| 

لعل من اللافت أن المسألة الفلسطينية لم تحظ يوماً بدراسة فلسفية ترصد تحوّلاتها، كحكاية جامعة، بين «القوة» و«الفعل»، ما أدى إلى ضياع «جوهرها» خلال معركة «الوجود». وبصوغ كلامي أقل كثافة يمكن القول إن المسألة الفلسطينية، اليوم، أكثر مما كانت عليه في الأمس، صارت مقولة سياسية بعد أن كانت حدثاً تاريخياً، فما عادت «ثوابتها» التاريخية محكومة بسجال الأخلاق، بل غدت «أطروحات» سياسية يحكمها قانون الإمكان. وهكذا، انحكمت حدثية القضية الفلسطينية، مع أن مقاطعة إسرائيل من أجل فلسطين ليست استثناءً، بهذا التحوُّل المعياري الذي مكِّن بعض المؤيدين لفكرة المقاطعة من صهينتها، أي حصرها في «حدود» خط الهدنة للعام 1967، وأتاح للمستوى الرسمي الفلسطيني أن يميز بين «بضائع المستوطنات» و«البضائع الإسرائيلية.» ولفهم الخلفيات التي مكَّنت من هذه «الصهينة المزدوجة» للمقاطعة، فلا بد من العودة الى الوراء قليلاً لترسيم بعض الإرهاصات السابقة لهذا التقاطع السوريالي بين «المقولة الفلسطينية الرسمية» و«المقولة الصهيونية أو المصهيَنَة.»
خضعت فلسطين، للقانون الذي ينظم تشكُّل القوميات الحديثة، إذ إن الهوية الوطنية تهندسها حركات قومية «تصنعها» ولا «تخلقها.» فالحكاية الفلسطينية، هي صنيعة الحركة الوطنية الفلسطينية. وقد تأثرت هذه الحكاية بالسياق العام لتخلُّق القوميات في أوروبا، وما رافقه من مواقف في القرن التاسع عشر تجاه غير الأوروبيين، وخاصة اليهود والعرب. وبما أن الهوية الوطنية بحاجة إلى تحويل القصة الشفاهية لجماعة معينة إلى حكاية تاريخية مكتوبة ورأسمال طباعي تمتلكه الحركة الوطنية، فقد خضع تشكيل الهوية الوطنية الفلسطينية لهذا القانون عبر تشكيل عَلماني لمكوِّناتها الثلاثة الكبرى (الأرض، والناس، والحكاية التاريخية)، وقامت عليه المؤسسة السياسية المتمثلة في منظمة التحرير الفلسطينية، وصارت هي مناط الحكاية في مسار تحوُّلها من حدِّ «الوجود» إلى حدِّ «الفعل.»
لكن الحكاية الفلسطينية ارتبطت سياسياً، لا وجودياً، بتشكُّل هوية نقيضة، هي الهوية الإسرائيلية التي قامت على إنجازها الحركة الصهيونية، والتي وسمها إيلان بابيه مرةً بأنها «أنجح حركة قومية في التاريخ، لأنها وجدت لتخلق شعباً واحداً، فإذا بها تخلق شعبين!». ولا شك أن القانون العام الذي انطبق على الحالة الفلسطينية ينطبق، كذلك، على الحالة الإسرائيلية، على الرغم من الفارق الجوهري بين تشكُّل الحركة الصهيونية كحركة قومية استيطانية مرتبطة بمشروع استعماري ممركز أوروبياً، وكون الحركة الوطنية الفلسطينية حركة تحرر وطني أصلانية مناوئة لها.
ولكن تشخيص الأزمة في الهوية الفلسطينية وإشكالات التاريخ لها في علاقتها بالحركة الصهيونية، يمكن إيجازه في ما يلي: بينما نجحت الحركة الصهيونية في تحويل فكرتها إلى وجود فعلي تمثل بإقامة دولة إسرائيل كدولة حصرية لليهود وإنهاء حالة المنفى، عملياً على الأقل؛ فشلت الحركة الوطنية الفلسطينية في تحويل وجود الشعب الفلسطيني (وإنهاء شتاته) إلى فكرة، أي إلى حبكة تاريخية قادرة على دخول التسجيل التاريخي العالمي الذي صكته الحداثة الممركزة أوروبياً. واستطاعت الفكرة الصهيونية أن تتحول إلى وجود، ولم يستطع الوجود الفلسطيني أن يؤسس فكرته، فانتصرت «الفكرة الصهيونية» على «الوجود الفلسطيني» انتصاراً لم يكن وايزمن يتوقعه في رسالته إلى بلفور في العام 1918، والتي جاء فيها أن مشكلة الحركة الصهيونية والامبريالية الغربية إنما تكمن في «الوجود العربي» في فلسطين كتحد أكبر لـ«الفكرة الصهيونية». ويرى إدوارد سعيد أن «فلسطين نفسها هي فكرة سجالية، ومقولة موضع تنازع بين الفلسطينيين والصهيونية،» وقد كانت هذه «الفكرة» و«الوجود» المحقق لها بؤرة التحولات المركزية في فكر كل من الحركة الصهيونية وحركة التحرر الوطني الفلسطيني.

الدولة الديموقراطية
لقد تم «إنتاج إسرائيل» عبر عملية استشراقية جعلت الحركة الصهيونية ممثلاً شرعياً ووحيداً ليهود العالم، بمن فيهم، للمفارقة، اليهود العرب (ومنهم اليهود الفلسطينيون)، وذلك بإدماج الحركة الصهيونية وتاريخ اليهود ضمن «التاريخ الغربي العام» ـ الممركز أوروبياً، منذ العام 1492، على الرغم من وجود الصهيونية وتحقق مشروعها في «الشرق»- غير الأوروبي. أما التصوُّر النقيض، فقد أطلق عليه أدوارد سعيد مصطلح «الفلسطنة» أو « «Palestinianism الذي لم يكن مجرد بوصلة له للدفاع عن «الوجود الفلسطيني» قبالة «التأويل الصهيوني» فحسب، بل كان الحل الأوحد والعادل نسبياً لحل القضية الفلسطينية من خلال دولة الميثاق الفلسطيني الأول الديمقراطية. وبذا، لم تكن «الفلسطنة» حبكة نقيضة للحبكة الصهيونية ومعينها الاستعماري ـ الاستشراقي فحسب، بل كانت فكرة نقيضة للبرنامج السياسي الحصري للحركة الصهيونية الداعي إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وحدهم، أي «دولة اليهود» وليس «دولة يهودية» فحسب. وقد تجلت هذه الفلسفة في بدايات مسيرة الثورة الفلسطينية عندما تبنت منظمة التحرير الفلسطينية برنامج الدولة الديمقراطية العلمانية في حدود فلسطين التاريخية.
تمثَّل الحل، إذاً، في دولة ينعم مواطنوها بحقوق جماعية وواجبات مبنية على أساس المفهوم العلماني لفكرة المواطنة من دون أي تمييز لأحد في الدين أو الإثنية أو اللون، فجاء الميثاق الوطني الفلسطيني للعام 1968 معرفاً هدفه بـ«إنشاء دولة ديمقراطية في فلسطين» ينعم فيها المسلمون والمسيحيون واليهود بحقوق وواجبات متساوية. وقد وضع هذا الإعلان إسرائيل والعالم، في حينه، على محك أنه يمكن لإسرائيل (لو لم تكن دولة استعمارية) أن تكون ديمقراطية أو يهودية، ولكن ليس الإثنتين معاً. لكن هذا التحدي للفكرة والوجود الصهيونيين من قبل منظمة التحرير الفلسطينية لم يدم طويلاً.
خلافاً للسائد عن أن اتفاق أوسلو كان إعلان شهادة الوفاة لخيار الدولة الديمقراطية، فقد أعلنت وفاة ذلك الخيار بعد أقل من ست سنوات على إعلانه وذلك عبر مشروع السلطة الفلسطينية (أو البرنامج المرحلي) الذي تبدَّت إرهاصاته في خطاب «البندقية وغصن الزيتون» الذي ألقاه الرئيس ياسر عرفات في الأمم المتحدة في العام 1974، وبعد الاعتراف العربي والدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني. لقد كان هذا الإسقاط لخيار الدولة الديمقراطية، لمصالحة مشروع السلطة الفلسطينية، أولى قطع الدومينو في هجر مفهوم الفلسطنة، التي نظر لها إدوارد سعيد، والبرنامج السياسي المتقاطع معها الذي تبنته منظمة التحرير الفلسطينية لمدة لم تزد على ست سنوات. أما توقيع اتفاقية أوسلو في العام 1993، وتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني في غزة في العام 1995، فلم يكونا إلا من باب تحصيل الحاصل لنهاية مشروع الدولة الديمقراطية، العلمانية ضرورةً، بعد إعلاني مشروع السلطة الوطنية الفلسطينية في العام 1974، وإعلان الاستقلال في الجزائر في العام 1988 الذي تضمن اعترافاً بإسرائيل حتى قبل رسائل الاعتراف المتبادل في العام 1993.

النقيض والمثيل
في لحظة العام 1974 تحوَّلت حركة التحرر الوطني الفلسطيني من حركة نقيضة للحركة الصهيونية إلى واحدة من نسخها، وذلك بتنازلها عن مشروع «الدولة الديمقراطية» التعددي لمصالحة مشروع «السلطة الفلسطينية» الحصري الذي جعلها حركة ساعية لتأسيس دولة على جزء من فلسطين التاريخية لا يشكل العنصر اليهودي أحد مكوناتها الديمغرافية أو الثقافية من ناحية، وتترك الساحة للحركة الصهيونية وكيانها الاستيطاني القائم لتتولى المسؤولية: عن يهود العالم بمعاهدات «الـهعفاراه»، واليهود العرب بالتواطؤ على «يهود الضائقة»، ويهود فلسطين عبر ما أسهمت حتى «المادة السادسة من الميثاق الوطني الفلسطيني» في تحويلهم إلى تراث تحدد مرة وانطفأ... أو ترمِّد، للدقة، في بوتقة الصهر الصهيونية.
هنا، بدأت عملية التهاوي والنكوص ليس في الوجود الفلسطيني وحسب، بل في الفكرة الفلسطينية، حيث أدت عملية تجريد الفكرة الفلسطينية من ذاتها، ومن فحواها، على امتداد عقدين (1974 ـ 1994)، إلى خمسة تداعيات كارثية على المسألة الفلسطينية، أدت إلى ما أسميه هنا، وفي غير مكان: «حالة النفق» كمصير «للوجود الفلسطيني»، وحالة «الاستشراق المحلي» كمصير لـ«الفكرة الفلسطينية» وهذه التداعيات، هي:
ـ تحويل الحركة الوطنية الفلسطينية من حركة مقاومة وتحرر شمولية (من الفلسطينيين وغير الفلسطينيين، يهوداً ومسيحيين ومسلمين)، إلى حركة وطنية منحرفة عن مسارها، إذ حازت مثالب الوطنيات ما بعد الاستعمارية من دون أن تنجح في تحويل القضية التي ناضلت من أجلها حتى إلى شرط ما بعد استعماري تقليدي؛
ـ تعديل روح الجماعة الفلسطينية المتخيلة، وفكرتها عن ذاتها، ليس من خلال استثناء العرب واليهود العرب، وغيرهم من اليهود المناصرين للقضية الفلسطينية (الذين غالباً ما يتم استعمالهم واستغلالهم من قبل الحركة الصهيونية من أجل منح إسرائيل طابعها اليهودي)، بل واستثناء جزءين صميمين من تكوين الشعب الفلسطيني، هما: فلسطينيي فلسطين المحتلة في العام 1948، وفلسطينيي الشتات الذين أجبروا على الرحيل في أثناء عملية التطهر العرقي لفلسطين في غمار حرب العام 1948، وما تلاها من أحداث من دون أن ينعموا بتطبيق حق العودة المنصوص في القرار 194؛
ـ تحويل المجتمع المدني الفلسطيني الفتي، من كونه جزءاً من الحركة الوطنية المقاوِمة للاستعمار إلى حركة تعمل على التعايش مع الاستعمار و«تفكيكه»، وإلى جماعات من «الوسطاء»، كما يسميهم منظرو ما بعد الاستعمار، بين الشعب المقهور من جهة، والسلطة الجديدة التي يديرها جزء من القيادة التاريخية للفلسطينيين بحسب اتفاقيات أوسلو مع المستعمرين الإسرائيليين وسندهم الأميركي؛
ـ تشريع الأبواب أمام المبادرات السياسية والثقافية المتنوعة لحل المسألة الفلسطينية مبتعدة عن حل الدولة الديمقراطية الذي ابتدأت حركة التحرر الوطني الفلسطيني بطرحه منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية. ولعل أكثر هذه المبادرات لفتاً للنظر المبادرات التي خرجت من فلسطين المحتلة في العام 1948 منادية بـ«دولة لجميع مواطنيها،» ومبادرة «حل الدولة الواحدة،» وغيرها؛
ـ تغيير موضع الاهتمام، على الصعيد الثقافي، من سياسات بناء الذاكرة الجماعية الفلسطينية إلى سياسات طمسها عبر تكريس سياسات النسيان الجماعي كما يظهر في شرط النفق الاستعماري، وكما يظهر في حالة ما بعد الاستقلال في رائعة الطاهر وطار: الشهداء يعودون هذا الأسبوع.

المقاطعة الأكاديمية والثقافية
في ظل هذا التداعي الكبير لـ«فكرة» الفلسطنة والوجود الفلسطيني في آن واحد، وفي أعقاب فشل أوسلو المدوي الذي انتهى باجتياح المدن الفلسطينية وتدميرها خلال انتفاضة العام 2000، واغتيال الشهيد ياسر عرفات، ونبذ قيادة السلطة الفلسطينية الجديدة بسفور تام لإمكانيات المقاومة العسكرية... برزت الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، وتألفت اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها...وصارتا بوصلة لحركة المقاطعة العالمية لإسرائيل من أجل فلسطين في زمن قياسي لم يتجاوز نصف عقد.
ولعل قارئ نداء المبادئ العامة للحملة الفلسطينية للمقاطعة يسترجع بلاغة الميثاق الفلسطيني الأول في تحمل مسؤولية الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وإيصال مظالم الفلسطينيين في جغرافيات الوطن المحتل وفي الشتات على حد سواء. يحدد هذا النداء، الذي يعتبر «دليل مقاطعة إسرائيل» عالمياً، أهم المبررات الأخلاقية والقانونية التي تستخدمها حملات مقاومة التطبيع مع إسرائيل ومقاطعتها على المستوى المحلي والعربي والعالمي، وهي: رفض إسرائيل الاعتراف بالمسؤولية عن نكبة الفلسطينيين في العام 1948، وما شملته من تطهير عرقي خلق قضية اللاجئين الفلسطينيين، وإنكارها الحقوق المكفولة للاجئين في القانون الدولي، وأهمها حق العودة ـ أي حقوق الفلسطينيين في الشتات خارج أرض فلسطين التاريخية؛ وتواصل الاحتلال العسكري للأراضي الفلسطينية ـ أي حقوق الفلسطينيين القاطنين في أراضي فلسطين المحتلة في العام 1967؛ واستمرار التمييز العنصري الشامل ضد فلسطينيي فلسطين المحتلة في العام 1948 والتفرقة العنصرية الناجمة عنه، على نحو يداني نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا ـ أي حقوق الفلسطينيين القاطنين، كسكان أصليين، في أراضي فلسطين المحتلة في العام 1948.
وبما أن هذه الحملة أعادت «الفكرة» الفلسطينية إلى «جوهرها» الإنساني، وغير الحصري، وأسهمت في جعل إسرائيل تدفع أثماناً سياسيةً واقتصادية باهظة، فقد بدأت تستهدفها ثلاث حملات تتفاوت في ضراوتها، وإعلان أهدافها، وسفور أدواتها. ولكن اثنتين منها تشتركان فيما يمكن تسميته «محاولة صهينة المقاطعة». الأولى؛ هي الملاحقة الإسرائيلية الرسمية التي أسفرت مؤخراً عن «تشريع» قانون في الكنيست لتجريم كل من يدعو الى مقاطعة إسرائيل، وتغريمه «الضرر» الناجم عن دعوات المقاطعة؛ والثانية، ظهور تيار يهودي ـ غربي ناشط في حملات المقاطعة شريطة أن تستهدف «إنهاء الاحتلال» ومقاومة الاستيطان، أي اعتبار الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967 هو بداية الخطيئة، لا الاستعمار الصهيوني لفلسطين الذي بلغ زباه في نكبة العام 1948؛ والثالثة، هي الحملة الفلسطينية الرسمية لمقاطعة «بضائع المستوطنات» وتمييزها عن «البضائع الإسرائيلية»، وذلك كآلية ضغط تفاوضية، وحملة علاقات عامة لكسر العزلة الداخلية للسلطة الفلسطينية ليس إلا.
لا شك في أن كل واحدة من هذه الحملات تحتاج إلى مقالة خاصة، لكن ما يجمع بينها هو اندراجها في سياق «الاستشراق» المزدوج الذي ابتليت به المسألة الفلسطينية منذ نشأتها. ولكن أكثر هذه الحملات جدارة بالدراسة، هي الحملة الثانية، التي لم تكن بسفور مؤسسة الاحتلال الإسرائيلية في التضييق على حملة المقاطعة، ولا بصفاقة الرسمية الفلسطينية في محاولة احتوائها أو اللحاق الغائي الباهت بمنجزاتها. ولعل سبر ظروف تخلُّق الحملة الثانية ودوافعها لا يتأتى إلا بتحليل النسيج الثقافي الذي ولَّد تقاطعاً إشكالياً بين «المسألة اليهودية» و«المسألة الفلسطينية» لدى مجموعة من المنظرين العالميين، أمثال جوديث بتلر، وما نتج عن هذا التقاطع من مواقف أخلاقية تجاه قضايا مقاومة إسرائيل ومقاطعتها لأجل فلسطين.

اليهود التقدميون
يمكن أن يُستشف أن موقف بعض المثقفين اليهود في السياق الغربي من المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل من أمثال جوديث بتلر وحاييم براشيث، ودعوتهم إلى ضرورة إعادة تعريف «الحرية الأكاديمية» في اللاهوت الثقافي الأمريكي بخاصة، وبناء على مداخلات الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، يمكن أن يختلط بموقف بعض المثقفين اليهود، داخل فلسطين التاريخية وخارجها، من أمثال نيف غوردون وناعوم تشومسكي على سبيل المثال لا الحصر، وموقف بعض المثقفين العالميين، من المقاطعة وحصرها في الدعوة إلى إنهاء الاحتلال من دون الوقوف بحزم على ما نتج عن خطيئة إسرائيل الكبرى، وهي نكبة العام 1948، من شتات فلسطين وضياع للأرض ولإمكانية تقرير المصير.
هنا، لن يتم الخوض في تفصيلات الموقف «الـمُتَّهِم» للنسخة التي تم عرضها للتو من المقاطعة (المقاطعة الهادفة إلى إنهاء الاحتلال في المناطق الفلسطينية المحتلة في العام 1967) على أنها محاولة لصهينة المقاطعة، على الرغم من أنني أتفق، من حيث المبدأ، مع هذا التشخيص؛ وعلى الرغم، كذلك، من قناعتي بأن الخطوط العريضة التي أصدرتها الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (في نداء المقاطعة الأكاديمية والثقافية الصادر في نيسان 2004)، هي الأكمل والأشمل كبرنامج فعال لإحقاق الحق الفلسطيني ومعالجة الظلم التاريخي الذي وقع على الفلسطينيين في عموم فلسطين (المحتلة في العام 1948 أو في العام 1967) وعلى فلسطينيي الشتات، إلا قراءة تطور موقف هؤلاء المثقفين اليهود إيجاباً من المقاطعة لإسرائيل ومقاومتها من خلال الاشتباك الفكري والتنافذ السياسي، في آن واحد، مع إرث عريق في تاريخ مناهضة الصهيونية وإسرائيل، وبخاصة كتابات مارتن بوبر، وحنه أرندت، وبريمو ليفي، وغيرهم، ممن دشنوا سياقات أكثر جذرية في نقد الصهيونية وإسرائيل دون الوقوع في حبائل الاتهام باللاسامية أو اليهود الكارهين لأنفسهم أو المتآمرين على دولة القومية العنصرية (إسرائيل) التي قد يفترض انتماؤهم لها.
إن قراءة هذه المواقف، وتفنيد بعضها، ومساجلة الآخر سيسهم بلا شك في فولذة الجسم الوطني الفلسطيني الموحَّد باسم «اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها»، وعمقه الفكري اللامع المتمثل في «الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل»، واضح الرؤيا، والممثل للفلسطينيين في فلسطين التاريخية، والمتواصل بفاعلية عالية مع العمق العالمي المناصر للقضية الفلسطينية، والمثال الذي ينبغي احتذاؤه سياسياً (على مستوى منظمة التحرير الفلسطينية كبيت جامع للفلسطينيين). ولا شك أنه لن يتم تفعيل المقولة الثقافية العليا للثقافة الفلسطينية المقاومة، إلا بتفعيل حركات المجتمع المدني من هذا الطراز، الحركات غير المحكومة باشتراطات سياسية، والتي أثبتت، يوماً بعد آخر، قدرتها على التغلب على الانقسام المأساوي على نحو جعل المقولة الجماهيرية تسبق المقولة الرسمية؛ واستعادة الريادة الفلسطينية في توجيه الخطاب والموقف العالمي من القضية الفلسطينية وإسرائيل العنصرية؛ والعمل على إنهاء الاستعمار لا الاحتلال فحسب، وتكريس الثوابت الوطنية وتجاوز الخطايا والأخطاء في تاريخ فلسطين التراجيدي منذ النكبة وحتى اللحظة في كافة جغرافيات فلسطين التاريخية والشتات.

عبد الرحيم الشيخ رئيس دائرة الفلسفة في جامعة بيرزيت