| 

"شاعرة في القرن العشرين من أكلة لحوم البشر". تحت هذا العنوان المثير تحدثت إحدى الصحف اليهودية عن قصيدتي (آهات أمام شباك التصاريح) وعلّقت بسخرية مُرّة على السطرين:
«جوع حقدي فاغر فاه
سوى أكبادهم
لا يشبع الجوع الذي استوطن جلدي»
وبالطبع لم تذكر البيت الذي تلا هذين البيتين وهو:
«قتلوا الحب بأعماقي أحالوا في عروقي الدم غليلاً وثار»
ترى من الذي قتل الحب بأعماقي؟ أليسوا هم جنودهم بما يضمرونه من حقد موروث على العرب عموماً؟
انتشر خبر القصيدة في إسرائيل وأصبحت قصيدة سيئة السمعة إلى حد بعيد. وتلقيت بعد ذلك رسائل بلا تواقيع وكلها تتضمن معنى التهديد، بينها رسالة من السيدة تكفا أغاسي تطفح بالسخرية بي وبالتهكم على أصلي وفصلي وعائلتي ذات الدم الأزرق على حد تعبيرها. هذه الرسالة المثقلة بأحداث تاريخية قديمة ونزاعات عربية، ناهيك عن تركيزها على كوني من سلالة هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان بن حرب وأم معاوية بن أبي سفيان «لائكة الأكباد».
ولعل أكبر نكتة تتصل بالقصيدة الرديئة السمعة هي كما قيل لي: «إن بعض اليهود حين كان يدخل مطعماً في إسرائيل كان يطلب قائمة طعام فدوى طوقان (يعني صحن كبدة). وقد جاءني بعض الصحافيين اليهود يسألونني عن بواعث هذه «الهمجية» فأجبتهم أنني في الحقيقة استعرت هذا المعنى من قصيدة لشاعرهم القومي الصهيوني مناحيم بيالك عنوانها «أناشيد باركوخبا» حين قال بيالك على لسان باركوخيا المحاصر في القلعة:
«هذا ليس بشيء سوى أنكم مرات عديدة أوجعتمونا
وحوّلتمونا إلى حيوانات مفترسة
وبغضب وحشي سوف نشرب دماءكم بدون رحمة
حين يقوم كل الشعب ويطلب الانتقام».
لكن، ومن المؤسف، أن أحداً من أولئك الصحافيين لم يجرؤ على نشر هذه الحقيقة التي أعلنتها. إلى أن عمل حاكم نابلس العسكري آنذاك على ترتيب لقاء بين رئيسة جريدة «دافار» العبرية السيدة زيمير وبيني، والتي بادرتني قائلة: كيف شهيتك اليوم لأكباد جنودنا الإسرائيليين؟ أبديت لها سروري بمبادرتها بهذا السؤال، وأوضحت لها من أين استعرت ذلك المعنى، كما أطلعتها على ترجمة إنكليزية للنص الأصلي. هنا وعدتني السيدة زيمير بالرجوع إلى النص العبري في ديوان بيالك، فإذا وجدت القصيدة بهذا المعنى فسوف تكتب مقالاً بهذا الصدد. وكانت صادقة، إذ وافاني الحاكم العسكري بعد بضعة أسابيع بمجلة عبرية تتضمّن مقالاً منصفاً وجميلاً عن الموضوع مع ترجمة إنكليزية للنص الأصلي.
في جريدة «الاتحاد» الصادرة بتاريخ 6/8/1974 نشر شاعرنا الفلسطيني الكبير سميح القاسم كلمة بعنوان «التفوق الكانيبالي» قال فيها: حتى اليوم سمعنا عن عدة مجالات للتفوق الإسرائيلي علينا، تفوق تكنولوجي، تفوق عسكري، تفوق زراعي، تفوق استيطاني، تفوق صناعي، تفوق اجتماعي، وتفوق تفوقي... واليوم وبعد مطالعة الصحف الإسرائيلية الصادرة في الآونة الأخيرة نستطيع أن نضيف تفوقاً آخر: التفوق الكانيبالي! وكانيبال ـ كلمة إفرنجية تعني «أكل لحوم البشر». أما من أين جاء هذا التفوق الكانيبالي فإليكم البيان التالي:
مرة من المرات نشرت فدوى طوقان قصيدة فيها شيء من الغضب الفلسطيني. وكعادة الشعراء الذين (يتبعهم الغاوون) فقد لجأت فدوى إلى حكاية تاريخية عن هند بنت عتبة التي نهشت كبد حمزة حتى تشفي منه غليلها.
قامت قيامة جرائد إسرائيل... وحتى الذين كان الدم العربي لا يزال أخضر على أصابعهم راحوا يكيلون التنديد بالقنطار، وأثاروا شفقتنا الساذجة لشدة ما عانوه من تقزز وأسف. هكذا إذن، ها هم العرب الكانيباليون على حقيقتهم، من خلال قصيدة فدوى. وكان ما كان. وقبل أيام لم تقم قيامة جرائد إسرائيل، لكنها كتبت عن طلاب جامعيين إسرائيليين متفوقين في الجامعة العبرية ـ كلية الطب ـ تراهنوا على أكل دماغ إنسان ميت. وفاز أحدهم في الرهان..
حين أكلنا كبداً في قصيدة لعنوا آباءنا وأجدادنا. وكانت أصغر تهمة كالوها لنا تهمة الكانيبالية!
أما حين يأكل أحدهم دماغ إنسان ميت بأحدث وسائل التشريح الطبي، فالمسألة في إطار الروح الرياضية ـ سبورت!
وستكون طرفة رائعة أن ندعو إلى عقد أولمبياداً دولية كانيبالية! مهما يكن الأمر، علينا أن نعترف بالتفوق الجديد، التفوق الكانيبالي!