يبدو خيار الدولة الواحدة اليوم (أو حل الدولة الثنائية القومية) جذاباً للفلسطينيين بعد ابتعاد إمكان حل الدولتين، لأنه يزوّدهم بوسيلة كفاحية جديدة بعدما تلاشى جدول أعمالهم السابق. ومع أن فكرة الدولة الواحدة وفكرة الدولة الثنائية القومية ليستا جديدتين على الفكر السياسي الفلسطيني والإسرائيلي البتة، إلا أن الجديد هو إعادة عرضهما على النقاش في الوسط الأكاديمي والسياسي معاً. غير أن الإشكالية الجوهرية في هذا الميدان هي أنه إذا كان ميزان القوى بين العرب والإسرائيليين لم يُتح، ولا يتيح تحقيق حل الدولتين، فكيف سيتيح إمكان تحقيق حل الدولة الواحدة؟ إن مثل هذا الأمر يحتـاج إلــى تغيير مــيزان القـوى العربـي ـ الإسرائيلـي جذريـاً. ومثل هذا الاحتمال، إذا تحقق يوماً، فسيغير أفكارنا وخياراتنا السياسية والمعطيات الاجتماعية وعناصر القوة أيضاً، الأمر الذي يجعلنا لا نغامر في اختراع البدائل منذ اليوم، ولا نصادر على الإمــكانات التـــي سيـــتيحها المستقبل في ما لو تحقق مثل هذا التغيير الجذري. ومهما يكن الأمر، فــإن حــلّ الدولة الواحدة هو، بالتأكيد، أكثر عدالة من حل الدولتين، لكنه أكـــثر طوبـــاوية مــن حــل الدولتين. وبهذا المعنى تصبح فكـرة الدولــة الواحـدة حـلاً غيـر ممكــن فـي سيــاق مـــوازين القوى المنظورة، لكــنها تحمل في مضامينها دعوة إلى التعبير عن القضية الفلسطينية بلغة حديثة، أي لغــة المواطنة والمـساواة. وهنا بالذات تكمن جاذبيتها.
إن تبني الفلسطينيين لحل الدولة الواحدة، أكانـت ديموقراطيـة علمانيـة (بحسب الفكرة الأساسية لحركة «فتح»)، أم ثنائية القومية، يمثــل اعترافاً فلسطينيـاً واضحاً بالجانب القومي للوجود اليهودي في فلسطين. لهذا يجــب الانتــباه إلى هــذه النقطــة بعنـــاية؛ فمــا دام بعــض الفلسطيــنيين يعترف بالطابــع القومي لهذا الوجود، فإن مــن «البدهي»! أن يصبح من حق اليهود في إسرائيل أن يختاروا الانفصال عــن الفلســطينيين، وتأسيس دولتهم على الأسس التي يرغبون هــم فيهــا كاختيــار «الدولة اليهودية» مثلاً، وهذه هي الفكرة الصهيونية في الأســاس كمــا تبــلورت لــدى دافيــد بن غوريون والآباء المؤسسين لدولة إسرائيل.
في هذا الميدان نعرض لوجهتي نظر، فلسطينية وإسرائيلية، تعكسان جانباً من الجدل الدائر على هذه الفكرة (المحرر).

I ضـرورة الاستـقــلال (محمد بركة)

II ما نوع الدولة الثنائية القومية؟ (ميرون بنفيستي)