| 

كان يرفض أن يُكتب اسمه بالتاء المبسوطة، ويصرُّ على كتابته بالتاء المربوطة، لأنه هكذا يجب أن يكون ، ولا سيما أنه سليل عشيرة عربية هي عشيرة الفريحات في لواء عجلون بالأردن اليوم. وعلى هذا الغرار سار الرعيل العربي الأول، فكان محمد بهجة الأثري يكتب اسمه بالتاء المربوطة. أما دروزة، وهو اسم العائلة، فقد جاء من الاشتغال بالخياطة. وكان لجده ولوالده دكان يبيعون الأقمشة فيه، ويقع في خان التجار بمدينة نابلس التي كانت تسمى «دمشق الصغرى». فلا عجب، والحال هذه، أن تكون العائلة منقسمة إلى ثلاثة أثلاث: ثلث في نابلس، وثلث في دمشق، وثلث في عمان وغيرها من مدائن العرب.
كان من الجيل العربي الذي تطلع إلى تأسيس دولة واحدة للعرب تأخذ بأساليب الحداثة وعلوم العصر. وكان لصحف «المؤيد» و«الأهرام» و«المقطم» و«الهلال» و«المقتطف» شأن في تشكيل وعيه السياسي؛ فهذه الصحف دأبت على انتقاد الحكام والسلاطين وكشف مثالبهم وفضح معايبهم، فانضم، تحت تأثير مقالاتها التي كانت تطالب بالحرية، إلى «نادي الاتحاد والترقي» في نابلس. لكن انكشاف النزعة العنصرية الطورانية لجماعة الاتحاد والترقي جعله ينفصل عنها. ولم يلبث ان التحق بحزب الائتلاف والحرية الذي ظهر في اسطمبول، وكان هذا الحزب معارضاً للاتحاد والترقي. ونجح مع بعض رفاقه في إحباط خطة الثري اللبناني نجيب الأصفر في الحصول على امتياز لاستثمار غور نابلس لمصلحة الوكالة اليهودية. ثم أسس في سنة 1911 «الجمعية العلمية العربية» في نابلس للتصدي لموجة التتريك في المدارس العربية.

النضال الفلسطيني
في سنة 1916 التقى الدكتور أحمد قدري (سوري)، وهو أحد الوجوه البارزة في الثورة العربية الكبرى. وقد قُيِّض له، أن ينضم إلى جمعية «العربية الفتاة»، وهي جمعية سرية ضمت في صفوفها خيرة الرعيل القومي العربي آنذاك الذين ناصروا الأمير فيصل بن الحسين ومشروعه لتأسيس دولة عربية موحدة.
بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، ودخول الأمير فيصل دمشق في تشرين الأول 1918، وبعد ذيوع إعلان بلفور، غادر بيروت إلى نابلس للالتحاق بالحركة الوطنية الفلسطينية. وعلى الفور أسس «الجمعية الإسلامية ـ المسيحية» في نابلس. وبهذه الصفة مثّل مدينته في المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في سنة 1919، وشارك في صوغ الميثاق الوطني الفلسطيني الأول الذي نص على رفض الانتداب الانكليزي والهجرة اليهودية، ودعا إلى انضمام فلسطين («سورية الجنوبية») إلى الوطن الأم سوريا. وفي تلك السنة أيضاً شارك في تأسيس حزب الاستقلال العربي الذي كان الواجهة العلنية لجمعية «العربية الفتاة» السرية.
أقام في دمشق، وراح يتحرك مع رفاقه من أعضاء جمعية «العربية الفتاة» أمثال شكري القوتلي وياسين الهاشمي وأحمد مريود وأحمد قدري ورفيق التميمي وسعيد حيدر في سبيل الاستقلال. وفي المؤتمر السوري العام الذي عُقد في دمشق، اختير سكرتيراً للمؤتمر الذي قرر مبايعة الأمير فيصل ملكاً دستورياً على سوريا في 7/3/1920، وساهم في صوغ قرارات هذا المؤتمر الخطير التي نصت على استقلال سوريا بأقاليمها كلها، والدعوة إلى وحدة سوريا والعراق، ورفض إعلان بلفور، والتصدي للهجرة اليهودية، وإنهاء الانتداب البريطاني، ومقاومة أي وصاية خارجية.
جزعت فرنسا من هذا المؤتمر ومقرراته، فعمدت إلى تسيير جيشها من لبنان إلى دمشق، وتمكنت بعد معركة ميسلون الخالدة في 24/7/1920 من احتلال مدينة دمشق وبقية المناطق السورية. ثم راحت المحاكم العسكرية الفرنسية تصدر أحكاماً بالإعدام على رجال العهد الفيصلي. وكان محمد عزة دروزة واحداً منهم، فاضطر إلى مغادرة دمشق إلى فلسطين، ليتابع نضاله مجدداً ضد الانتداب البريطاني. وفي ما بعد اختير واحداً من أربعة أمناء للمؤتمر الإسلامي العالمي الذي عقد في القدس في 7/12/1931، والذي عقد للسيد محمد حسين آل كاشف الغطاء إمامة المسلمين في الصلاة التي أُقيمت في المسجد الأقصى في أثناء هذا المؤتمر.

في دمشق
شارك في تأسيس حزب الاستقلال في فلسطين سنة 1932 مع عوني عبد الهادي ورشيد الحاج إبراهيم ومعين الماضي وصبحي الخضراء وأكرم زعيتر وعجاج نويهض. وكانت مبادئ هذا الحزب منصرفة إلى الدعوة إلى تحرير فلسطين من الانكليز واليهود، والانضمام إلى سوريا.
وفي التظاهرات التي اندلعت في يافا في 27/10/1933 شـــجَّ الجـــنود الانكليز رأسه، وتمكنوا من اعتقاله، وحكم بالسجن عشرة أشهر. ثم اعتقل مرة جديدة في اثناء الثورة الفلسطينية الكبرى سنة 1936. وعند خروجه من السجن حضر المؤتمر العربي العام الذي عقد في بلودان في أيلول 1937 لمواجهة مشروع تقسيم فلسطين الذي اقترحته «لجنة بيل» الملكية البريطانية. وفي أثناء وجوده في بغداد التي سافر إليها من دمشق لتأسيس لجنة للدفاع عن فلسطين، أعلنت سلطات الانتداب البريطانية حال الطوارئ في فلسطين، وحلت المجلس الإسلامي الأعلى الذي كان يرأسه الحاج أمين الحسيني، وعزلته من منصبه غيابياً.
عاد إلى دمشق من بغداد، وعكف على إمداد مناضلي الثورة الفلسطينية بالسلاح والمال. فما كان من سلطات الانتداب الفرنسي في سورية إلا ان اعتقلته في 2/6/1939 وحكم بالسجن خمس سنوات أمضى بعضها متنقلا بين سجن المزة وسجن القلعة، ثم أفرج عنه مع بقية الوطنيين السوريين غداة هزيمة فرنسا أمام الألمان في أواخر سنة 1940.

المرحلة الجديدة
بعد خروجه من السجن بقليل، اجتاحت القوات الفرنسية والانكليزية سورية لتطرد منها القوات الفرنسية الموالية لحكومة «فيشي». وعلى الفور شرع الجيش الانكليزي يعتقل الفلسطينيين المناوئين للانتداب البريطاني، فاضطر إلى مغادرة سورية إلى تركيا في أيار 1941، مكرهاً، بعدما لم يجد أرضاً تحميه غداة فشل ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق في سنة 1941. غير ان إقامته في تركيا لم تكن هانئة، فبسبب تدخلات الانكليز عمدت السلطات التركية إلى تخييره بين النفي إلى الأناضول أو المغادرة إلى أوروبا، فاختار الأناضول. ولما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها ونالت سورية استقلالها عاد إلى دمشق. غير انه، وهو في طريقه إليها بالقطار، أرادت المخابرات الانكليزية اختطافه، ونصبت له كمينا في محطة حلب. لكن الشرطة السورية علمت بالأمر، فأرسلت قوة من الشرطة العسكرية إلى محطة القطارات في حلب، وأنذرت مجموعة المخابرات الانكليزية بعدم التعرض له، وتولت حمايته.

*****
أمضى بقية حياته في دمشق منصرفاً إلى التأليف. وكان أكثر ما آلمه هو تأييد شكري القوتلي، وهو رفيقه وصديقه، لانفصال سورية عن مصر في سنة 1961، فوقعت القطيعة بينهما. ومع ذلك، عندما توفي القوتلي في بيروت في سنة 1967 سار في جنازته في دمشق، وظل في هذه المدينة حتى سار الناس في جنازته سنة 1982.