إن حال الضياع التي يعيشها الشعب الفلسطيني، والتعقيدات التي استجدت على المستوى الإقليمي والدولي، وعدم نجاح حركته الوطنية في خياراتها السياسية، والتباس صورة قضيته دولياً (وحتى عربياً وذاتياً)، واستعصاء حل الدولة المستقلة، بسبب إصرار إسرائيل على استمرار الاحتلال واغتصاب الحقوق، مستغلة الخلل في موازين القوى والمعطيات الدولية والعربية والدعم الأميركي.
ان ذلك كله بات يفرض إعادة صوغ هدف وطني موحد، يعيد للقضية اعتبارها كحركة تحرر وطني تكافح ضد الاستعمار والاستيطان والاحتلال، وضد سياسات إسرائيل العنصرية والعدوانية والوظيفية، هدف يسهم في بلورة رؤية سياسية تعزز وحدة الفلسطينيين، وتعبر عن تطلعاتهم الآنية، وحاجات تطورهم المستقبلية.
ولأن الحلول المطروحة غير قادرة على معالجة الأسباب العميقة للصراع، ولأن خيارات المواجهة غير قادرة على تحقيق الانجازات الوطنية المطلوبة والممكنة، فإن أي رؤية سياسية، يجب ان تنطلق من الحفاظ على وحدة الشعب، فهو صاحب الحق وغايته، وهو ما يجب ان تعود إليه السياسة، بوصفه هدف أي سياسة، ومغزى أي انجاز، وليس مجرد وسيلة من أجل انجاز الأهداف. فالبشر هم الهدف النهائي للسياسة، وليسوا محرقة لها. وعلى هذا الأساس فإن السياسة الموحدة للفلسطينيين يجب ان ترى الهدف الوطني في الأرض الفلسطينية ارتباطاً بالشعب الفلسطيني، حيث الحرص على الشعب لا يقل أهمية عن الحرص على الأرض.
في هذا الإطار، مثلاً، ما عاد التشبث بخيار الدولتين الذي تم تبنيه منذ 34 عاماً مسألة عملية خصوصاً في ظل الوقائع التي تفرضها إسرائيل، والتي لا تقود إلى إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع المحتلين منذ عام 1967، فضلاً عن أن ذلك لا يفترض حلاً عادلاً لقضية اللاجئين، ولا يفتح أفقاً سياسياً مستقبلياً، يتم عبره ملاقاة فلسطينيي 48، علماً ان الشعب الفلسطيني قدم الكثير من التضحيات، والعديد من التقديمات السياسية في سبيل هذا الخيار، من دون ان يجد إلى ذلك سبيلا.
ان هذا الوضع يفرض على الفلسطينيين طرح تحدي تسوية الصراع في بعده الفلسطيني ـ الإسرائيلي، على المجتمع الإسرائيلي، وعلى العالم، بالتحول من حل الدولتين إلى حل الدولة الواحدة، ومن الصراع على أساس الإفناء أو الإلغاء المتبادل، إلى الصراع من أجل التعايش المشترك على أسس إنسانية وديموقراطية وعلمانية تنفي الطابع العنصري والاحتلال الهيمني في علاقات الفلسطينيين والإسرائيليين، وعلى أساس المساواة الكاملة في الحقوق الفردية والجماعية، وبما يكفل للشعب الفلسطيني رفع الجور التاريخي عنه، وحصوله على الحقوق التاريخية التي ضمنتها له الشرائع الدولية والإنسانية، بوصفه شعباً له الحق في ان يحظى بالحقوق الجماعية والفردية التي يحظى بها أقرانه في العالم اليوم.
ان حل التعايش في دولة واحدة يكفل تذويب مختلف الجوانب الرمزية والحادة في الصراع ضد المشروع الصهيوني في بعده الفلسطيني ـ الإسرائيلي (اللاجئون، الحدود، القدس، الاستيطان)، الذي هو جوهر الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ويضمن بقاء أساس وحدة الشعب الفلسطيني، ووحدة أرضه التاريخية.
وفي هذا الإطار ليس المطلوب من هذه الرؤية المصادرة على أي خيارات تاريخية يمكن ان تجد حلاً للصراع، كما ان طرح هذا الخيار لا ينفي ولا يقطع مع أي خيارات تمهد له، أو أي خيارات تدرجية أو توسطية، تصل إليه، كهدف إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع مثلاً. وبغض النظر عن إمكان تحقيق ذلك (بشكل أو بآخر)، من عدمه، فإن هذا الهدف يحتاج، أيضاً، إلى أفق سياسي أوسع، ورؤية استشرافية، تأخذ في اعتبارها التطورات الموضوعية والمستقبلية، عندنا وعندهم. خصوصاً ان قيام دولة مستقلة لا يحل مختلف مظاهر الصراع في بعده الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ولا يحل قضية اللاجئين، كما انه لا يفتح أفقاً لمستقبل مشترك مع فلسطينيي 48، فضلاً انه لا يسهم تماماً في حل مشكلة إسرائيل كدولة يهودية (دينية) عنصرية وعدوانية ذات دور سياسي وظيفي، بحكم علاقتها الاستراتيجية بمشاريع الهيمنة الأميركية في المنطقة.
بناء على ذلك فإننا نعتقد ان خيار الدولة الواحدة (الديموقراطية والعلمانية) هو الحل الأصوب والأمثل، والأقل تكلفة للطرفين، قياساً على الصراع الإفنائي والإلغائي المتبادل. وهو الذي يخلق المجال لنضال مشترك بين الفلسطينيين والإسرائيليين ضد الطابع الغيبي/ الديني والعنصري والعدواني لهذه الدولة. كما نؤكد ان أي خيار وطني لا بد ان يتأسس، وأن يقود، إلى تقويض الطابع الصهيوني/ الاستيطاني والعنصري والوظيفي لإسرائيل في المنطقة العربية.
ان هذه الرؤية تبنى على تحرير اليهود من الادعاءات الصهيونية العنصرية والخرافية والاستعلائية، وتحرير اليهود الإسرائيليين من هيمنة الخطابات والمؤسسات الاستعمارية والاستيطانية والأمنية، لشق طريق نحو تعايش سلمي ديموقراطي، في دولة واحدة، تقوم على المساواة الكاملة بين الأفراد والجماعات.
أما بالنسبة إلى قضية اللاجئين وحق العودة فإن هذه الرؤية تفترض إخراج هذه القضية من دائرة التجاذبات والتوظيفات السياسية الداخلية والإقليمية، وعدم اعتبارها مجرد قضية أمنية، والتعامل معها في إطار الحقوق الفردية والإنسانية، والانتماء لأمة عربية، إضافة إلى كونها أساساً قضية مدنية/ فردية، وقضية حقوق جماعية، مع التأكيد على ضرورة احترام إرادة اللاجئين أنفسهم، وإيجاد توسطات أو تمثيلات ملائمة لهم في إطار العملية الوطنية، البنائية والتحررية.
وبالنسبة إلى فلسطينيي 48 فإن رؤيتنا هذه تنظر بعين التقدير للتجربة الغنية التي يخوضها هذا الجزء من الشعب، وفق ظروفه ومعطياته الخاصة، وهي تجربة أثرت التجربة الوطنية الفلسطينية. لذلك فهي رؤية تبنى على التطلع إلى مستقبل مشترك، يتم من خلاله إعادة الاعتبار لمفهوم الشعب الفلسطيني كشعب واحد.

في أشكال النضال
طوال العقود الأربعة الماضية قدم الشعب الفلسطيني تضحيات كبيرة لكنها لم تترجم إلى انجازات مستدامة وعميقة بسبب تكلس الحركة الوطنية، وطريقة قيادتها، واتسامها، على الأغلب، بالمزاجية والتجريبية والعفوية والفردية، ما ضيع الكثير من التضحيات، وبدد العديد من المنجزات المتحققة. ففي كثير من المراحل والمحطات دخلت هذه الحركة في تجاذبات إقليمية، وفي صراعات جانبية لا تخدم العملية الوطنية أما النضال ضد العدو، فقد اتسم غالباً بنزعة فوضوية وتجريبية وعاطفية، ولم يخضع لحسابات سياسية إستراتيجية، من ضمنها حسابات الجدوى، والاستثمار السياسي، وإثارة التناقضات في المجتمع الإسرائيلي، وجلب التعاطف على الصعيد الدولي.
ان هذه الرؤية تتوخى إعادة الاعتبار لمفهوم المقاومة الشعبية بجميع أشكالها ومستوياتها، التي أرست أسسها الانتفاضة الكبرى الأولى، ولمختلف مظاهر النضال المدني الديموقراطي الذي يخوضه شعبنا في مناطق 48 ضد العنصرية، ومن أجل الدفاع عن حقوقه المدنية/ الفردية، وحقوقه بوصفه مجموعة قومية (جزء من الشعب العربي الفلسطيني) في مجال الهوية والكينونة والسلام، ونزع الطابع العنصري والاستعماري والعدواني عن إسرائيل.
ان إعادة الاعتبار للمقاومة الشعبية، يمكن من إعادة بناء حركتنا الوطنية على هذا الأساس، ويعمق ارتباطها بالشعب، وينمي الروح المؤسسية الوطنية والتعددية والديموقراطية فيها. وهذا لا ينتقص من شرعية المقاومة المسلحة المنظمة والموجهة ضد مظاهر الاحتلال الاستيطانية والعسكرية في الأراضي المحتلة عام 1967، والتي تتوافق مع معطيات الشرعية العربية والدولية، ومع التطورات التي تفرضها العملية الوطنية. وضرورات الدفاع عن الذات، ومواجهة عنف الاحتلال والتي تمكن من فسح المجال أمام تصاعد النقاش الداخلي في المجتمع الإسرائيلي حول جدوى الاحتلال والاستيطان في هذه الأراضي.

المساهمون / الموقعون
ساهم و/او ناقش مشروع الإعلان مجموعة من الكتاب والمثقفين والناشطين العاملين في الشأن السياسي الفلسطيني في الأراضي المحتلة، ومناطق 48، ومناطق اللجوء والشتات، منهم:
سميح شبيب (أستاذ جامعي وباحث)، خليل شاهين (كاتب وصحافي)، رجب أبو سرية (كاتب وصحافي)، طلال عوكل (كاتب)، عمر شعبان (خبير اقتصادي)، هاني حبيب (كاتب وصحافي)، مروان ابو شريعة (كاتب وصحافي)، صقر أبو فخر (باحث وكاتب)، عمر شبانة (شاعر وصحافي)، باسم شاهين (كاتب وصحافي)، نمر نصار (ناشط سياسي)ن محمد عيسى فارس (ناشط سياسي)ن عماد رشدان (فنان تشكيلي وناشط سياسي)، سامي حسن (مهندس وناشط سياسي)، حسام حشادة (كاتب وناشط سياسي)، جمال شهابي (ناشط سياسي)، منصور السلطي (مسرحي وناشط سيسي)، سليم رشيد (ناشط سياسي)، حسين عودة (طبيب وناشط سياسي)، مازن كم الماز (كاتب وناشط سياسي)، يوسف قاسم (ناشط سياسي)، معتصم حياتلي (كاتب)، أيمن ابو الليل (ناشط سياسي)، عبد اللطيف ديب (ناشط سياسي)، أحمد ركعان (ناشط سياسي)، خليل محمود (ناشط سياسي)، رأفت دبسي (ناشط سياسي)، فراس شهابي (ناشط سياسي)، سليمان دباغ (كاتب وناشط سياسي)، سمير الزبن (حقوق وكاتب)، يوسف فخر الدين (مدير تحرير موقع «أجراس العودة»)، ماجد كيالي (كاتب سياسي)ن مجموعة «بادر» في مخيم سبينة، أحمد عموري، محمد عموري.