| 

في سنة 1978 إبان احتدام الجدال في شأن الدولة الفلسطينية بين من يؤيد قيامها، وبين من يعارضها، نشر البروفيسور وليد الخالدي مقالة في مجلة Foreign Affairs الأميركية (تموز 1978) بعنوان «التفكير في ما لا يمكن التفكير فيه: دولة فلسطينية ذات سيادة»، عرض فيها آراءه في إمكان قيام سلم متماسك في المنطقة العربية، ولا سيما أن مصدر الصراع العربي ـ الإسرائيلي، بحسب وليد الخالدي، هو عدم حل القضية الفلسطينية. وفي ما لو جرى حل القضية الفلسطينية، فإن السلام يمكنه أن يحل في ربوع الشرق الأوسط. وفي ما يلي الخطوط العامة للدولة الفلسطينية المقترحة.

1ـ الوضع القانوني للدولة الفلسطينية:
يجب أن تكون هناك دولـــة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة. ومثل هذه الدولة فقط تســـتطيع أن تنال تأييد منظمة التحرير الفلسطينية. وستكون مـــثل هذه الدولة، بالنسبة للفلسطينيين، نقطة يرجع إليها، ومـــرساة وطنية ومركزا للأمل والإنجاز. وبتأييد منظمة التحرير الفلسطينية لهـــا ستنال أيضا تأييد الرأي العام العربي وتأييد أكـــثر الدول العربية. وليس هناك اختيار أو بديل مقـــبول غير هـــذه الدولة.

2ـ حدود الدولة الفلسطينية:
إن حدود سنة 1967 هي أكثر الحدود واقعية. ولا ينبغي ان تكون هناك سوى تغيرات طفيفة ومتبادلة في الحدود. وينبغي أن يكون هناك طريق أو طرق بين الضفة الغربية وقطاع غزة لربط قسمي الدولة. ويجب ضـــمان حرية السير في هذه الطرق، ولكن هذا لا يحتاج الى وضـــع الطرق خارج نطاق التشريع الوطني. على الرغم من أن التقسيـــم لم يكن مقبولا لدى الفلسطينيين سابقا فإن هذا الجيل المختلف عن الفلسطينيين في ظروف مختلفة مستعد اليــوم لقبوله بكل ما يعتوره من اعتراف وتعايش إسرائيل ـ فلــسطين متبادل. وان النظرة المختلفة تصح أيضا على العرب الآخـــرين. وكمدافعين قدماء عن التقسيم، يجب على الصهاينة ألا يجـــدوا ما يعترضون عليه في هذا المشروع لأنه يترك إســـرائيل على قسم من أرض فلسطين أكبر مما هو عليه في أي مشروع تقسيم آخر.

3ـ العلاقات الخارجية للدولة الفلسطينية:
من المعقول للدولة الفلسطينية أن تعلن موقفها الحيادي في وجه الدول الكبرى وغيرها، وخاصة في حقول الدفاع والحربية. وقد يتطلب هذا اتفاقية بين الدول الكبرى، وحلفائهم ومناصريهم للاعتراف بالوضع الحيادي للدولة. ويمكن للدول العربية، التي هي أطراف في التسوية العربية ـ الإسرائيلية، وللدول الاخرى الاشتراك في الاتفاقية. ويمكن لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وللجامعة العربية ان يتعهد بهذه الاتفاقية أيضاً.
والحياد لا يعني نزع السلاح أو الإبعاد من عضوية الأمم المتحدة أو الجامعة العربية أو المنظمات العالمية الاخرى. فيمكن لحياد النمسا أن يكون مثالا لهذا.

4ـ جيوش الدولة:
يجب ألا تنزع الدولة من السلاح، ويجب عدم تسليحها بما هو أكثر من الضروري. يجب أن يكــون لها من الأسلحـــة ما فيه الكفاية لضمان الأمن الداخلي ولكبح المخاطرات عبر الحــدود الى إسرائيل، وللدفاع عـــن نفـــسها ضد المتطرفين والراغبـــين في الاستيطان من الإسرائيليين. يجب أن تكون أسلحة الدولة نسبياً أقل بكثير من أسلحة الاردن أو أسلحة إسرائيل.

5ـ القدس الشرقية:
إن القدس الشرقية مهمة جدا لتأسيس الدولة الفلسطينية، لأنها تشكل الرباط الأساسي بين نابلس في الشمال والخليل في الجنوب. والقدس الشرقية بضواحيها العربية تكون أكبر منطقة في الضفة الغربية من حيث الكثافة السكانية المدنية. وقد كانت القدس الشرقية عربية تاريخيا، ودينيا، وعمارة، وتملكا للأرض، وهي العاصمة الطبيعية لفلسطين العربية، ويجب رفض جميع الحجج الإسرائيلية لإلحاقها. ومع ذلك، فإن التقسيم لا يعني تشييد حائط بينهما، فبالإمكان إقامة حدود مفتوحة ولكن منظمة بين القـــدس الغربية الإسرائيلية والقدس الشرقية العربية. يجب أيـــضا إقامة نظام للتعاون حول المرافق الإدارية المشتركة المحددة. ويجب أن يكون الحق بالأكيد للوصول الى حائط المبكى جزءا لا يتجزأ من هذه التسوية، ويمكن تكوين نظام خاص للممتلكات اليهودية القريبة من حائط المبكى، وبالامكان تقديم ضمانات لجميع هذه التنظيمات من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية والدول الإسلامية. ومن الضروري نزع الصفة العسكرية عن كلتا العاصمتين سوى قوات الأمن الداخلي الضرورية.

6ـ السياسة الداخلية للدولة الفلسطينية:
ان نوع الحكومة المنتظرة للدولة الفلســـطينية سيضم اشتراك منظمة التحرير الفلسطينية (الناتج من تأييد منظمة التحرير الفلسطينية للتسوية السلمية)، ولكـــن سيعتمد ذلك، على أكثر الاحتمالات، على العناصر المعتدلة في فتح لتكوين ائتلاف وطني يعتمد الى حد كبير على تجربة الفلسطينيين الذين كانوا تحت الاحتلال ويرتكز على تأييد الصفوف المهنية والتجارية في المنفى. ويجب ان يكون التركيز على التعاون مع المجموعة العربية بأوسع شكل لتشجيع التطور الاقتصادي.
وأول مهمة للحكومة الفلسطينية الجديــدة هي وضــع دستور الدولة عوضا عن الميثاق الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية.

7ـ اللاجئون:
يجب إسكان اكثر ما يمـــكن من اللاجئين في جميع مناطق الدولة الفلسطينية الجديـــدة. ومن الضروري التعاون مع الاردن لاستغلال وادي الاردن الى أقــصى ما يمكن. ويجب تطبيق قرار الهيئة العامة للأمم المتحـــدة رقم 194 (ثلاثة) الذي أعيد تصديقه مراراً. ويجــب اعطاء الجــنسية الفلسطينية والتعويضات للفلسطينيين الذين يبقون فـــي المنفى.

8ـ المستوطنات الإسرائيلية
في الضفة الغربية وقطاع غزة:
يجب تهديم جميع المستوطـــنات فـــي الـــدولة الفلسطينية الجديدة، ليس فقط لان الأرض ستكـــون مــهمة جداً لاستيطان اللاجئين الفلسطينيين العائــدين، ولكن أيضا لان هذه المستوطنات، إذا مـــا بقــيت، ستكــون مصدراً للاضطرابات والانتقــاد ومــذكراً لــهم بالاحتلال السابق المكروه.

لا تزال أفكار الدكتور خالدي حول الدولة الفلسطينية مناسبة للعرب عامة وللفلسطينيين خاصة، على الرغم من انه قد لا يؤيدها جميعاً. ويلتقي مشروعه مع قرارات الأمم المتحدة المشابهة حول القضية الفلسطينية، ومع مشروع الملك فهد، ومع موقف منظمة التحرير الفلسطينية منذ 1974 عندما اختار المجلس الوطني الفلسطيني الحل المعتمد على دولتين في فلسطين كهدف الكفاح الوطني. وأهم عقبة في طريق الدولة الفلسطينية طبعاً هو الموقف الإسرائيلي المتصلب الذي تسنده قوة الولايات المتحدة.
وقد أنهى الدكتور خالدي اقتراحه بتوضيح النقاط التالية لمنتقديه:
1ـ الدولة الفلسطينية ضرورية للسلام النهائي حتى إذا لم تستطع احتواء جميع اللاجئين.
2ـ يمكن التغلب على مشكلة اقتصاد الدولة القاصر.
3ـ لن تكون الدولة راديكالية ولن تهدد أمن إسرائيل.