-   | 

لم تنشأ السلطة الفلسطينية على أرض محررة، مثلما توقع البرنامج المرحلي (برنامج النقاط العشر) لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي شكل إيذاناً برغبة قيادة المنظمة في البحث عن حلول سياسية بأي ثمن، بل في ظل الاحتلال، ومن خلفه وأمامه الولايات المتحدة الأميركية. ومن هنا جاءت ولادة السلطة الفلسطينية بعد مخاض تسووي لتحدث حالة قطع مع السيرورة التاريخية لحركة المقاومة الفلسطينية ورافعتها منظمة التحرير الفلسطينية، الأمر الذي وسم السلطة بهوية هجينة لولادتها القيصرية عبر قابلة الاحتلال من جهة، وتخليها عن المشروع الوطني التحرري، وعن عدم تحقيق الدولة ومحاولتها العيش في حالة فصامية مع الواقع من جهة ثانية، وهكذا لا غرابة بأن يعتبر «شمعون بيرس» اتفاقية أوسلو «نصراً ثانياً للحركة الصهيونية» بعد نصرها الأول العام 1948.
أوكل للأجهزة الأمنية الفلسطينية في أعقاب اتفاقية أوسلو ثلاث مهمات أمنية متضاربة ومتناقضة عكست الهوية الهجينة للسلطة الفلسطينية. الأولى هي توفير شكل أساسي من الأمن الشخصي للفلسطينيين في المناطق التي أعاد الجيش الإسرائيلي انتشاره فيها بعيد إنشاء السلطة الفلسطينية التي تسيطر على قرابة 40% من أراضي الضفة الغربية. والثانية منع أي أعمال ضد إسرائيل وقوات احتلالها في الأرض الفلسطينية المحتلة. أما الثالثة فتتمثل في تشجيع، أو على الأقل عدم التدخل في المساعي الهادفة إلى التحرر الوطني.
 

العقيدة الأمنية لأجهزة أمن السلطة

إن تلك المهمات الأمنية الثلاث صاغت عقيدة أمنية خاصة بأجهزة أمن السلطة ترتكز في الأساس على «تجفيف منابع الإرهاب» أي العداء للمقاومة، ويدلل على هذا، التدريب الذي تتلقاه الأجهزة على أيدي فريق التنسيق الأمني الأميركي (USSC) برضى الاحتلال التام، وترجمته في الميدان، والذي يهدف في النتيجة إلى تصنيع «شباب فلسطين الجدد» على حد تعبير رئيس الفريق الأمني السابق الجنرال كيث دايتون في خطاب له في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط في 7 أيار 2009.
«شباب دايتون» هؤلاء، ونقلاً عن الخطاب المذكور، خاطبهم ضابط فلسطيني كبير قائلاً: «لم تأتوا إلى هنا لتتعلموا كيف تقاتلون إسرائيل (وإنما) من أجل أن نتمكن من العيش بأمن وسلام مع إسرائيل»، وهو ما دعا ضباط الاحتلال إلى سؤال دايتون: «كم من هؤلاء الرجال الجدد تستطيع أن تصنع، وبأي سرعة، لأنهم الوسيلة التي تؤدي إلى رحيلنا عن الضفة الغربية».
وهكذا راحت الأجهزة الأمنية تفرض العديد من الممارسات والسياسات والقوانين التي تضيق على من تدّعي أنهم في غير خندق السلطة، والتي يمكن إيجازها فيما يلي:
1. ممارسة الاعتقال السياسي على نطاق واسع وتعذيب المعتقلين وتعمُّد إهانة كرامتهم (30 ألف حالة اعتقال سياسي خلال الأعوام الأربعة الأخيرة)، 2. الفصل من الوظيفة العامة بناءً على الانتماء السياسي (ما يقارب 3000 حالة)، 3. اشتراط «السلامة الأمنية» عند التقدم للوظيفة العامة، والذي يعني في واقع الممارسة العملية وجوب التزام المتقدم للوظيفة الشرعية (وهي هنا شرعية السلطة وقد كثر استخدامها في أعقاب الحسم العسكري في قطاع غزة في حزيران 2007)، 4. اشتراط الحصول على حسن سيرة وسلوك لمن يتقدم للوظيفة العامة، وحتى لأولئك الذين يودّون استصدار رخصة سياقة وحرمان من هم غير ملتزمين الشرعية منها، 5. إغلاق الجمعيات الخيرية (170 جمعية)، 6. المصادرة العينية والمادية من دون وجود قرار قضائي، 7. سن قانون غسيل الأموال، 8. فض وتخريب التجمّعات العامة والتظاهرات المنددة بموقف السلطة من المفاوضات، كما حدث مؤخراً في رام الله عندما نظمت قوى اليسار مؤتمراً معارضاً للمفاوضات، وكما حدث مع التظاهرات المؤيدة للثورات العربية بواسطة عناصر من الأجهزة الأمنية بلباس مدني.
 

تجفيف منابع المقاومة

منذ البداية، نظر الفلسطينيون إلى العملية السلمية والتدخل الدولي الرسمي والمؤسساتي في إعادة هيكلة مجتمعهم وبنيته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية على أنه عملية فساد وإفساد تسير بمسارين متوازيين. المسار السياسي عماده إنشاء سلطة فلسطينية - كفاعل سياسي - جديد أخذت تتضخّم إلى أن ابتلعت منظمة التحرير الفلسطينية نفسها، وأخذت تتصرّف بموجب مصدر شرعيتها الجديدة المستمدة من الاتفاقيات الموقعة مع دولة الاحتلال ومنظومة العلاقات الدولية للعملية السلمية. أما المسار الاقتصادي، فقوامه التدخل الجارف للمؤسسات الاقتصادية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي وبعثة البنك الدولي، التي حلّت في الأرض المحتلة مباشرة بعد إنشاء السلطة وأخذت تعيد هيكلة الاقتصاد وتسخيره في خدمة مشروع العملية السلمية.
جاءت الانتفاضة الفلسطينية الثانية (أيلول 2000) عقب ما آلت إليه قمة كامب ديفيد الثانية، لتشكل طوق نجاة للقيادة الفلسطينية. ولكن سرعان ما أخذت أصوات الدعوة إلى «وقف عسكرة الانتفاضة» تتعالى من داخل معسكر السلطة في رفض واضح وصريح لانخراط بعض هياكلها في الانتفاضة الشعبية.
وأدت الضغوط الدولية الساعية لرفع «الشرعية» عن الرئيس ياسر عرفات، وما رافقها من تدمير البنية التحتية للسلطة الفلسطينية في العام 2002، إلى إجبار عرفات على التخلي عن بعض صلاحياته، ومنها تعيين رئيس بعثة صندوق النقد الدولي سلام فياض وزيراً للمالية، واستحداث منصب رئيس وزراء تولاه حينها محمود عباس الذي استقال منه بعد مئة يوم في إثر أزمة أعطت زخماً إضافياً لأطروحة وقف «عسكرة الانتفاضة» التي كان ينادي بها عباس.
وقد سارعت الدول الراعية للعملية السلمية الى تجنيد الدعم المالي المشروط لإعادة بناء السلطة الفلسطينية وفق تصورات ركزت على الشفافية المالية وإصلاح الأجهزة الأمنية و«وقف العنف»، وأعيد تأكيد مكانة أمن إسرائيل كأولوية حاسمة في مصير العملية السلمية.
على المستوى الفلسطيني، عبرت جهود الدول الراعية للعملية السلمية عن دعم لأطروحات سياسية واقتصادية قوامها وقف «عسكرة الانتفاضة» والعودة إلى طاولة المفاوضات وفق خريطة الطريق وسياسة إحلال السلام من خلال الأمن، وبالتالي فرض الأمن و«احتكار السلطة للعنف»، وما يتطلبه ذلك من فرض رقابة مالية على المعاملات المالية للسلطة، والشروع في بناء المؤسسات الفلسطينية وفق رؤية الصندوق والبنك الدوليين في سبيل تأهيل المجتمع الفلسطيني لاستحقاق الدولة القابلة للحياة، كما وعد الرئيس الأميركي جورج بوش الابن.
وهكذا ترجمت العقيدة الأمنية فلسفة التصور السياسي القائم على وقف «عسكرة الانتفاضة»، واتخذت هذه العملية بعداً أكثر عمقاً وخطراً بعد الانقسام الفلسطيني في حزيران 2007 بين القطبين الرئيسيين «فتح» و«حماس»، وأصبح التنسيق الأمني الحجر الزاوية الذي تتلاقى عنده مصالح السلطة الفلسطينية ودولة الاحتلال والمطالب الدولية، فيما عكست أطروحة بناء دولة المؤسسات في الضفة الغربية الرغبة المشتركة في مكافأة السلطة بالضفة الغربية ومدّها بالأموال زيادة على ما تطلبه كما في مؤتمر باريس للمانحين 2007 الذي تعهد بتقديم 7 مليارات دولار في حين طلب السيد سلام فياض 5 مليارات من جهة، ومن جهة أخرى معاقبة قطاع غزة بالمعونات الإغاثية المهينة.
 

عندما تصبح المفاوضات مقاومة!

لإيمانها بنهج «الحياة مفاوضات»، عملت السلطة على تسويق مفاوضاتها على أنها «أم المعارك»، لدرجة الاستخفاف بعقول الناس وتصوير الأمم المتحدة على أنها الساحة الحقيقية للحرب، على الرغم من كون السلطة قايضت تقرير «غولدستون» والتفت على قرارات الأمم المتحدة في مشهد يستحضر دور الوفود الليبية التي أرسلها المستعمر الإيطالي لإقناع شيخ الشهداء عمر المختار بعدوله عن مقاومته وانتظار ما ستقرره عصبة الأمم بشأن ليبيا، فما كان من المختار إلا أن أعلن أن «هذه الحرب نخوضها هنا لا في عصبة الأمم».
وبدلاً من وضع التفاوض في خدمة شعارات النضال التحرري، نفذت السلطة على الأرض سلسلة من الإجراءات ضد المقاومة فعلاً وثقافةً، بنوع من تقسيم العمل فيما بينها وبين الاحتلال، متسلحة بأموال المانحين، وبتدريب لأجهزتها الأمنية وبجحافل من أدعياء الثقافة هتفوا لنهج أوسلو واقتاتوا على موائده.
وكان لذلك تجليات عدة عكست نفسها على المجتمع الفلسطيني وطالته التشوّهات، وطالت أيضاً الأحزاب السياسية، والنقابات المهنية، والاتحادات الشعبية، والحركات النسوية والطالبية، علاوة على مؤسسات المجتمع المدني، لتطال بالمحصلة النهائية المقاومة وثقافتها.
 

العقيدة الأمنية وهدر «الروح الثورية»

حلت العقيدة الأمنية للأجهزة الأمنية محل العقيدة الثورية وأنتجت شرخاً غائراً في الروح الفلسطينية التي باتت بين مطرقة الاحتلال وسندان سلطة تشرع في بناء نظام أمني على غرار الأنظمة العربية. وهكذا فإن التفريط في كرامة الإنسان الفلسطيني وأمنه الوطني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والمعرفي وحتى أمنه الغذائي، جعله يعيش هدراً إنسانياً جارفاً، وتجويفاً للمعاني والقيم التي طالما آمن بها وعاش من أجلها، وتسطيحاً لتطلعاته في تحقيق ذاته الجمعية وكبتاً لطاقاته في رد العنف على مصدره. فحملات الاعتقال السياسي في الضفة الغربية، تمزق النسيج الاجتماعي الفلسطيني وتدمر القيم والمعايير الأخلاقية والسياسية والثقافية وحتى الروحية. والأخطر أن العقيدة الأمنية للأجهزة الأمنية بما تحمله من تماهٍ مع المتسلط وأفعاله وصورته تعيد صوغ تصور الإنسان الفلسطيني لذاته وعلاقته بمغتصب أرضه، ولكن إلى حين.
 

السلطة تريد بقاء النظام

وفيما تقوم السلطة الفلسطينية بأجهزتها الأمنية بالعمل على إحباط أي حراك مجتمعي يرفع شعارات سياسية تحررية، فإنها في الوقت نفسه تعمد إلى الهيمنة على المقاومة الشعبية والتحكم بها ومحاولة توظيفها سياسياً بما يخدم أفقها وسقفها السياسي المنخفض. تجري هذه السياسة على قدم وساق مع سياسة اقتصادية عنوانها الرفاه، لكنها تفضي إلى إفقار الفرد الفلسطيني وإغراقه في اليومي والمطلبي. وفي ظل سياسة الخنق الاقتصادي التي تتبعها إسرائيل بحق المجتمع الفلسطيني بغرض حرمانه من مقومات الصمود، تصبح السلطة الفلسطينية بطاقاتها التوظيفية البيروقراطية، نموذجاً آخر، لنظرية «إما النظام القائم أو الفوضى والفقر».

أنس البرغوثي ومراد جاد الله باحثان في المجال الحقوقي، رام الله