| 

يمكن قراءة التجربة الكفاحية لفلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة طوال أربعة عقود، بمضامينها الوطنية والمجتمعية، من خلال دراسة التطورات التي دخلت على الحقل السياسي، منذ حرب حزيران 1967، ودور مختلف الفاعلين الاجتماعيين فيه وتفاعلهم مع جدليات التفكك والبناء مجتمعياً، الوحدة والانقسام سياسياً، الاستجابة والتحدي تحررياً.
ففي السنوات التالية للحرب، انخرط الفلسطينيون في عمليات تواصل وتفاعل ثقافي وتجاري واجتماعي وسياسي وكفاحي، رداً على تحدي الاحتلال، وأوجدوا مؤسسات ومرجعيات ناظمة لهذا التفاعل. في غضون ذلك، تبلورت ملامح تشكيلة اجتماعية واقتصادية. غير أن فشل السلطة الفلسطينية، لاحقاً، بوصفها مشروعاً دولانياً، ومن ثم الصراع عليها، قادا إلى الانقسام الحالي الذي يضعف قدرة الفلسطينيين على الصمود والمواجهة، كما يضعف فرص قيام دولة مستقلة وسيادية.
تقاسمت التنظيمات السياسية وما انبثق عنها من ميليشيات مسلحة وحركات جماهيرية ومنظمات أهلية السيطرة والتحكم في ديناميات الحقل السياسي المتشكل. ومن حيث أرادت أن تشكل منظومات دفاعية وقنوات لتأكيد الذات والاستقواء، وساهمت في عمليات التمايز المؤسساتي والتمثيل الاجتماعي، أدت في نهاية المطاف إلى إضعاف ديناميات توليد الولاء الوطني وانشطار الإجماع في مقابل تكريس شتى أنواع الانتماءات العضوية. في غضون ذلك، شهد الحقل السياسي تحولات من الوحدة إلى الاستقطاب فالانقسام.

الوحدة: التنافس على بناء القوة ومواجهة الاحتلال
في فترة الاحتلال المباشر، توزعت التنظيمات السياسية على ثلاثة اتجاهات فاعلة مؤثرة: الاتجاه الوطني، الاتجاه اليساري والاتجاه الإسلامي. وبالرغم من شدة التنافس بينها على بناء الهيمنة، ساهمت جميعها بدرجات متفاوتة في تعزيز الشعور بالوطنية الفلسطينية وبإبداع التعبيرات السياسة والمؤسساتية عنها.
نشط التياران اليساري والإسلامي في مجال بناء القوة من أسفل، عبر تأسيس تشكيلات مدنية وجماهيرية، بينما استفادت «فتح» من مكانتها الاعتبارية ومن الوفرة المالية المتاحة في تعزيز دورها الجماهيري. وفي الوقت الذي اقتصر فيه دور الاتجاه الإسلامي على الدعوة وتقديم الخدمات وبناء مجتمع مضاد بالتمركز ضمن فضاء المساجد، قدم اليسار وحلفاؤه إسهامات مميزة عبر تعبئة طاقات المجتمع وتنظيمه وخلق قيادات نشطة، نجحت في تكوين شبكات كبرى من الدعم والتعبئة وبناء علاقات تضامن دولية واسعة.
انبثقت المنظمات الأهلية من رحم الحركة الجماهيرية التطوعية، وكانت محدودة العدد وغير معتمدة على التمويل الخارجي أساساً، نشطت في مجال تقديم الخدمات لشرائح اجتماعية محددة، وكقاعدة دعم وقوة للتنظيم السياسي. لا يصعب القول انها شكلت إحدى أهم روافع المشروع الوطني التحرري والمجتمعي من ناحية، ومن ناحية ثانية استغلت من قبل التنظيمات السياسية في صراعها على الهيمنة في ساحة جرى إهمالها طويلاً.
واتسمت العلاقة بين الطرفين عموماً بهيمنة السياسي من خلال فرض الرؤى والتصورات أو من خلال توجيه ديناميات الفعل والسلوك العملي. عملت المنظمات في فضاء إقصاء متبادل مع الاحتلال وإداراته، فاكتسبت شرعية وطنية ومجتمعية، ولوحقت بالقمع وتقييد حرية العمل وبالاعتقال لناشطيها والقائمين عليها.

الاستقطاب: احتدام الصراع على الهيمنة والسيطرة
تميزت الفترة التي تلت توقيع اتفاقية أوسلو باحتدام الصراع على الهيمنة والسيطرة واهتزاز علاقات الفاعلين وأدوارهم ومواقعهم في الحقل السياسي. شهدت «فتح» بداية النهاية لهيمنتها وتفردها بالموارد والقرار، وأصيب اليسار بصدمة أفقدته المبادرة، فعجز عن إعادة تعريف ذاته وتفعيل دوره في سياق جديد، بينما واصل الاتجاه الإسلامي صعوده بانتقاله من حركة دعوية دينية إلى حركة اجتماعية سياسية. وبدا المجتمع الفلسطيني يشهد حالة من الاستقطاب السياسي والأيديولوجي غير مسبوقة، فتراجع أو إلتبس المضمون التحرري في الفكر والممارسة، حتى شاع تعبير «الطرف الآخر»، الذي واصل عمليات إقصاء فعلية على الأرض بالاستيطان والتوسع والفصل والتنصل من الالتزامات.
في المقابل، تزايدت المنظمات الأهلية المحسوبة على حركتي فتح وحماس، كما تزايد عدد المنظمات التي ادعت الحيادية السياسية، بينما ارتبكت العلاقة بين تنظيمات اليسار ومنظماته الأهلية، وفي كل الأحوال اندرج معظم هذه المنظمات بصورة أو بأخرى ضمن هيكلية المعونة الخارجية بمرجعياتها النظرية ومنظوراتها التنموية وتفضيلاتها المؤسساتية.
لقد مارست المنظمات الأهلية، في الفترة الممتدة من عام 1993 وحتى عام 2000، دورها في سياق الإقصاء المتبادل مع سلطة وطنية مقيدة وانتقالية، ما أكسبها شرعية مجتمعية بوصفها معارضة مدنية، بالرغم من الإشكالية التي شابت المجتمعين السياسي والمدني على حد سواء. وترافق هذا الأمر مع ظاهرة استقلال بعض المنظمات المحسوبة على الاتجاه اليساري تحديداً عن أحزابها الأم، عبر عمليات المأسسة وتغليب الاحتراف والمهنية، بوهم الحاجة إلى وجود دور مستقل ومتواصل للمنظمات غير الحكومية. فشاعت مظاهر البقرطة الداخلية والممارسة الريعية، ونمت شريحة من الطبقة الوسطى من كوادر هذه المنظمات بوصفها نخبة معولمة.
وفي الفترة ما بين اندلاع الانتفاضة الثانية وإجراء الانتخابات التشريعية، غرقت المنظمات الأهلية في برامج ومشاريع الإغاثة الطارئة من ناحية، وبرامج التوعية الديموقراطية من ناحية ثانية، ومع ارتخاء قبضة السلطة أخذت العلاقة بين التنظيمات السياسية وبعض المنظمات الأهلية تتوثق في أتون معركة الانتخابات وحرب المواقع على الهيمنة والسيطرة. كشفت نتائج الانتخابات التشريعية مفارقة مذهلة، إذ بينما ساهمت المنظمات الإسلامية في إنجاح حركة حماس وحشدت لها التأييد والدعم، فشلت المنظمات الأهلية العلمانية في التأثير على مجرى التطورات وتبدل علاقات القوة.

الانقسام: من الصراع إلى العداء
فاقم فوز «حماس» في الانتخابات التشريعية 2006 الصراع على السيطرة بين نمطين من الخطاب: إطلاقي يقوم على نمذجة المبادئ وتبسيطها وجعلها في متناول الناس، وآخر مفرط في الواقعية العقلانية وبالتالي يفتقر إلى الجاذبية الجماهيرية. ومنذ تلك اللحظة، أخذ الصراع، وقد تحول إلى عداء، منحى رفض الآخر ونفيه، تمثل في نهاية المطاف بالحسم العسكري/الانقلاب وإحكام سيطرة كل طرف على جزء من الأرض والمجتمع. فشلت الحركتان في إيجاد نوع من التنازل المتبادل. وراحت كل منهما تبني نظاماً خاضعاً لهيمنتها وسيطرتها فتقلصت مساحة الفعل الاجتماعي والسياسي وتحولت السياسة إلى سياسة زائفة أو سياسة بوليسية.
استطاعت التنظيمات اليسارية والديموقراطية، وقد حققت فوزاً نسبياً في الانتخابات التشريعية، وأدخلت بعض التعديلات على بناها التنظيمية وبرامجها السياسية، أن تلتقط زمام المبادرة، فسارعت إلى رفض الانقسام وأدانت استخدام العنف وقدمت المبادرات لرأب الصدع وشاركت بفعالية في جولات الحوار الوطني، والأهم وقفت بقوة في وجه موجة القمع والتعديات على الحريات العامة والحقوق وفعّلت أشكال المقاومة الشعبية بالتنسيق مع العديد من المنظمات الأهلية. لكنها فشلت في توحيد قواها وبناء تيار ثالث.
مع الانقسام وبسببه، تفاقمت الأوضاع الإنسانية بصورة غير مسبوقة، واستفحلت الممارسات الاحتلالية، وعجزت مؤسسات السلطة المنقسمة عن الإيفاء بوظائفها في تلبية الاحتياجات الطارئة والأساسية للسكان المتضررين. في هذا المناخ الذي اندلعت فيه عمليات إقصاء مركبة، بدت أشبه بحرب الكل ضد الكل، شرعت بعض المنظمات الأهلية في إعادة النظر في استقلالها عن الحزب السياسي لموازنة ضغوط الممول الخارجي من ناحية وتعسف أجهزة السلطة من ناحية ثانية. كما أدركت هذه المنظمات، أهمية بناء التحالفات في مواجهة التحديات، سواء ما يتعلق بمواجهة الاحتلال أو مواجهة الفقر وتردي الأوضاع الإنسانية والدفاع عن الحريات وبذل الجهود لإعادة بناء الإجماع. غير أن الظاهرة الأوسع انتشاراً في صفوف المنظمات الأهلية، وقد بلغ عددها في السنوات الأخيرة حوالي 3000 منظمة، وبتأثير السياق العام، هي الميل نحو تأكيد الحيادية السياسية والتكيف السلبي والاكتفاء بتزويد الخدمات.

خلاصة
يظهر الاستعراض السريع للعلاقة بين التنظيمات والمنظمات الأهلية في السياق التحرري المتغير مجموعة من الاستخلاصات، لعل أبرزها:
أولاً، كلما استبطن الفلسطينيون فكرة التحرر وجعلوا منها مرجعاً ومعياراً للسلوك والفعل، خفت حدة التناقضات والإقصاءات المتبادلة في حقلهم السياسي، وأثرى تعددهم الفكري والسياسي مسيرة كفاحهم ضد الاحتلال.
ثانياً، استهدف الاحتلال في إطار جدل الاستجابة والتحدي، منذ أوائل التسعينيات، تقويض المنجز الفلسطيني المتمثل في تبلور مجتمع سياسي وتشكيلة اجتماعية واقتصادية ونمو وعي وطني مستغلاً أوجه الضعف في النظام والبنية التقليدية للمجتمع.
ثالثاً، مع أهمية التشديد على العملية السياسية، إلا أن هذه المنظمات الأهلية تشكل ضرورة وطنية وحاجة مجتمعية؛ مرتبطة بطبيعة الصراع واستحقاقاته.
رابعاً، كلما ابتعدت هذه المنظمات عن سياقها المجتمعي ونضبت ينابيعها الجماهيرية، فشلت في مواجهة آليات السيطرة والهيمنة القادمة من الداخل وتلك المفروضة من الخارج. وخيارها الوحيد للمساهمة في الكفاح الوطني والتحرري هو أن تتصرف بوصفها حركات اجتماعية قادرة على تحريك الناس وامتلاك رؤية سياسية للتغيير. أخيراً، من غير المنطقي تحميل المنظمات الأهلية وزر أزمة النظام الحزبي وتراجع دور بعض اتجاهاته، كما لا يمكن تحميلها مسؤولية تعثر مسيرة التحرر والتنمية والدمقرطة في ظل احتلال يتواصل وانقسام سياسي يتعمق وتفتيت جغرافي يتكرس وسوء أداء يتعزز.

تيسير محيسن كاتب وباحث فلسطيني من قطاع غزة