كان اليهود المستوطنون في فلسطين أول من زرع فكرة المقاطعة منذ بداية الهجرة غير الشرعية في زمن الانتداب البريطاني، فراحوا يمتنعون عن شراء البضائع والحاجيات من المتاجر العربية عندما يكون لديهم مثيلاتها ويمتنعون قدر المستطاع عن الاستعانة باليد العاملة العربية.
وعندما وعى العرب فداحة الخطر الصهيوني وتزايد سيطرتهم وتفاقم هجرتهم، رأوا في المقاطعة سلاحاً مساعداً لإضعاف النمو اليهودي في فلسطين، فتألفت لجان من المسلمين والمسيحيين بالاتفاق مع اللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني 1919/1935 ومع الهيئة العربية العليا وبمؤازرة الصحافة العربية الفلسطينية وأخذت تدعو الأهالي والتجار العرب لمقاطعة السلع اليهودية ووقف التعامل مع التجار اليهود أملاً في أن يحد ذلك من تقدم الإنتاج الزراعي والصناعي اليهودي ومن تطوره ويخفف بالتالي من تدفق المهاجرين اليهود إلى فلسطين.
وفي 2/12/1945 قرر مجلس جامعة الدول العربية التدخل المباشر في قضية المقاطعة لمساعدة الفلسطينيين على إضعاف الصناعة والتجارة اليهودية بإغلاق باب الأسواق العربية بوجهها فأصدر قرارا قضى فيه:
1 ـ ان المنتجات والمصنوعات اليهودية في فلسطين غير مرغوب فيها في البلاد العربية. لأن إباحة دخولها للبلاد العربية تؤدي إلى تحقيق الأغراض السياسية الصهيونية، فإلى أن تتغير هذه الأغراض على كل دولة من دولها أن تتخذ الإجراءات لمنع هذه المنتجات والمصنوعات من دخول بلادها، سواء جاءتها من فلسطين مباشرة أو عن طريق آخر، وعليها كذلك مقاومة الصناعة الصهيونية بأية وسيلة ممكنة.
2 ـ بدعوة الشعوب العربية غير الممثلة في مجلس الجامعة الى أن تتضامن وتتعاون مع دول الجامعة في هذا القرار فتمنع المؤسسات والهيئات والتجار والوسطاء والأفراد من التعامل وتوزيع واستهلاك المنتجات والمصنوعات الصهيونية.
توقفت لجنة المقاطعة التابعة لجامعة الدول العربية عن أعمالها بسبب نشوب القتال في 15 أيار (مايو) 1948. وعندما عاد مجلس الجامعة إلى الانعقاد تدارس مسألة المقاطعة مجدداً فرأى أنها أمر ضروري وأنه من أمضى الأسلحة وأجداها للضغط على إسرائيل ومعاقبتها والحد من قواها، فاتخذ مجلس دول الجامعة العربية في دور انعقاده الرابع عشر بجلسة أيار (مايو) 1965 قراراً شاملاً يقضي بإنشاء مكتب رئيسي للمقاطعة يكون مركزه دمشق وبإنشاء مكاتب إقليمية للمقاطعة في كل دولة عربية.
بناء على هذا القرار، اختار الأمين العام أول مفوض عام للمكتب الرئيسي للمقاطعة واختير لمعاونته بعض موظفي الأمانة العامة. ونتيجة لمساعي المكتب الرئيسي واتصالاته بالحكومات العربية تم تشكيل المكاتب الإقليمية للمقاطعة في الدول العربية. فلما دعي المجلس للانعقاد في دورته السادسة عشرة في آذار (مارس) 1952 كانت هذه المكاتب قد أصبحت حقيقة واقعة وقد عقد أول مؤتمر لضباط اتصال المكاتب الإقليمية للمقاطعة بالقاهرة في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1951. ومن جهة أخرى، سنت الدول العربية التشريعات اللازمة لتنظيم المقاطعة في داخل كل منها. ونورد في الفصل الثاني مبادئ المقاطعة وقواعدها كما هي معمول بها الآن، وقد قصدنا ذكر التفاصيل لأن أكثرها مجهول ومن الخير الاطلاع عليها.