| 

1 ـ جبرا إبراهيم جبرا
من بيت لحم إلى مقبرة السكران (1) رحلة مضنية في الزمن اجتازها جبرا إبراهيم جبرا ساطعاً كشمس الهاجرة، خاطفاً كالضياء، باهراً كالدهشة، هادراً كاللذة. كان أشبه بكائن عجيب ساقط من كوكب متوحش؛ متألق دوماً، مكتظ بالجمال في كل لحظة مبدعاً في كل حين. إنه الناقد والشاعر والفنان والروائي والمترجم والذواقة والأستاذ والعاشق والمنشّط الثقافي والمناضل بالفكر والموقف. عاش «شقياً» كطفل جميل، ومات يصارع شقاءه في بلد مسيّج بالحصار والألم والشقاء.
كان فارساً نبيلاً بلا سلاح، وقائداً مهيباً بلا فرسان. اكتفى من دهره بثمانية وعشرين حرفاً فقط هي حروف الهجاء العربية، فحشدها وأقام منها جيشاً ولا أبهى، قهر به آلام الحياة وتقلبات الأحوال وخيبات العمر وصروف السنين.
«أيامُنا كالشتاءِ القطبيِّ:
ساعاتُ الفرحِ فيها، كالضياء، خاطفةٌ
والفواجعُ، كالليلِ، لا تنتهي.
للإشراقات أوقاتٌ ما أسرعَ ركضها
وللظلماتِ المواسمُ المقيمة».
شُغِلَ عن الدقائق والصغائر فانصرف عنها إلى ما ينفع اليوم والأمس، فسما فوق حطام الكلمات ومادية الحس نحو عالم مكتظ بالمخيلة والروعة والفتنة. كانت أيامه كلها بدعة وجمالاً وغرابة، فأبدع في فضائها شموساً وأقماراً وعصافير، ثم شكلها قصائد وروايات ولوحات ونصوصاً وقصصاً، غير ان إبداعه الحقيقي تجلى في حياته اللاهبة اللاهية عاشها بتوتر وتحفز وانتباه. كانت حياته كلها قصيدة عشق طويلة للوطن الذي تناءى وللأماكن التي استقر فيها وللنساء اللواتي أحبّ وللأزمنة الجميلة والحزينة التي عبقت بها تفصيلات عمره وللمعبد الشعري الذي أقامه لروحه الثائرة المتوثبة.
تميّز جبرا إبراهيم جبرا بفاعلية فكرية وإبداعية ونقدية كبيرة جداً. وكان إبداعه شهوة مشبوبة لا تهدأ كالطوفان(2) فعلاً، ومتعته الوحيدة وجدها في الإبداع وحده.
رسم جبرا أولى لوحاته سنة 1941، أما آخر لوحاته فرسمها سنة 1967، لكنه استمرّ يكتب بلا توقف حتى وفاته، فأصدر 63 كتاباً تنوّعت بين الرواية والقصة والشعر والترجمة والنقد وتاريخ الفن. وكان، إلى ذلك، ذواقة موسيقى ومبتدع أفكار ومصطلحات؛ فهو أول مَن اقترح سنة 1946 مصطلح «الرومانسية» بدلاً من «الرومانتيكية» أو «الرومانطيقية»، وأول مَن فرّق شعر التفعيلة عن الشعر الحر أو قصيدة النثر. وكثير من النقاد، في هذه الأيام، مازالوا يخلطون هذه المصطلحات خلطاً بلا تفريق. أما تجربته الروائية المشتركة مع عبد الرحمن منيف في «عالم بلا خرائط»، بكل عظمتها وروعتها وبهائها، فإن طه حسين وتوفيق الحكيم سبقاهما في هذه التجربة عندما كتبا معاً «القصر المسحور».
كتب جبرا خمس روايات هي: «البحث عن وليد مسعود» و«عالم بلا خرائط» و«صيادون في شارع ضيق» و«صراخ في ليل طويل» و«يوميات سراب عفان»، ومجموعة قصصية واحدة هي: «عرق وقصص أخرى»، وثلاث مجموعات شعرية هي: «تموز في المدينة» و«المدار المغلق» و«لوعة الشمس». وكتب سيناريوين روائيين وأكثر من خمسة عشر كتاباً في النقد. وكان للترجمة نصيب كبير في اهتمام جبرا، فهو أستاذ في هذا الحقل ترجم نحو 30 كتاباً أشهرها، على الإطلاق، مآسي شكسبير الكبرى (هاملت، عطيل، مكبث، الملك لير)؛ و«أدونيس أو تموز» (جيمس فريزر)؛ «الأمير السعيد» (أوسكار وايلد)؛ «في انتظار غودو» (صموئيل بيكيت)؛ «الصخب والعنف» (وليم فوكنر).
في 12/12/1994 هوى في العـــراق قمـــر فلسطـــيني من أقمار الأدب العربي، فكأن السماء العربية بحاجـــة، بعد، إلى المزيد من الكآبة. أغمض جبرا إبراهيم جـــــبرا عينيه. قبل أن يشهد تدمير العراق وتحويل هذا البلد الخصيب إلى صحراء. وفي منزله الجميل في «شارع الأميرات» ببغداد تكدست آلاف الرسائل التي تلقاها من مبدعي العرب والعالم، وهي تشكل ثروة ثقافية ومعرفية فائقة القيمة، وكنزاً مهيباً يتيح للنقاد دراسة هذه التجربة الإبداعية الفذة، ودراسة الحياة الثقافية في الحقبة التي عاشها جبرا. لكن أيدي الإرهاب لم تلبث ان امتدت لتزرع عبوة ناسفة بالقرب من منزله، ومع انفجارها تطايرت محتويات المنزل من لوحات وكتب ومنحوتات وأكياس رسائل ومخطوطات وغيرها. وهذا هو الإرهاب الأعمى تماماً.

2 ـ توفيق زيّاد: قمر الناصرة
يشير مؤرخو الشعر العربي المعاصر إلى ان العام 1930 شهد بزوغ التجدد في الشعر الفلسطيني. ففي ذلك العام شنق الانتداب البريطاني الشهداء الثلاثة: فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير. ونظم إبراهيم طوقان قصيدته المشهورة «الثلاثاء الحمراء» فجاءت قصيدة جديدة في شكلها ونهجها الفني.
وفي هذا العام بالذات ولد توفيق زيّاد فكأنه على موعد مع الجديد في الشعر وفي الحياة، وعلى موعد مع المصائر التي انتهت إليها فلسطين.
وفي الثلاثينيات سيطر ثالوث شعري على الحياة الشعرية في فلسطين قوامه إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى). لكن ثالوثاً آخر ستكون له السيطرة في الستينيات قوامه محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زيّاد.
كان أبو سلمى وكمال ناصر ويوسف الخطيب ومعين بسيسو يحملون لواء الشعر الفلسطيني في المنفى، وكان توفيق زياد ومحمود درويش وفدوى طوقان وسميح القاسم وسالم جبران وفوزي الأسمر يحملون لواء الشعر الفلسطيني في الأرض المحتلة، وراية الصمود والتشبث بالأرض. أتذكرون نشيده:
كأننا عشرون مستحيل
في اللد والرملة والجليل
هنا على صدوركم باقون كالجدار
وفي حلوقكم
كقطعة الزجاج، كالصبار
وفي عيونكم زوبعة من نار
*****
توفيق زيّاد هو امتداد للحركة الشعرية في فلسطين التي أنجبت إسعاف النشاشيبي وعبد الكريم الكرمي وابراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود ومحمد العدناني وهارون هاشم رشيد، وهو شوط آخر في مسيرة طويلة أبرز فرسانها حسن البحيري ويوسف الخطيب وكمال ناصر وفدوى طوقان وتوفيق صايغ ومعين بسيسو ومحمود درويش وسميح القاسم وجبرا إبراهيم جبرا وراشد حسين وسالم جبران وفوزي الأسمر وعز الدين المناصرة ومحمد لافي وعبد الرحيم عمر وعلي فودة وابراهيم نصر الله ووليد خازندار، وغيرهم كثيرون.
*****
مات صاحب قصيدة «الرجوعيات» في 5/7/1994 وهو راجع إلى الناصرة المدينة التي عصيت على التهويد والترويض. وأخال اننا جميعاً أنشدنا هذه القصيدة المشهورة التي يقول في مقدمها:
أناديكم
أشد على أياديكم
أبوس الأرض تحت نعالكم
وأقول أفديكم.
شهد لزمنه العاصف، واختزن في قصائده أحداث شعب وقضية وأرض. لم ينتمِ إلى مدرسة شعرية ذات ملامح ولا إلى تيار شعري مميز، وانصرف عن كتابة الشعر الخالص المتعالي. لكنه انتمى، أولاً وأخيراً، في حياته وشعره، إلى الأرض، فكان شاعر الأرض وشاعر يوم الأرض أيضاً. أليس هو القائل:
بأسناني
سأحمل كل شبر من ثرى وطني
بأسناني
ولن أرضى بديلاً عنه
لو عُلقتُ
من شريان شرياني

(1) المقبرة التي دُفن فيها جبرا إبراهيم جبرا. وهي تقع في إحدى ضواحي بغداد. (2) «الحرية والطوفان» أحد مؤلفات جبرا إبراهيم جبرا.