية مادونا). وأول من أسس مركز البحث العلمي الفلسطيني وليد الخالدي ومعه قسطنطين زريق (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)، وفايز صايغ (مركز الأبحاث الفلسطينية) ويوسف صايغ (مركز التخطيط الفلسطيني) وأنيس صايغ (الذي جعل مركز الأبحاث أحد أهم مراكز البحث العلمي في العالم العربي). وهؤلاء الثلاثة أشقاء فلسطينيون من اصل سوري عاشوا في لبنان، فهم سوريون وفلسطينيون ولبنانيون في آن.
ثم ان الفلسطينيين كانوا رواداً في ميادين اخرى أيضا، فمن رواد النقد الأدبي لمع محمد يوسف نجم. ومن رواد العمل الإذاعي برز كامل قسطندي وغانم الدجاني وصبحي أبو لغد وعبد المجيد أبو لبن وناهدة فضلي الدجاني. ومن رواد العمل المسرحي صبري الشريف الذي لولاه لما كانت اعمال الرحابنة، ولا سيما مهرجانات بعلبك، على مثال ذلك البهاء. ومن رواد علم الآثار في لبنان ديمتري برامكي. ومن رواد العمل القاموسي والمعجمي أحمد شفيق الخطيب وقسطنطين تيودوري. ومن بين الذين لمعوا في عالم الموسيقى حليم الرومي وابنته ماجدة الرومي وفاديا طنب (فاديا الحاج) وشقيقتها عايدة (رونزا) وعبود عبد العال وجهاد عقل ومحمد غازي وعبد الكريم قزموز (أفضل عازف رق في العالم العربي). ومن أبرز الصحافيين والكتّاب غسان كنفاني ونبيل خوري وسمير قصير وجهاد الخازن والياس صنبر، وفي الكاريكاتير ناجي العلي، وفي الفن التشكيلي بول غيراغوسيان وجوليانا سيرافيم وموسى طيبا، وفي التمثيل غسان مطر ومحمود سعيد ومارسيل مارينا. وفي تصميم الأزياء المصممة المشهورة إيلا زحلان.
أما اليوم، فيكاد الباحث لا يعثر، إلا بصعوبة، على اسم فلسطيني لامع في الميدان الثقافي، انه مجتمع ينزف بقوة، وكلما ظهرت فيه احدى المواهب الواعدة، فإن الأمر لا يطول كثيراً حتى تستجيب هذه الموهبة لنداء الهجرة، اما الى احدى دول الخليج العربي، او الى المهاجر الغربية البعيدة في أميركا وأوروبا الشمالية.
المجتمع الفلسطيني في لبنان بات مكرساً، منذ نحو عشرين سنة، للنضال في سبيل حقوقه المدنية البسيطة والأولية. وفي معمعان هذا السعي ينخرط معظم الناشطين الفلسطينيين في جمعيات أهلية تتخذ من الاعلام والاتصال وسيلة لإيصال المطالب الى الفئات السياسية اللبنانية الفاعلة. وبهذا المعنى فإن الثقافة، بما هي حقل ابداعي مستقل، تغيب لمصلحة الاعلام بما هو حقل للاتصال والتفاعل مع المجتمع اللبناني. وأبعد من ذلك، فإن المجتمع الفلسطيني، نتيجة للحروب المتمادية التي حاقت به، وخصوصاً منذ سنة 1982 فصاعداً، بات مجتمعا اشبه بالمحطة. أي ان معظم أفراد المرحلة العمرية الشبابية ينتظرون الهجرة للتخلص من البطالة في مجتمع لبناني طائفي يلفظهم، ويرفض منحهم أبسط الحقوق الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية.
لهذا يمكن القول اننا لم نتمكن من التقاط أي اعمال أدبية فلسطينية مهمة طوال سنة 2010، ولم نستطع العثور على أي اسم جديد في عالم الإبداع الأدبي. ولولا رواية «حليب التين» لسامية عيسى (دار الآداب، بيروت: 2010) وهي اعلامية مقيمة في الامارات العربية المتحدة، علاوة على بضعة كتب اخرى، لما وقعنا على أي أثر أدبي فلسطيني ذي شأن. وفي هذا السياق يمكن الاشارة الى كتاب جميل موجه للأطفال هو كتاب «قول يا طير» الذي صدر بإخراج لافت، وبنصوص لغوية مميزة وبرسوم جميلة أنجزتها ضياء البطل وجنى طرابلسي وصفاء نبعة. ويمكن الاشارة أيضا الى رواية «جفرا» لمروان عبد العال (دار الفارابي، بيروت: 2010) والى كتابين أصدرهما محمود شريح هما: «رسائل توفيق صايغ والطيب صالح» و«التوفيقيات المجهولة» (دار نلسن، بيروت، 2010)، وكذلك كتاب «جمال عبد الناصر آخر العرب» لسعيد أبو الريش (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت: 2010)، وهو كاتب فلسطيني مهاجر.

الفنون الجميلة
ثمة انحسار كبير في حضور الفنون الجميلة في الوسط الفلسطيني، ولولا بعض الومضات هنا وهناك لاعتقدنا ان مَعين الإبداع في المجتمع الفلسطيني قد نضب كلياً. ومهما يكن الأمر، فإن الاعمال الفــنية القـــليلة التــي ظـــهرت في لبنان على أيدي فلسطينيين ظلت محدودة الأثر في المجــتمع اللبناني الأوسع التي ان وجد من يشاهدها او يتابــعها فإنما يكون ذلك في المناسبات المتباعدة. وفي هذا السياق ظهــرت فـــرقة «راب» فلسطينية تدعى «كتـــيبة خمسة» في احد المخيمات، لكن اعمالها اعتبرت فناً دخيلاً وانها تنتمي الى عالم آخر لا صلة له بالتراث الغنائي الفلسطيني. وما لبثت هذه الفرقة ان ذوت. ولم يشهد لبنان أي معرض للفــنون التشــكيلية ما عدا معرضا واحدا اقامه الفنان محمد الشاعر. ومـــع ان السينما الفلسطينية تشهد ازدهاراً لافتاً منذ اكثر من عشـــر سنوات، إلا ان الفلسطينيين في لبنان يفتقرون الى مبدعين مميزين فـــي هذا الميدان لانعدام الرعاية بالدرجة الاولى، علاوة على الاســباب الاجتماعية والسياسية العامة لانحــسار الأدب والفن. ولولا فيلم «كما قال الشاعر» لنــصري حجـــاج لما أمكن تسجيل أي جهد في هذا الحقل. وينطبق هذا الأمر علــى المــسرح الذي ما زال يقتصر على بعض العروض في المناسبات الوطنية.
تبقى إشارة خــتامية وهي ان الفاعليات المتعددة التي جرت في سياق «القدس عاصــمة عربيــة للثقافة» في سنة 2009 لم تترك أي اثر واضح على الإنجاز الثقافي لسنة 2010، ولم تتمكن من تحفيز أي مبادرات ثقافية جدية او معمقة او ذات وزن.