| 

كيف يمكن انتصار شعب ضعيف على قوة محتلة غاشمة؟ إنه السؤال المضمر الذي يحفز النقاش الفلسطيني الحالي في شأن آفاق التغيير ومتطلباته المرجو في بنية الحركة الوطنية الفلسطينية وبرنامجها، بوصفها الحامل الوطني للمشروع الكفاحي الفلسطيني في مواجهة الاحتلال والعنصرية. وهو تغيير تتجلى اليوم مؤشراته في حراك شعبي شبابي انتقل من حالة الإلهام الفردي المتولد عن الثورات والهبات الشعبية في أكثر من بلد عربي، إلى الإلهام الجماعي الذي يسعى للتوافق على شعارات وأهداف محددة لعملية تغيير تحظى بتوافق وطني في مساحة فلسطين التاريخية، ومساحات تشتت الشعب الفلسطيني خارج الوطن. وفي سياق هذا المسعى، تتبلور يوماً بعد آخر ملامح الوعي الجمعي بمرتكزات إعادة بناء المشروع الوطني وحامله التمثيلي، والآليات الأكثر فاعلية لتحقيق ذلك، عبر نقاشات ينخرط فيها آلاف المشاركين في نحو ثمانين مجموعة على شبكات التواصل الاجتماعي، جلّها تتشكل على إيقاع نموذج الثورة المصرية.
تبدو هذه الحالة، بما تنطوي عليه من نقاشات غنية، أكثر تقدماً من المربع الذي لا تزال تراوح فيه سياسات قيادة منظمة التحرير والفصائل والسلطتين القائمتين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وإذا كان تعدّد المجموعات وتنوّع الأهداف والشعارات التي تتبناها مؤشراً سلبياً على تشتت الجهود في المرحلة الراهنة، إلا أن المؤشر الإيجابي يكمن أولاً في انطلاق الحراك الشعبي بحدّ ذاته، في محاولة لكسر حاجز الخوف من الإجراءات المضادة التي يمكن ان تتخذها سلطتا رام الله وغزة، وثانياً في اتفاق المجموعات كافة على أن الهدف الاستراتيجي للحراك هو توفير مقومات إطلاق مقاومة فاعلة قادرة سياسياً وميدانياً على مجابهة الاحتلال الإسرائيلي، وثالثاً في تقاطع معظم الأهداف والشعارات على الرغم من اختلاف ترتيب أولوياتها في رؤى المجموعات لنقطة الانطلاق في عملية التغيير، ورابعاً في مسعى عدد من المجموعات لتوحيد شعارها الرئيسي عبر دعوات لتأليف هيئة تنسيقية تستند إلى رؤية موحدة.
هنا، تتدحرج عملية لا تزال في مرحلة بناء الوعي الجمعي بأهداف وآليات التغيير، كشرط لتفعيل الإرادة الشعبية في سياق صنع التغيير. وفي الشرط الفلسطيني، حيث الاحتلال والانقسام السياسي، وتناثر الفلسطينيين ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة وأراضي 48 والشتات، فإن بناء الوعي الجمعي يسير بوتائر سريعة نسبياً، على الرغم من إحباط البعض المدفوع بسرعة وتيرة التغيير في كل من تونس ومصر. كما أن ما يبدو ارتباكاً في تحديد نقطة الانطلاق ذات الأولوية للحراك الشعبي، أكان ذلك من مربع إنهاء الانقسام على مستوى السلطة الفلسطينية، أو إصلاح منظمة التحرير وتفعيلها، أو إعادة بناء التمثيل الوطني من خلال عملية انتخابية للمجلس الوطني، أو حل السلطة، وغير ذلك، لا يلغي حقيقة أن عملية التغيير قد بدأت، وهي تكتسب زخماً سيدفع باتجاه تبلور تيار شبابي وشعبي رئيسي سيتصدر حالة الحراك الشعبي، ويدفعها باتجاه تحقيق أهداف قد لا تقبل بأقل من التغيير الشامل في بنية النظام السياسي الفلسطيني وبرنامجه.
ولا شك في أن التباينات بشأن خريطة الطريق لعملية التغيير تضمحلّ عند نقطة النهاية في هذه الطريق، أي بالتوافق على أن الهدف الاستراتيجي الأسمى هو إنهاء الاحتلال ونظام الفصل العنصري بالاستناد إلى مشروع وطني يوحّد الطاقات المتاحة والكامنة لدى جميع أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات في مواجهة الاحتلال والعنصرية. ومشروع كهذا لا يمكن إلا أن يكون مقاوماً، ويعيد تموضع الحركة الوطنية الفلسطينية في الموقع المرصود لحركة التحرر الوطني.

العنف أم القوة؟
في هذا السياق، يطال النقاش أيضاً الأساليب الأمثل لممارسة المقاومة، بين موقف يدعو إلى اعتماد المقاومة المدنية اللاعنفية ضد الاحتلال انطلاقاً من عدم الإيمان أصلاً بجدوى الكفاح المسلح، وآخر يدعو إلى تبني خيار المقاومة المدنية في هذه المرحلة من دون إغلاق الباب أمام إمكانية ممارسة الكفاح المسلح في مرحلة تتطلبه ظروف الكفاح الفلسطيني ومتطلبات ردع المشروع الإسرائيلي الاستيطاني العدواني، وآخر يمزج بين تبني الأسلوبين العنفي واللاعنفي، إلى جانب موقف يعلي من وزن الكفاح المسلح على المقاومة المدنية، بوصفه «الخيار الإستراتيجي» في مواجهة العدوانية الإسرائيلية، وتصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية.
وفي جميع الأحوال، فإن مجمل هذه المواقف يقف على مسافة كبيرة من المفهوم الذي تتبناه السلطة الفلسطينية في رام الله للمقاومة الشعبية، كما اتضح من دعوة رئيس الحكومة سلام فياض إلى اعتماد المدخل الأمني لتأليف حكومة وحدة وطنية ترسم وتعمم «المفهوم الأمني الممارس فعلياً من قبل حركة حماس في قطاع غزة، والمعتمد رسمياً من السلطة في الضفة الغربية»، وفق مبدأ «استبعاد العنف» في سعي الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه الوطنية. أما انعكاسات هذا المفهوم على المقاومة، فتتمثل في الممارسة الأمنية اليومية عبر الحرص على بقاء المقاومة الشعبية محشورة في جزر صغيرة أشبه بكانتونات منعزلة عن بعض في بلعين ونعلين والنبي صالح والمعصرة ودورا وغيرها من القرى، بينما يتم تحييد المدن عن الانخراط في المقاومة الشعبية، ومنع جمهورها من الوصول إلى نقاط الاحتكاك مع جيش الاحتلال والمستوطنين، وفي وقت يقتصر فيه التحرك الدبلوماسي على توسيع دائرة الاعترافات بالدولة الفلسطينية «على أساس» خط الرابع من حزيران 1967، ونقل بعض الملفات، كالاستيطان، إلى مجلس الأمن، في مسعى لا يزال يراهن على تحسين شروط العودة إلى العملية التفاوضية السلمية، التي ترفع إلى مصاف «الخيار الاستراتيجي».

المقاومة المدنية
في المقابل، تتسع دائرة تبني مفهوم المقاومة المدنية (الشعبية) الشاملة، وهو خيار لا يستبعد الخيارات الأخرى في سياق ممارسة المقاومة، بمعنى أنه لا يستبعد الكفاح المسلح، فلا يمكن إسقاط الحق في ممارسة المقاومة المسلحة في ظل الاعتداءات المتمادية لسلطات الاحتلال على الشعب الفلسطيني، كحق كفله القانون الدولي، وقد تقتضي ممارسته ظروف الصراع ومفهوم ردع العدوان الإسرائيلي، ولا سيما في ظل التهديدات المتواصلة بشن عدوان جديد على قطاع غزة.
في سياق السعي لتقديم إجابات واقعية عن كيفية تمكين شعب ضعيف من مواجهة قوة محتلة غاشمة، تبرز أهمية بناء مقومات القوة الشاملة لدى الشعب الخاضع للاحتلال، وتسخيرها في إطار العمل على تحويل ميزات قوة الخصم إلى ميزات لمصلحة الطرف الأضعف في معادلة الصراع الذي يحرص الاحتلال على إدارته في مربع اختلال ميزان القوى الذي يفضله، ويوفر له ميزة وصم الكفاح العنفي بـ «الإرهاب». فكيف يمكن أن يحوّل الفلسطينيون قوة الخصم إلى عوامل قوة في كفاحهم الراهن؟
يشبه هذا السؤال المثال التالي: متى يمكن لشخص وزنه 50 كيلو غراماً أن يطرح أرضاً خصماً وزنه 100 كيلو غرام؟ والجواب: عندما يصبح وزن الشخص الضعيف 150 كيلو غراماً، ويتحول وزن خصمه إلى صفر. أي عندما تصبح قوة الخصم قيمة مضافة لمصلحة الضعيف، إذا عرف الأخير كيف يشل قوة الخصم. وفي الحالة الفلسطينية يعني ذلك أن أحد السبل لهزيمة الخصم هي رفع تكلفة الاحتلال لتفوق كلفة إنهاء الاحتلال على مزايا استمراره، وأن يتم تحويل الممارسات العنصرية والإجرامية إلى أداة لإدانة إسرائيل وعزلها على مختلف المستويات. ويتطلب ذلك تطوير المقاومة الشعبية والمدنية بمعنى شمولي، يحول تكلفة استمرار نظام «الأبارتهايد» إلى عناصر تهزم إسرائيل، بتوظيف طاقات الشعب كلها في المقاومة، وإضفاء البعد العالمي عليها، أي تشجيع المزيد من الفئات الشعبية ومكوّنات حركة التضامن العالمية والمؤسسات الحقوقية والإنسانية على المساهمة الفاعلة في مقاومة الاحتلال والعنصرية. هنا يجري الحديث عن حركة مقاومة عالمية، أشبه بمفهوم المقاومة أو الانتفاضة «المعولمة» كما بات يطلق عليها البعض.
ونقطة البداية في النقاش الفلسطيني اليوم يجب أن تكون الإجابة عن السؤال التالي: ماذا نريد من المقاومة من حيث أهدافها الاستراتيجية، وما هو نطاق الجغرافيا التي ينبغي ممارسة المقاومة فيها، ومن أجلها؟ هنا يتسع الجدل ليطال إعادة تعريف القضية الفلسطينية والمشروع الوطني التحرري، انطلاقاً من اعتبار مقاومة الاحتلال والعنصرية مهمة عالمية، رأس حربتها الشعب الفلسطيني الذي يخوض المعركة في كل مكان، وفق مهمات وآليات لا تلغي خصائص أي تجمع فلسطيني، أكان في الضفة الغربية، أو قطاع غزة، أو أراضي عام 48، أو تجمعات الشتات، بل توظف ميزات كل حزمة من هذه الخصائص في الكفاح لتحقيق أهداف محددة، ولكن تحت سقف مشروع وطني جمعي ينطلق من التمسك بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير في مواجهة نظام السيطرة العسكري العنصري، وآليات إعادة إنتاج سيطرته على التجمعات الفلسطينية بما يتلاءم مع خصائص كل منها، ومقتضيات تقدّم مشروع نظام الفصل العنصري، في الضفة، والقدس، والقطاع، وأراضي 48.
وفي الحديث عن نطاق «جغرافيا المقاومة» على الأرض الفلسطينية، يطرح التساؤل النقدي التالي: هل ما يقدّم من نماذج للمقاومة السلمية في نعلين وبلعين والنبي صالح والمعصرة ودورا والعديد من المناطق الأخرى هو المطلوب؟ وإذا كانت الحال هكذا، فما هو هدف هذه المقاومة في جزر معزولة، على الرغم من تفاني المنخرطين فيها وتضحياتهم وإبداعهم؟ هل هو إزالة جدار الفصل العنصري أم إزاحته عن هذه القرى؟ أي هل المطلوب تغيير مسار الجدار، أم إنهاء الاحتلال، وهزيمة السياسة العنصرية الإسرائيلية؟ وهل يتواصل «تكييف» النضال الشعبي في قرى تبدو كجزر معزولة عن بعضها، أم المطلوب مقاومة شاملة على امتداد جغرافيا الصراع، تتحدّى سياسة حصر الفلسطينيين واحتجاجاتهم في نطاق كانتونات وغيتوهات يفرضها نظام الفصل العنصري الإسرائيلي على أرض الواقع، بل وربما تعيد رسم جغرافيا الصراع بشكل يتجاوز ما يعرف باسم «الخط الأخضر» الذي محته أصلاً سياسة الاستيطان والتهويد والأسرلة؟
مع استمرار حالة الانقسام، وسياسة السلطتين القائمتين في الضفة الغربية وقطاع غزة لاحتواء أشكال المقاومة وضبط إيقاعها بما يخدم بقاء هاتين السلطتين أولاً، لا يمكن التوافق فلسطينياً على إجابات محددة تتصل بتحديد هدف الكفاح الوطني الفلسطيني، من دون التوافق أولاً على إعادة تعريف القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي والأدوات المتاحة للانتصار في هذا الصراع. ولذلك، ثمة ضرورة لإعادة تعريف الصراع باعتباره صراعاً ضد «الدولة اليهودية»، أي صراع ضد الصهيونية ومشروعها على الأرض الفلسطينية، ولا يزال يدور حول القضايا ذاتها التي لم تحسمها إسرائيل خلال نكبة العام 1948، وهو الهدف الأساس الذي ينبغي أن يحكم مسار كفاح الفلسطينيين، ومعهم جميع المناهضين للعنصرية في العالم، خاصة إذا توافق الفلسطينيون على فشل إمكانية التوصل إلى تسوية تفاوضية وفق ما بات يعرف باسم «حلّ الدولتين» بالمفهوم الفلسطيني للدولة الفلسطينية المنشودة، ولا سيما أنه ما عاد ممكناً الحديث عن «حلّ دولتين»، إلا وفق ما هو قائم حالياً مع توسع نطاق السلطة على مزيد من الجغرافيا والسكان.

المقاومة الشاملة
ويقود مثل هذا التحول في المشروع الوطني، من حيث مضمون أهدافه، وأدواته، وبنية القوى الحاملة له وبرامجها، إلى استخلاص محدد لا يصعب التوافق عليه ضمن حالة النقاش والحراك الشعبي المتصاعد حالياً، وهو فتح باب الصراع مع إسرائيل الصهيونية، وفق مفهوم المقاومة المدنية الشاملة، ومن دون التنازل عن الحق المشروع في الكفاح المسلح إذا توفرت شروطه، أو إغفال أهمية الحفاظ على بنية فصائل المقاومة وقدراتها وتطويرها ولا سيما في قطاع غزة المهدد بالعدوان في كل لحظة، ولكن أيضاً من دون انشغال فلسطيني الآن في جدل قد يحسمه تطور مستقبل الصراع بشأن الدولة في أراضي 67، أو الدولة الواحدة، أو ثنائية القومية، أو غيرها من خيارات استراتيجية.
إن المقاومة الشاملة، بمعنى شمولية الجغرافيا والفئات والقوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المنخرطة بها، تعني تعميم حالة المقاومة ونقلها من حالة «الجزر» الحالية إلى سياسة يومية في الحضر والريف والمخيمات، ضد نظام الفصل العنصري، وهي عملية يكمن أحد أهم شروط نجاحها في «التمرد» على سياسة «تقسيم المقسم» ورفض التكيف في نطاق المعازل، بما في ذلك تكييف أشكال المقاومة على مقاس هذه المعازل. فإسرائيل تستطيع أن تتعايش مع التظاهرات السلمية في الجزر والمعازل، لكنها لا تستطيع أن تتعايش مع مقاومة ترفض الكانتونات وتتمرّد على الجغرافيات المتناثرة وتقسيمات اتفاقية أوسلو.
ولا شك في أن تبني استراتيجية وطنية تفعِّل المقاومة الشعبية الفلسطينية، وتعزز البعد العالمي في مجابهة الاحتلال والعنصرية عبر حملات التضامن الدولية، ومقاطعة دولة الاحتلال وعزلها، ورفض التطبيع بأشكاله المختلفة، وتفعيل الرأي الاستشاري الصادر عن المحكمة الدولية في لاهاي، ومتابعة تقرير غولدستون، ونقل بعض ملفات الصراع، كالقدس والاستيطان وجرائم الحرب، إلى المحافل الدولية المختلفة، لا يبدو ممكناً من دون العمل الحثيث على إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية بوصفها نقطة البدء التي ينبغي أن يركز عليها الحراك الشعبي الراهن، من خلال التركيز على المطالبة بإعادة بناء التمثيل الوطني عبر انتخاب المجلس الوطني، ووضع ميثاق وطني يعيد الاعتبار للتمسك بالحقوق والرواية التاريخية وحق تقرير المصير. وفي سياق هذه العملية، يمكن أن يتحقق شعار إنهاء الانقسام، وتقديم أجوبة بشأن المفاوضات، والمسار السياسي الأكثر فاعلية، وأشكال المقاومة الأنجع في كل مرحلة، ومصير السلطتين القائمتين في الضفة والقطاع، عبر توافق وطني يتحقق أولاً في الهيئات المنتخبة لمنظمة التحرير الفلسطينية، ويشق طريقاً جديدة نحو مقاومة شاملة توظف طاقات الفلسطينيين أينما كانوا في الصراع ضد الاحتلال والعنصرية.

خليل شاهين كاتب وباحث مقيم في رام الله