| 

العراقيب هي آخر قرية زرتها قبل اعتقالي. والعراقيب ليست مجرد قرية بل هي وطن وشعب. كنت هناك في خيمة الشيخ صباح، خيمة الاعتصام وكان حشد كبير يوم الخامس من أيار 2010 في اعقاب عملية هدم وعملية بناء. اجتمعنا حتى ساعات الليل المتأخرة باعتبارات عتمة الصحراء.
استدعانا الشيخ رائد صلاح واستدعانا أساسا الواجب والمسؤولية الوطنية، والتقينا في العراقيب في ساعات المساء بعد ان قمنا بجولة ميدانية في قرية حورة حيث التقينا فيها المناضل نوري العقبي، ثم زرنا في اللقية المناضل عليان الصانع، وبعدها انتقلنا الى العراقيب حيث تجمع أهلها المناضلون، وكنا وفدا عن «اللجنة الشعبية للدفاع عن الحريات» ضمن «لجنة المتابعة العليا». وقد ضم الوفد بالاضافة الي كلا من عبد الحكيم مفيد ورجا اغبارية وقدري ابو واصل والمحامي عبد الرؤوف مواسي.
وكانت هذه زيارتي الأخيرة لأنني، بعد ان وصلت الى بيتي في حيفا بعد منتصف الليل، مكثت ساعة الى ان دهمت قوات الشرطة والمخابرات بيتي وجرى اعتقالي، ولم يبق لي إلا ان اتابع التطورات من وسائل الاعلام المتاحة في السجن.
توقعنا خلال لقاء العراقيب ان أعين قوات الاقتلاع تتربص بنا وبالعراقيب من بعيد مستعينة بعتمة الصحراء الجميلة ومستغلة اياها كي يغطوا وجوههم وأيديهم المجرمة. وكما ان «أهل مكة أدرى بشعابها» فإن اهل العراقيب أدرى بشعابها وبشعاب ليلها مهما كان دامسا، بل ان ظلام الصحراء الذي كان صديقهم الطبيعي قد صادره المقتلعون أيضا. انهم غزاة الارض وغزاة الليل، ليحل ظلم وظلام الاقتلاع والترحيل والتهجير، انه ظلام المشروع الصهيوني على امتداد تاريخه. الظلام الذي فرضه على العراقيب والنقب والجليل والساحل والمثلث وعلى القدس وغزة والضفة وفوق البحار، كي يمنع نور الحرية من الوصول الى غزة المحاصرة ومدوه فوق الشتات، سعيا بائسا الى حجب الوطن عن النور والأمل، وحجبهم عن العودة. لكن أهل الوطن يعرفون مساراته ويعرفون من يتربص بهم وبحقهم فيه وعليه.
الأعين الإسرائيلية المتربصة وبلدوزارات الهدم والتطهير العرقي لا تردعنا، فهي قائمة وتعمل لحظة بلحظة منذ ستة عقود، اما نحن في الداخل فقد ازددنا قوة يوما بعد يوم منذ النكبة وخلال النكبة المتواصلة، وازددنا صلابة ومقاومة للظلم ولنظام التطهير العرقي وحررنا إرادتنا.
في لقاء العراقيب، وضعنا خطة عمل وخطة تصد وطوارئ في معركة التحدي والبقاء، ووزعنا العمل وتقاسم الهموم، وخططنا لمواجهة الهدم الداهم، اولا جسديا وبالحشد الإنساني وبضمان التضامن المحلي والعالمي الفعّال، والاصرار على اعادة بناء كل بيت يهدم وكل خيمة تقتلع مهما كلف الأمر، ومباشرة بعد هدمه في حال نجحوا في تنفيذ جريمتهم. وجولتنا هذه لم تكن بداية النضال الوجودي في العراقيب، وليست نهاية النضال، لكنها مراكمة اضافية بشكل منظم، وإدراكا منا انها معركة فاصلة، وليست موضعية، بل معركة استراتيجية. وهي حدث مؤسس في الدفاع عن الوطن وما تبقى من أرض، وحماية للوجود العربي في النقب واستعادة ما امكن من الحق المسلوب. انها المعركة على الوطن وعلى الإرادة وفيها تتحد معالم التصعيد في النضال الشعبي المتراكم منذ عقود طويلة.
لا مكان للتعامل مع هذه المعركة كحدث عابر او موضعي لان في ذلك تسليماً للعراقيب وتنازلا عن جزء جوهري من الوطن، في حين ان الواجب الوطني وروح التحدي والبقاء، يتطلبان من جماهيرنا التعامل مع هذه المعركة، وامام ناظرنا الحدث المؤسس الأهم في الدفاع عن الأرض والبيت، الا وهو يوم الأرض 1976. واليوم نواجه مشروع تطهير عرقي صادراً عن النظام ذانه وعن الجوهر ذاته، لكن موقعه في العراقيب.
الربط بين المقاومة الشعبية في العراقيب والمقاومة الشعبية في الشيخ جراح وسلوان ونعلين وبلعين وفي المثلث ومعركة الروحة، والمعركة ضد هدم البيوت والتهويد ومعارك أم السحالي ومعارك لجنة الاربعين للاعتراف بالقرى غير المعترف بها، وبالمجلس الاقليمي للقرى غير المعترف بها في النقب ومعركة نوري العقبي دفاعا عن أرضه وحقه فيها وعليها، والحركة الشعبية الفلسطينية والعالمية لكسر الحصار على غزة، والمعركة لحماية عروبة القدس والمقدسات وكم هائل من معالم النضال والمقاومة الشعبية التي لا تنضب طاقتها بل تزداد يوما بعد يوم، لتلتقي فيها جميع القوى الشعبية وتولد حراكا شعبيا وتضامنا محليا وعالميا مع الضحية المناضلة مشكّلة قوة ردع هائلة للغزاة في العراقيب وغيرها، حماية لأهل البلاد واصحاب الوطن الموجودين فيه، فضلاً عن لاجئيه.
هناك اهمية لادراك ما تدركه إسرائيل أيضا، وهو ان الجماهير العربية في الداخل هي قوة استراتيجية، وهي الاكثر تنظيما داخل الشعب الفلسطيني في هذه الحقبة. وهذه الجماهير قادرة على الدفاع عن حقها ووجودها وحقوق شعبنا كلها، هي قادرة أيضا على استرداد حقوق تمت مصادرتها كالوطن والأرض، وقادرة على قيادة معركة الشرعية حيث يدنا فيها هي الأطول وليس يد إسرائيل. فالنظام الذي يقوم باقتلاع أهالي العراقيب عليه ان ينشغل يوميا بشرعيته هو، وعلينا ان نشغله يوميا بشرعيته. انه نظام لا يتورع عن أي جريمة إلا بمقدار ما نواجهه. وبمواجهتنا نؤكد انه في نهاية المطاف ليست العراقيب ـ ولا أهلها ـ هي التي ينقصها الاعتراف من قامعيها ومقتلعيها، فالأرض تعرفها والتاريخ يعترف بها، والوطن يعرف أهله، ومن هنا الشرعية.

كتبت هذه المقالة في سجن الجلبوع حيث يمضي الكاتب حكماً ظالماً بالسجن لأسباب وطنية