| 

إن من أخطر ما تمر به الحركة السياسية الفلسطينية في هذه المرحلة إضافة إلى الانقسام السياسي والجغرافي المدمر، افتقادها لتعددية الخيارات والبدائل، بحيث تقوقعت أمام خيار وحيد. ففتح والسلطة والمنظمة بالإجمال اعتمدت خيار المفاوضات كخيار وحيد أو رئيسي، واستمرت باعتماده رغم فشله الذريع ومرور زمن طويل عليه منذ عقد مؤتمر مدريد عام 1991 وحتى الآن، ولا يهم هنا كثيراً هل فشل اتفاق أوسلو أم أفشل، فالنتيجة واحدة هي الفشل وإننا الآن بتنا في وضع أصعب وأسوأ ما كنا عليه قبل اتفاق أوسلو. وحماس والإسلام السياسي اعتمدا خيار المقاومة كخيار وحيد أو رئيسي رغم ان هذا الخيار في ظل الانقسام والصراع على السلطة والقيادة والتمثيل، فشل هو الآخر، لدرجة ان المقاومة معلقة حتى إشعار آخر.
فبعد سلسلة من التهدئات المؤقتة ابتدأت منذ عام 2003، أصبحنا الآن أمام تهدئة بدون اتفاق وبلا سقف زمني، وهي تهدئة من جانب واحد. فقوات الاحتلال تقوم باقتحام مناطق في الضفة الغربية بشكل يومي وفي القطاع وتقصف منطقة الأنفاق متى تشاء، وتقتل من تريد، وتعتقل من تريد. وفي هذه الأحوال ليس أمام الفلسطينيين إلا الخيارات والبدائل التالية:

أولاً: خيار الدولة الفلسطينية على حدود 1967
وهو الخيار الذي تبلور منذ زمن طويل ويحظى بتأييد غالبية الفلسطينيين. فحركة حماس أصبحت تؤيد هذا الخيار ليس بوصفه حلاً مؤقتاً أو مرحلياً وإنما لكونه يمثل الحد الأدنى المشترك، كما جاء في خطاب خالد مشعل في شهر حزيران عام 2009.
ويتمتع هذا الخيار بتأييد عربي ودولي، وعليه ما يشبه الإجماع، ومكرس في الشرعيات الفلسطينية والعربية والدولية، ويتناسب مع موازين القوى والمعطيات المحلية والعربية والدولية، ومع حقيقة أن إسرائيل دولة قوية ونووية وترتبط بعلاقات استراتيجية خاصة مع الولايات المتحدة الأميركية، ودول الغرب بشكل عام.
إن استمرار الحـكومات الإسرائـيليـة المتعـاقبة باعتماد سـياسة خلق الحقائق الاحتلالـية على الأرض الفلسطيـنية المحـتلة عام 1967 وخصوصـاً في القدس، يبعد إمكانية قيـام دولة فلسطيـنية، لأن هذا الـخيار يـصبح بعيد المنال، ويمكن أن يغدوا مستحيلاً إذا استكملت إسرائيل تطبيق مخطـطاتها في تهويد واستيطان أكبر مسـاحة ممكنة من الأرض، خصوصاً في القدس المحتلة، بحيث يتبقى كانتونـات ممزقة مفصولة عن بعضها البعض، لا يمكن إقامة دولة فلسطـينية حقيقية عليها.
في هذا السياق يجب أن يكون هناك خيارات وبدائل أخرى تشعر إسرائيل بأن الفلسطينيين يملكونها وتهدد إسرائيل وتجعلها تخشى من عواقب عدم الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967. إن الخشية من قيام دولة واحدة من النهر إلى البحر، تفقد الأغلبية اليهودية، هي التي دفعت أوساطاً واسعة من الإسرائيليين للموافقة على مبدأ قيام دولة فلسطينية. ولكن هذه الأوساط تريد هذه الدولة أشبه بمحمية إسرائيلية، ومفصلة وفق الشروط والمصالح والأهداف الإسرائيلية، وبالتالي لا تجسد المصالح والحقوق والأهداف الفلسطينية بحدها الأدنى.
من أجل النجاح في تطبيق خيار الدولة الفلسطينية لا بد من اعتماد استراتيجية فلسطينية قادرة على توحيد الشعب الفلسطيني بمختلف قواه، وإنهاء الانقسام السياسي والجغرافي، وإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني، وللمقاومة المثمرة، والمفاوضات المثمرة، ووضع السلطة في خدمة البرنامج الوطني وإعادتها إلى مكانها الطبيعي كأداة في يد م.ت.ف، وكمرحلة على طريق إقامة دولة فلسطينية حرة ومستقلة وذات سيادة وعاصمتها القدس تقام على جميع الأراضي المحتلة عام 1967. إن الاستمرار في اعتماد المفاوضات كخيار وحيد وبدون اعتماد المقاومة سيؤدي إلى فشل خيار الدولة الفلسطينية.
في حالة استمرار انسداد طريق التسوية التفاوضية يجب إعادة النظر في الاستراتيجية المعتمدة لتطبيق برنامج العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة من خلال اتخاذ عدد من الخطوات أهمها:
- إعادة صياغة السلطة بما يشمل إعادة ترحيل جزء من صلاحياتها إلى م.ت.ف وخاصة في المجال الخارجي وتقليص الوزارات إلى إدارات وإلغاء بعضها.
- الانسحاب الكامل مما يسمى عملية السلام وعدم العودة إليها إلا على أساس موافقة إسرائيل على مبادرة السلام العربية، والتفاوض في إطار مؤتمر دولي كامل الصلاحيات، يهدف إلى تطبيق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وليس التفاوض حولها.
- النظر في تدويل القضية الفلسطينية، على أساس أن القضية نشأت منذ البداية كقضية دولية، ولا يمكن أن تحل إلا في إطار دولي وعلى أساس القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
- دراسة أفكار مثل الحماية الدولية للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، وأشكال من الوصاية الدولية المؤقتة، مسائل قابلة للبحث ويمكن أن تساعد على الخروج من حالة الانسداد الكامل التي تعانيها التسوية.
- إعادة الاعتبار للمقاومة بكل أشكالها، شرط ان تكون مقاومة خاضعة للاستراتيجيات الفلسطينية.

ثانياً: خيار الدولة الواحدة (ثنائية القومية أو الديموقراطية)
إن على الفلسطينيين أن يدرسوا هذا الخيار جيداً، وأن يستعدوا له بكل جدية، وليس كمناورة للتخويف فقط، حتى يقدموا رسالة للإسرائيليين بأن قبر خيار الدولة الفلسطينية لا يفتح الطريق لإحياء الخيارات المفضلة لإسرائيل، بل قد يقود لما هو أسوأ لإسرائيل.
هناك من يقول أن شعار الدولة الواحدة، يخدم الحركة الصهيونية خصوصاً المتطرفين فيها، الذين لا يزالون يؤمنون بضرورة قيام إسرائيل الكبرى، ولا يخشون من فقدان السيطرة اليهودية عليها، لأنهم يضعون الخطط للقيام بتهجير الفلسطينيين داخل إسرائيل إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، وسيعملون على تنفيذها عند توفر ظروف دولية مناسبة، لا يتم انتظارها وإنما السعي لإيجادها.
إن خيار الدولة الواحدة، يجب أن يكون خياراً كفاحياً، وقابلاً للتطبيق، ويوضح لكي ينفذ في مواجهة الحركة الصهيونية والاحتلال الإسرائيلي إذا وصل خيار الدولة الفلسطينية إلى الانهيار التام، وهناك آراء عديدة في كيفية تطبيقه وفوائد وأضرار كل طريق.
ففي مؤتمر مركز بدائل الثالث، طرحت آراء تفضل اعتماد الدولة الواحدة الديموقراطية الثنائية القومية، وطرحت آراء تفضل اعتماد الدولة الواحدة الديمقراطية التي تقوم على المساواة بين جميع مواطنيها، ويمكن الرجوع إلى هذه الآراء بالتفصيل وهي منشورة في هذا الكتاب.
إن أهمية خيار الدولة الواحدة تكمن في أن يطرح كخيار جدي وكبديل لفشل خيار الدولة الواحدة وليس كبديل اختياري له.
فالخيار الممكن التطبيق هو خيار الدولة الفلسطينية، ولا يمكن استبداله بخيار أصعب منه (الدولة الواحدة). إن الذي لا يستطيع أن يقيم دولة على حدود 1967، التي تحظى بتأييد عالمي وحتى من جزء مهم من الإسرائيليين فكيف سيقدر أن يقيم دولة واحدة يرفضها العالم وأغلبية الإسرائيليين؟ فلا يجب وضع خيار الدولة الواحدة في مواجهة خيار الدولتين، وإنما بشكل يكمل الواحد الآخر.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن إقامة دولة فلسطينية قد يكون أقصر طريق لإقامة الدولة الواحدة لأنه سينهي الصراع وسيفتح طريق التعاون وسيفرض على إسرائيل تغيير طبيعتها ووظيفتها الاستعمارية الصهيونية بحيث تصبح قادرة على قبول قيام دولة واحدة ديموقراطية ثنائية القومية أو دولة لكل مواطنيها.

ثالثاً: خيار المقاومة المفتوحة
إن هذا الخيار يؤيده عناصر واتجاهات وطنية وقومية ويسارية وإسلامية. مع أن الاتجاهات الإسلامية هي التي لا تزال تتبناه وهو خيار يقوم على أن الصراع صراع وجود لا حدود. وأن فلسطين فلسطينية عربية أو وقف إسلامي، وأن الحركة الصهيونية وجدت ليس من أجل فلسطين فقط، وإنما من أجل السيطرة على شعوب وبلدان المنطقة برمتها. وأن المفاوضات لا يمكن ان تحقق أياً من الأهداف الفلسطينية والعربية والإسلامية، وإنما هي مضيعة للوقت وطريقة تعتمدها إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية لتغيير الوعي الفلسطيني والعربي والإسلامي بحيث يقبل، رويداً رويداً، وجود إسرائيل ويتعايش مع دورها كقاعدة استعمارية متقدمة، تسعى لكي تكون الدولة المهيمنة على الإقليم بأسره.
إن أصحاب هذا الخيار يراهنون على استيقاظ المارد العربي أو الإسلامي، ويعتبرون ان المقاومة الحالية مهمتها ليس تحرير فلسطين، لأنها لا تقدر على ذلك، وإنما إبقاء جذور المقاومة مشتعلة حتى تساعد على وصولنا إلى اليوم الذي سيستيقظ فيه المارد العربي الذي يوحد العرب، أو تقوم فيه دولة الخلافة الإسلامية التي ستوحد المسلمين وتستطيع أن تهز إسرائيل بضربة واحدة.