| 

مارس الشعب الفلسطيني، منذ العام 1917 وحتى اليوم، أشكالاً متعددة من النضال ضد الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية، ومن ثم ضد الاستعمار والعنصرية الإسرائيلية، وقد اتسمت كل مرحلة من تاريخ الشعب الفلسطيني بتقدم أحد الأشكال على الأخرى، وأحياناً تعايشت أشكال نضالية مختلفة في المرحلة نفسها. فمنذ العام 1917 وحتى الإضراب الشهير عام 1936، كانت المقاومة الشعبية المدنية هي الشكل الأبرز؛ حيث عقدت المؤتمرات الوطنية والشعبية، وقدمت العرائض وتم تنظيم الإضرابات، جنباً إلى جنب مع أساليب الحوار والتفاوض والاتصال مع سلطات الاستعمار، وبين عامي 1937 و1939، كانت الثورة الفلاحية الشعبية المسلحة هي الشكل الرئيس السائد. وفي أعوام 1947- 1949 كانت الحرب النظامية مع العمل الفدائي المحدود هي التي ميزت شكل المواجهة بين العرب والفلسطينيين من جانب، وبين المستعمرين البريطانيين والإسرائيليين. ومنذ 1948 وحتى العام 1968 كانت السمة الأبرز هي التوجه للأمم المتحدة والمطالبة بتطبيق قراراتها كما شهدت أشكالاً للمقاومة المدنية؛ مسيرات، مؤتمرات وإضرابات ضد مشاريع توطين ودمج اللاجئين اقتصادياً في دول اللجوء العربية وضد الأحلاف العسكرية.
تثير موضوعة أشكال النضال جدلاً دائماً على المستويات السياسية، القانونية والفكرية كافة، يتناولها البعض على أساس مدى مشروعيتها، والبعض الآخر على أساس مدى الجدوى والفعالية، ومدى قدرتها على إجبار العدو على التسليم بحقوق الشعب الفلسطيني، أو قدرتها على ردع الجلاد وحماية الضحية. ومما يزيد من تعقيد المسألة هو طبيعة العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي تستخدم وسائل القتل الفتاكة كلها كسبيل رئيسي لإحكام سيطرتها وهيمنتها على الشعب الفلسطيني ومصيره، وطبيعة الاستعمار الإسرائيلي العنصري الإحلالي - الاقتلاعي الذي يهدف الى السيطرة على الأرض ذاتها واستبعاد أصحابها الأصليين، وليس مجرد استغلال موارد البلاد كما في الاستعمار التقليدي غير الاستيطاني. وما يزيد من صعوبة المعالجة الهادئة والسلمية للصراع هو اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة، ما يجعل الجهود الدولية للبحث عن حل لهذا الصراع الدامي، إما أنها تذهب أدراج الرياح، أو تميل الى الضغط على الشعب الفلسطيني لقبول المنطق الإسرائيلي، مما يسدّ جميع الطرق للبحث عن حلول بالطرق السلمية.
صحيح أن العمل الفدائي كان الرافعة الرئيسية للكفاح بين أعوام 1968 و1988، وقد عبر في سنواته الأولى عن استعداد عال للشباب والرجال والنساء الفلسطينيين للالتحاق بصفوف المقاومة، إلى الحدّ الذي لم تكن الفصائل قادرة على استيعاب هذه الأعداد أو تفعيلها والاستفادة من طاقتها. ولكن في هذه المرحلة أيضاً، تطورت أشكال الكفاح السلمي الجماهيري في داخل الأرض المحتلة 1967 كما في داخل فلسطين المحتلة عام 1948، تدريجياً وصولاً إلى يوم الأرض الدامي في عام 1976 في فلسطين المحتلة عام 1948؛ إضرابات الأسرى وحركة الجماهير المتضامنة معهم، كفاح العمال والنقابات المختلفة ضد إجراءات الاحتلال بحقهم ونقاباتهم، وكذلك المعلمين في القطاع الحكومي، والمدارس الخاصة في القدس، وكفاح الطلبة الفلسطينيين ضد قيود الاحتلال التي فرضها على الحريات الأكاديمية، حركة العمل التطوّعي الواسعة، وكفاحهم معاً ومع المرأة الفلسطينية ضد الاستيطان ومشروع الحكم الذاتي، التوعية والتثقيف والتنظيم، تنظيم المسيرات والإضرابات والمؤتمرات وإحياء المناسبات الوطنية.. وكانت هذه الأشكال الكفاحية تلفت باستمرار اهتمام وسائل الإعلام وتجند الأنصار والمؤيدين، كما تستجلب قمعاً قاسياً من جانب سلطات الاحتلال، التي كانت تردّ على أي نشاط سلمي بالاعتقالات، منع التجول والعقوبات الجماعية وفرض نقاط التفتيش والقيود على الحركة، وإطلاق النار على المتظاهرين العزل وممارسة القتل، في محاولات للسيطرة بالقوة على نمو حركة شعبية سلمية لمقاومة الاحتلال؛ فكانت الانتفاضة الأولى (1987) جامعة لكل هذه الأشكال الشعبية للمقاومة، وشكلت نقطة تحوّل وسيادة المقاومة الشعبية الفلسطينية غير المسلحة، وإن تخللها عنف شعبي عفوي ومنظم أحياناً؛ مثل استخدام الحجارة والزجاجات الحارقة، التي تصنف قانونياً في إطار المقاومة غير المسلحة أو اللاعنفية.

انتفاضة 1987 نموذج للمقاومة الشعبية
اشتملت انتفاضة 1987-1993 على أوسع مشاركة شعبية فلسطينية وعلى طابع ديموقراطي عميق؛ حيث المبادرة الجماهيرية والمشاركة الشعبية في تحديد أهدافها، برامجها وآليات عملها، بحيث توفر تناغم كبير بين قيادتها وجماهيرها، بيانات الانتفاضة كانت تلخيصاً لمقترحات قاعدية، وعندما تصدر يتم الالتزام بتعليماتها، تضامن وتكافل اجتماعي عميق، وإحساس شامل بالأمن والأمل، كما الشعور بالانتماء والحرص على المصلحة العامة...الخ.
قامت الانتفاضة على قاعدة التنظيم الاجتماعي الفلسطيني المستقل، تفتح الأسواق متى يقرر الفلسطينيون، وليس متى يقرر جيش الاحتلال، تغلق الطرق متى أرادت قيادة الانتفاضة وجماهيرها، يذهب العمال للعمل وفقاً لقرار الانتفاضة، وصولاً إلى الامتناع عن دفع الضرائب وأشكال من العصيان المدني الشامل، كما في تجربة بيت ساحور وغيرها، وكان لها ركائزها السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية، وتستند إلى تجاوب وفعالية ومبادرة الجماهير الفلسطينية، كأساس لكل إنجازاتها.
تؤكد تجربة الانتفاضة الأولى التي ولدت عبر مخاض طويل، أن لا فرد ولا حزب ولا حركة مهما بلغ ذكاؤها يستطيع أن يقرر شكلاً معيناً وحيداً للنضال التحرري. فما كتب في الميثاق الوطني، وما كتب في أنظمة وأدبيات الفصائل لم يجد طريقه إلى التطبيق سوى في فترات محدودة جداً، ولم تنسجم الممارسة مع المعاني التي قصدت، كما أن الدعوة لإلغاء بنود في الميثاق الوطني عام 1996، حتى تنسجم مع رسائل الاعتراف المتبادل واستحقاقات أوسلو، لم تمنع من اندلاع موجة جديدة من المواجهة، غلب عليها الطابع العنيف أو استخدام «الوسائل القتالية» في الاتجاهين، وإن وجدت أشكال أخرى مرافقة فلم تحظ بالاهتمام اللازم من قبل وسائل الإعلام، التي، وربما بسبب سيطرة الإعلام الغربي المناصر لإسرائيل، ترغب دوماً في التركيز على العنف، وبالتأكيد ليس على العنف الإسرائيلي.
واليوم، ومع موت ما سُمّي بعملية السلام، ومع مأسسة المواجهة مع «حماس» بعد مأسستها سابقاً مع منظمة التحرير الفلسطينية (و»فتح» بشكل رئيسي)، وما توفره عملية المأسسة للاحتلال وللنظام العنصري الإسرائيلي من فرص للاحتواء والسيطرة وفتح الشهية من أجل بلورة «قيادات معتدلة» كما عملت دوماً؛ ويضاف الى ذلك كله، ما آلت إليه القوى الفلسطينية «المسلحة» من تدهور في نظرتها للصراع، وعملية تحويل الكثير من المناضلين ضد الاحتلال إلى مكافحين من أجل مصالح فئوية ضيقة في الداخل الفلسطيني؛ كل ذلك يدفعنا لدعوة القوى المناضلة والمناضلين كافة، مؤسسات المجتمع المدني، لإعادة تنظيم الذات في حركة مقاومة جماهيرية غير مسلحة (مدنية)، مستفيدين من تجربة كفاح شعبنا الطويلة، ومن تجارب الآخرين في هذا المجال، وتضع استراتيجية للاعتماد على الذات كأساس لمواردها الرئيسية.

لماذا المقاومة الشعبية المدنية؟
المقاومة الشعبية المدنية (غير المسلحة) تستطيع ممارسة النضال على جميع الجبهات المفتوحة والضرورية وبأقل الخسائر؛ بدءاً من العمل السياسي مروراً بالجبهة الثقافية - الفكرية، الاقتصادية، الاجتماعية - التنموية، والمقاومة الشعبية غير المسلحة هي الأسلوب الذي يستطيع شعبنا من خلاله الاستفادة من جميع الموارد والطاقات البشرية في الوطن وفي المنافي، يستطيع أن يشترك فيها الرجال والنساء، العامل والمزارع، الطفل والشيخ، وكل صاحب مهنة وكل ذي موهبة، كل صاحب علم، وكل من يمتلك شعوراً إنسانياً، ولذلك فهي الشكل الأمثل لتعبئة كل الطاقات الفلسطينية والمساندة لها. ويجب أن تستند هذه المقاومة إلى ثبات مطلق على مبادئ سياسية واضحة وأهداف محددة، وأن تستند إلى رؤية استراتيجية واضحة للمستقبل. المرونة والمبادرة. مع العلم أن التركيز على شكل المقاومة الشعبية المدنية، لا يعني بالضرورة أبداً التخلي عن خيارات وبدائل أخرى. لكن الاستعداد لخيارات أخرى شيء، واللجوء إلى استخدامها في أي وقت ولأي سبب هو شيء آخر، وقد ينطوي على أضرار لا يمكن إصلاحها.
فعلى الرغم من الشعبية التي تحظى بها عمليات المقاومة المسلحة حتى الآن، بسبب عدم وجود سبل أخرى فعالة للردّ على الاعتداءات الوحشية التي يمارسها جيشها، فإن استمرار ردود الفعل الفلسطينية الارتجالية يدفع الغالبية العظمى من الفلسطينيين العاديين إلى التفكير بأن هذه هي الطريقة الصحيحة للتعامل مع الاحتلال، وانه لا دور لهم إلا انتظار نتائج هذه اللعبة. ولذلك على القوى الفلسطينية أن تتحرّر من رد الفعل والعفوية والخوف من عدم إثبات الذات «نحن هنا»، وتتطلّع إلى أهمية الضبط التام للنفس والسيطرة على الذات، والنظر في ممارسة طرق النضال الشعبية والجماهيرية المشروعة؛ من أجل كسب معركة الدعاية أولاً؛ وإشراك كل فئات الشعب في الكفاح وفي القرار ثانياً، وحتى يعاد الاعتبار للفروق بين الجلاد والضحية ثالثاً، والانتقال من حالة ردود الفعل إلى حالة الفعل المنظم المخطط الواضح الأهداف، وفي إطار استراتيجية مدروسة وواضحة، وأية استراتيجيات مرافقة أو بديلة يمكن الاستعداد لها بالتنظيم والاستعداد والجاهزية المناسبة لحجم وطبيعة الصراع.

مدخل عملي: حملة لمقاطعة إسرائيل وعزلها
يمكن لشعار مقاطعة إسرائيل، سحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها حتى تلتزم قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، أن يكون مدخلاً لكل الراغبين في المشاركة في مسيرة الكفاح الفلسطيني ليساهموا بمبادراتهم وإمكاناتهم. وأهم ما يميز هذه الحملة عما سبقها أنها تضع نهايتها فقط عند تحقق الانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي العربية المحتلة عام 1967، تطبيق فعلي لقرار الأمم المتحدة رقم 194 لعام 1948، أي عودة اللاجئين واستعادة أملاكهم وتعويضهم، وتحقيق المواطنة الكاملة والمساواة التامة للجزء من الشعب الفلسطيني الذي يعيش في إسرائيل اليوم، وللاجئين الذين سيعودون للعيش في وطنهم ضمن دولة إسرائيل. وبالتالي، هي تقدم أهدافاً واضحة، بعيدة المدى؛ كما تقدّم منهجية الحملات للعمل من أجلها، ويتسع نطاق الحملة على مستوى العالم، لكن مطلوب فعالية فلسطينية أكثر، خاصة لدى القوى السياسية، بحيث لا تبقى الحملة في نطاق المؤسسات غير الحكومية فحسب، بل يجب أن تشمل الشعب الفلسطيني كله في الوطن والشتات. وهي تحتاج إلى ترويج ثقافتها، وشعاراتها العامة، كما تحتاج إلى مبادرة محلية يومية.
والحملة هي أحد أشكال المقاومة المدنية، ويمكن لأشكال المقاومة المدنية أن تكون فاعلة جداً في مجالات عديدة تهم العلاقة بين الشعب الفلسطيني وممارسات الاحتلال، يمكنها أن تعالج القيود على حركة السلع وقوة العمل، متابعة الكفاح ضد التوسّع الاستيطاني، عزل وتهويد القدس، التضامن مع الأسرى، مبادرات تنموية وعمل تطوعي، ....، كل شيء وجميع الناس يمكن أن يحددوا أهدافاً ويعملوا معاً لإنجازها بطرق سلمية وعبر المشاركة الشعبية، متحررين من الخوف والتردد والإحساس بفقدان الأمل، والانعزالية والتفكير في الهموم والمصالح الشخصية. ويمكن للنتائج الايجابية للمقاومة الشعبية أن تظهر فوراً، ليس على صعيد الأهداف السياسية الكبرى البعيدة المدى، بل على صعيد المساهمة في تحسين ظروف الحياة واحترام الذات والتضامن بين أفراد المجتمع، وفي تزايد المشاركة الشعبية وارتقاء مستوى الوعي... نتائج عديدة تظهر سريعاً وأخرى تحتاج إلى الكثير من الصبر وطول النفس وقوة الإرادة لمراكمتها. الائتلاف الفلسطيني لحق العودة، لجان مناهضة التطبيع، لجان المقاطعة، مؤسسات وقوى المجتمع المدني المختلفة، بما فيها الفصائل السياسية خارج السلطة، حركة التضامن العالمية، كلها معاً، يمكن أن تشكل جبهة متحدة ضد النظام الاستعماري العنصري الإسرائيلي، وفي إطار شكل المقاومة الشعبية المدنية. وهي تفعل ذلك الآن، لكنها تحتاج إلى التقدم نحو استراتيجية واضحة، مع توحيد صفوفها أكثر، كما تحتاج إلى قيادة فلسطينية تعطيها الدعم وتعطيها الثبات السياسي الراسخ على الحق، كما تحتاج إلى توقف الفلسطينيين التام عن القيام بأعمال تستغلها إسرائيل في دعايتها، وإلى درجة عالية من ضبط النفس، حتى لو قامت إسرائيل بارتكاب الجرائم، فهي فعلت وستفعل المزيد منها؛ لنعلم أن الشعب الفلسطيني جزء من البشرية يتمتع بأخلاقيات وقيم إسلامية وعربية منحازة بقوة للحرية والعدل والمساواة والسلام، فعدالة القضية الفلسطينية واضحة كالشمس، ومع ذلك؛ يبدو أن على الفلسطينيين أن يجدوا حلولاً وطرقاً لكل شيء يتعلق بمستقبلهم، وأن عليهم أن يشرحوا ويبرهنوا مراراً وتكراراً عن صدقهم وعدالة قضيتهم، يجب أن يعمل الفلسطينيون وفقاً لقاعدة أن أحداً لن يتذكر عدالة قضيتنا عندما نخطئ، ولا أحد يتذكر جرائم إسرائيل عندما يردّ الفلسطينيون بالمثل. وعليه، لا بد من إدراك جميع المعادلات وموازين القوى، ندرك حجم وطبيعة قوتنا وضعفنا، وحجم ونقاط ضعف وقوة عدونا، وكل الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية لنشاطاتنا؛ وإلا لن نتقدم للأمام مهما بلغت بلاغة شعاراتنا وخطاباتنا ومها بلغ صدق نياتنا.
المهم أن حركات النضال تستعدّ لكل شكل متوقع لتكون جاهزة لقيادة الشعب نحو الوجهة الصحيحة عندما تنضج ظروف معينة لممارسة شكل نضالي ما. وكل الأشكال تقع في أطر رئيسة: النظري والأيديولوجي الذي يفضح العدو ويفند حججه ويعزز مبادئ الشعب ومطالبه وحقوقه، الاقتصادي وهو يسعى لتحسين المعيشة وفرص العمل وشروطه وله طرق عديدة، والسياسي وله أشكال مختلفة منها الحرب والعنف والكفاح المسلح والعصيان المدني ...الخ. علما أننا هنا لا نعلق على، ولا ندخل الجدل السياسي الراهن في شأن ما هو مشروع وما غير مشروع، فهذا بحث آخر، المهم ما هو فاعل وضروري، وما هو غير ذلك في أي لحظة. فالخيارات يجب أن تكون مفتوحة ومدروسة من الشعب الفلسطيني وليس كما يفصلها المحتل.

أزمة القيادة ومنهجها
يظل التحدي الرئيس أمام جميع أشكال المقاومة، وبخاصة المقاومة الشعبية المدنية، متمثل في ضعف و/أو غياب القيادة الوطنية الفلسطينية، سواء في رام الله أو قطاع غزة، فمنهج القيادة الرسمية مرهون بما يُسمى باستراتيجية المفاوضات والعمل الدبلوماسي الذي هو جانب صغير وهامشي ومتغيّر تابع في العملية الكفاحية؛ فهو امتداد ومكمل لها، ويبني إنجازاته على ما تحققه النضالات على الأرض وليس العكس. وفي غزة، وبعد تحوّل «حماس» إلى مؤسسة الحكم الذاتي الرسمية، صارت منهجيتها مرتبطة بالشعارات العامة والخطابات البلاغية والدعاية التوتيرية الموجهة للخصم السياسي في رام الـله، بل حصدت فشلاً ذريعاً عندما تمّ توجيه الاتهام للفلسطينيين لأول مرة في التاريخ بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان (الإسرائيلي طبعاً) بحسب تقرير «غولدستون». وعليه، وبدون قيادة وطنية استراتيجية ملتزمة الثوابت ومتجاوزة للثقافة الفئوية وأسلوب المحاصصة، والاعتماد على الموالين لمنهجها فقط، وتعتمد على الذات والجماهير، وتستند إلى الحقوق والقيم السامية والقانون؛ بدون ذلك، تظل أي حركة نضالية شعبية قاصرة عن إيصال رسالتها وتحقيق تراكم يؤدي إلى تغيير حقيقي في ميزان القوى. وربما تشهد الشهور المقبلة تغييراً حقيقياً في الداخل الفلسطيني، يرمي إلى إعادة رسم الخارطة أمام الشعب الفلسطيني وإطلاق طاقاته في عملية كفاحية طويلة مبنية على رؤية واستراتيجيات جديدة. وقد تضاف ركائز جديدة وأدوات الى الركائز الأساسية لانتفاضة عام 1987، أهمها الركيزة الحقوقية والقانونية والقيم الأخلاقية، إضافة إلى التكنولوجيا ووسائل الاتصال والإعلام المعاصرة، مستفيدة من الدروس الملهمة بحق للثورة المصرية الحالية المستمرة.

سالم أبو هواش باحث وكاتب فلسطيني وناشط في حركة العودة